اراء

هل وصلت عدوى نظرية المؤامرة إلى أمريكا؟

بقلـــم : خالــد الـبوهالــي
باحث في الشؤون الدولية
عندما كانت بعض الأنظمة الاستبدادية في العالم تلجأ الى تبني نظرية المؤامرة، كلما هبت شعوبها للمطالبة بالحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية، كانت كثيرا ما تتعرض للنقد و التنديد على أساس أنها وسيلة للجم أصوات الشعب و قمع أي توجه ديمقراطي.
لكن لم اتخيل أن يأتي يوم أرى دولة كالولايات المتحدة الأمريكية، تدعي عراقة ديمقراطيتها   وتفاخرها أمام العالم، بحقوق الانسان، و قيم الحرية و العدالة، يتبنى وزير عدلها نظرية المؤامرة، بل و يصفها بأنها من صنع أطراف خارجية لم يسمها بالاسم. فهذا من عجائب الزمن الغريب الذي أصبحنا نعيشه.
فهل نتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية بأجهزتها الاستخبارية القوية،و وكالات الأمن القومي عاجزة على رصد من تسميهم بالعناصر المخربة؟ و التصدي لأي نشاط معادي على أراضيها، و هي التي تتوفر على أجهزة تنصت عالية الدقة و أقمار اصطناعية ترصد حتى حركة النملة على الأرض؟
قبل أيام طالعنا وزير العدل الأمريكي ويليام بار باتهام سخيف. يتهم فيه أطرافا خارجية بتأجيج المظاهرات عن طريق بعض الجماعات و الحركات، و غيرها من التيارات السياسية و الدينية المختلفة، في حين أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، و معها مكتب التحقيقات الفيدرالي لم يصدرا أي بيان بهذا الخصوص، باعتبارهما الجهة المنوط بها حماية الأمن القومي الأمريكي من أية دسائس أو مؤامرات تخريبية.
و بدلا من ذلك، كان على الوزير ويليام بار باعتباره وصيا على قطاع العدل، أن يعمل على إصلاح نظام العدالة و تعزيز الترسانة القانونية،  التي من شأنها حماية باقي الأعراق الأخرى من الشطط في استعمال السلطة من طرف الشرطة الأمريكية، و العمل مع باقي القوى المتدخلة في الأمن الداخلي حتى لا تتكرر مثل مأساة المرحوم برحمتهم جورج فلويد، التي أججت الضمير العالمي والإنساني و استفاق على الحقيقة المرة التي تعيشها الطائفة الأمريكية من أصل إفريقي،مع تبني برامج تنموية حقيقية لفائدتهم، خصوصا و أن الأحياء التي يقطنها غالبية السود تعاني من التهميش و الإقصاء، و تشبه الى حد كبير غيتوهات السود في جنوب إفريقيا على عهد نظام الميز العنصري – الأبرتهايد- ، حيث الفقر المدقع ، الدعارة، الاتجار في المخدرات،  انعدام الصحة و التعليم الجيد.
فالعديد من الصور التي تبثها مواقع التواصل الاجتماعي تظهر التمييز و بشاعة العنف المفرط تجاه الامريكيين السود،فقد رأينا كيف تطيح الشرطة بالسود و توجه لهم لكمات قبل و بعد تصفيدهم، و في بعض الأحيان قد تطلق النار عليه عمدا و ترديهقتيلا،و يطلع تقرير مفبرك يدعي فيه أن الظنين القتيل عرّض الشرطة للخطر مما اضطرت معه الى استعمال سلاحها الوظيفي.
إنه حقا منظر مقزز مثير للغثيان، عندما نرى مثل هاته الممارسات و السلوكيات الشائنة، تطبق في بلد طالما قرع رؤوسنا بالديمقراطية، حقوق الانسان، قبول ثقافة الاخر، و المساواة، ممايحيلنا على ممارسات الأنظمة الاستبدادية القمعية.
إن تبني نظرية المؤامرة من قبل وزير العدل الأمريكي ربما يهدف من خلالها الى إيجاد الذرائع و المسوغات، لاستعمال القوة عبر إنزال وحدات من الجيش الأمريكي الى الشوارع، و هو ما يعارضه حتى الآن وزير الدفاع الأمريكي مارك أسبر، لأن إنزال وحدات الجيش و إطلاق النار على المتظاهرين و سقوط القتلى قد يسبب انقساما حتى بين الجنود الأمريكيين السود و البيض و قد يؤدي الى اقتتال بين الطرفين مما يمهد إلى اشعال فتيل حرب أهلية، و تقسيم الولايات المتحدة الأمريكية  و هو ما أشار اليه وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس.
الإدارة الأمريكية الحالية بتبنيها نظرية المؤامرة تلعب لعبة خطرة، فإذا كان هناك من مسؤول على هاته الأحداث، فهو الرئيس دونالد ترامب نفسه، الذي بسياسته الخرقاء و تصريحاته الجوفاء، و سلوكياته الرعناء في تدبير هذا الحادث المأساوي، مثلما فعل في أزمة كورونا كوفيد 19، أما توصيفاته العنصرية للسود و باقي الأعراق الأخرى في بلاده بأقذع النعوت، و أبشع الصفات، فهي لا تخفى على أحد، و السؤال الذي نطرحه هنا أين هو وجه المؤامرة ؟ طبعا المؤامرة لا توجد الا في مخيلة وزير العدل الذي يساير الرئيس ترامب في كل ما يفعله فمن يعارض الرئيس -الديمستبد- يكون مصيره الإقالة فورا دون تردد، و الأمثلة عديدة.
ختاما، الوقت يمر بسرعة و الحبل يطوق عنق دونالد ترامب، و كلما مر الزمن سريعا زاد من خنقه و هذا قد يفضي به الى الموت سياسيا، فالانتخابات تزحف على الأبواب و شعبيته في الحضيض، فهل سيتمكن دونالد ترامب من إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ أم أنه سيرفع نظرية المؤامرة في وجه منتقديه ؟ الجواب لا يعلمه الا علام الغيوب. 

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top