مازالت مدرسة محمد الخامس، الواقعة بشارع امبارك البكاي في الحسيمة شامخة، تشهد على أنها كانت مدرسة العلم والمعرفة والتربية على الأخلاق. علاقتي بمدرسة محمد الخامس التي كنا نسميها نحن الصغار « كروبو» باللغة الإسبانية وتعني (مجموعة)، تمتد من 1963 إلى 1968 تاريخ نجاحي في امتحان الالتحاق بثانوية البادسي.
كانت الرغبة الذاتية ونحن لم نتجاوز سن السادسة، تشدنا إلى مقاعد هذه المدرسة، ومعلمون أكفاء من ذوي الضمير المهني، كانوا بمثابة مثل أعلى نقتدي به، كالسي بوحسانة والسي بوعزيزي والسي التمسماني والسي شكري والسي الهوبة والسي الخمليشي والسي شعيب والسي حميد والسي صديق والأستاذة خدوج وغيرهم. مازلت أذكر جيدا رائحة المطعم المدرسي الذي كان يشرف عليه السي بوطاهر. لم يكن يلج هذا المطعم سوى التلاميذ المحتاجين، ليتناولوا الجبن الطري وحليب «الغبرة» وسمك «باقلاو» المجفف. كانت زبدة الصباح الهولندية تغري العديد من التلاميذ للبحث عن مكان داخل المطعم، وإن عن طريق التسلل إليه، في غفلة من المرحوم السي بوطاهر، والمرحوم أخشون، لإزالة ترسبات الصباح الباكر. كنا نتسابق نحو جرس المدرسة لنعلن من خلال دقاته عن الاستراحة أو نهاية الحصة التي كنا ننتظرهما بفارغ الصبر. لم تكن أدواتنا المدرسية سوى عبارة عن لوحة خشبية مهترئة الجوانب ودفتر ومنشفة وريشة وتلاوة ” إقرأ ” للمرحوم أحمد بوكماخ. كنا نعمد إلى محو آثار الطباشير بلعابنا أوأطراف أكمامنا. كان المعلمون واثقين من أنفسهم إلى أبعد الحدود، إما أن تكون مجتهدا ونبيها، أوتستعد لحفلات يومية من ” التحمال ” الذي تسند مهمته إلى التلاميذ الكسالى الأقوياء.كانت روائح مراحيض مدرسة محمد الخامس تزكم أنوف التلاميذ، وكنا ننتظر كثيرا فرصة ملء المحبرات بالمداد أو مسح السبورة أو مساعدة المعلمين على جمع الكراسات ونقط الامتحان أو إيصالها إلى منازلهم لتصحيحها. لم يكن معلمو المدرسة يمدونك بجزء من الدرس والمعلومات، وعليك التسجيل لديهم في الساعات الإضافية. كنا نستغل حصة الاستراحة لممارسة أنواع مختلفة من اللعب، ك “باشيونا” و”فولعلع ” و”صارباو”، في الوقت الذي يعمد أصحاب الحال لاقتناء «قاوقاو» و”الزريعة ” من عند المرحوم « الروبيو» أو”باركيو” أو” حمص كايمون» أو”سحلوليت”. كنا نأتي إلى حصص السي بوحسانة والسي نجدين مكرهين، خاصة حصة الزوال. كنا نرتجف كلما وضعا مسألة حسابية على السبورة أوطرحا سؤالا ما في مادة المحادثة. بالمقابل كان المعلمون سي شكري وسي الفارسي وسي تركوتي حريصين على تناوبنا على الصعود للسبورة للقيام بمهمة تأثيث نصوص معينة، بإشارات النصب والرفع وما جاورهما، بتبرير إعرابي مقنع وسليم. نادرا ماكان هؤلاء ومعهم الأستاذة خدوج يستعملون العصا ضد أجسام التلاميذ. كانت عقوبة بعضهم إعطاء النموذج بتلميذ مجتهد، أوالوقوف أمام السبورة على قدم واحد لمدة معينة، أوكتابة نص أوجملة مائة مرة. لم أنل من عقوبة معلمي محمد الخامس شيئا، اللهم من جر الأذن. أتذكرأننا كنا نكتب عبارة « أنا حمار ” في ورقة فنثبتها على ظهر تلميذ ما، فنبدأ في الضحك دون أن نثير الانتباه لذلك. كنا نعمد إلى حك شعر ” الخنزير ” الذي نأتي به من مزرعة الإسباني « طونيو” بمنطقة سيدي منصور بأعناق التلاميذ، فيشعرون بآلام حادة. لن أنسى صور النجار والفلاح والحلاق التي كان يزين بها المعلمون أسوار حجرات الدرس، إضافة إلى متحف القسم الذي كان يحتوي علبا زجاجية بداخلها حبات من الحمص والعدس. حين نخرج من المدرسة في الساعة الحادية عشرة والنصف، كنا نمر ب”الزاويث”أومرآب إحدى الحافلات، لنشرب مياها في أقداح من القصدير اعتلاها الصدأ.هي مشاهد من ذكريات قديمة تتدافع إلى أذهاننا نحن قدماء تلاميذ محمد الخامس حين نجالس بعضنا البعض، وعلى رأسهم الكولونيل ” لحفيت “.
جمال الفكيكي
الصورة : مطعم مدرسة محمد الخامس ويبدو فيها المرحوم السي بوطاهر































