قضايا دولية

و أخيرا ترامب يقول الصواب

بقلم : خالد الــبـوهـــالــي

باحث في الشؤون الدولية

لأول مرة أجد نفسي متفقا مع سياسة الرئيس دونالد ترامب، رغم أني كنت و لازلت من منتقدي سياساته و كتبت بشأنها مقالات عديدة كغيري من الكتاب و الصحفيين عبر العالم. لأنه لأول مرة ينظر الى الأمور نظرة عقلانية و يزنها بميزان التبصر و قراءة الأحداث.

قبل يومين و في كلمة له امام حشد من خريجي الأكاديمية العسكرية وست بوينت نقلا عن موقع روسيا اليوم الإخباري بالعربية، قال الرئيس دونالد ترامب” إن مهمتهم ستكون الدفاع عن المصالح الحيوية لأمريكا، وليس خوض قتال على أراض بعيدة في حروب لا تنته”. و أردف قائلا ” إن وظيفة الجندي الأمريكي ليست إعادة بناء الدول الأجنبية بل الدفاع والدفاع بقوة عن بلدنا من الأعداء الأجانب” و يزيد على ذلك بالقول نحن ننهي عصر الحروب التي لا تنتهي ووظيفة القوات الأمريكية ليست حل صراعات قديمة في أراض بعيدة لم يسمع عنها حتى كثير من الناس. ماذا يعني هذا الكلام؟

يفهم من كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أنه بات يدرك أكثر من أي وقت مضى، أن بلاده لم تعد تلك القوة المهيمنة الوحيدة على الساحة الدولية التي ترتعد لها فرائص الدول الأخرى، و أن زمن التفرد بقيادة العالم قد ولى، فهناك الصين و روسيا اللتان باتتا تقفان بالمرصاد للسياسة الأمريكية، و أن العالم مقبل على رياح عاتية من التجاذبات، و الاستقطابات، و الاصطفافات في هذا المعسكر أو ذاك،ومعناه أن نجم الولايات المتحدة الأمريكية في طريقه نحو الأفول، و مستوى التأثير الفاعل في القرار السياسي الدولي بدأ في الاضمحلال لفائدة قوى صاعدة، و هذا من مسلمات التاريخ، فالدورة التاريخية علمتنا أن الدولة تبتدئ من مرحلة التكوين إلى الازدهار لتنتهي بالانحطاط، و يبدأ عصر دولة أخرى، إلى أن يرث الله الأرض و من عليها،  و هذه مُسَلَّمة تاريخية لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها، إذ لا يمكن لدولة مهما بلغ حجم قوتها و جبروتها، أن تبقى قوية و مؤثرة إلى ما لا نهاية.

ثمة أمر آخر يجب أخذه بعين الاعتبار، هو أن الدول التي تشن حروبا دائمة توسعية، تُستنزَف قوتها الاقتصادية، و العسكرية، و يؤثر على وضعها الداخلي،و بالتالي يقل تأثيرها على المسرح الدولي، و يدفعها في نهاية المطاف الى التقهقر الى الوراء فاسحة المجال لقوة صاعدة او لعدة قوى بالظهور، و فرض إرادتهم عليها و الأمثلة كثيرة من التاريخ، فالعلاقات الدولية تشبه إلى حد ما حلبة الملاكمة، قد يكون الملاكم قويا و خصمه أو خصومه أقل قوة منه، و رغم أنهم يتلقون من الملاكم القوي ضربات قوية و موجعة، و لكنهم حتما في نفس الوقت خلال النزال يسددون بعض اللكمات القوية الى الملاكم القوي و يصيبونه، و مع مرور السنين يصبح ذلك الملاكم القوي منهكا بدنيا و مثخنا بجراح ضربات خصومه جراء تلك اللكمات، فتخور قواه و لا يعود قادرا على مسايرة إيقاع الملاكمين الصاعدين، ولا يكون من خيار أمامه سوى أن ينسحب بشرف او يتلقى المزيد من الخسائر المُذلة التي قد تسيء الى إنجازاته التاريخية.

و ينطبق هذا المثال الذي سقناه على الولايات المتحدة الأمريكية. التي خاضت عدة حروب عبثية خصوصا مع مطلع الألفية الثالثة في العراق و أفغانستان تحت ذرائع واهية، و سقط العديد من جنودها قتلى و جرحى في سوح الوغى، مما نتج عن ذلك استنزاف لقوتها،بحيث تحولت من دولة مدينة إلى دولة دائنة، فقد وصل مستوى مديونيتها العامة الى حوالي 23 تريليون دولار مطلع هذه السنة، حسب وزارة الخزانة الأمريكية، بالإضافة الى الأزمات التي حلت بها مع ظهور وباء كورونا كوفيد 19، و ما أفرزته من تداعيات على المستويين الاقتصادي و الاجتماعي.

و أفول نجم أمريكا لا يعني بالضرورة انها لم تعد قوة عظمى، بل ستبقى كذلك لما تتوفر عليه من إمكانيات تكنولوجية و اقتصادية و موارد هائلة لكن تأثيرها في الساحة الدولية سيكون محكوما بتأثير الأطراف القوية الصاعدة مما سيقيد من تحركاتها.

كمالا يستبعد أن تعرف العقيدة العسكرية الأمريكية تغييرات جذرية مستقبلا و إعادة النظر في توجهاتها الاستراتيجية، كأن تتحول من عقيدة هجومية الى دفاعية، فالحروب أصبحت جد مكلفة سواء على المستوى المادي أو البشري، لكن في نفس الوقت قد تجد هذه التغييرات معارضة من صناع قرار السياسة الخارجية الأمريكية، الذين قد ينظرون الى الأمر على أنه تراجع للدور الأمريكي على المستوى الدولي.

و مهما يكن من أمر، فإن خطاب ترامب هو إعلان صريح بتراجع الهيمنة الأمريكية لصالح دول أخرى و أن العالم مقبل على تغييرات سياسية و اقتصادية و اجتماعية، قد تكون أشد وطأة على بعض الدول و أقل على دول أخرى، و السؤال الذي يطرح نفسه ما موقع دول العالم الثالث من كل هذا؟ صراحة لا نملك الجواب في الوقت الحالي، لكن يمكنني القول، و أخيرا ترامب يقول الصواب.

2 تعليقان

2 Comments

  1. exgesawowor

    1 يوليو، 2020 at 10:55 م

  2. esifebohoured

    1 يوليو، 2020 at 11:19 م

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top