سياسة

استفاقة حكومية متأخرة !

   لا نعلم إن كان مفروضا على حكومة سعد الدين العثماني الأمين العام لحزب العدالة والتنمية هدر ما يزيد عن ثمانين يوما من الزمن في التخبط والارتباك، لتقرر في الأخير بعد أقل من أسبوع على تقسيم المغرب إلى منطقتين: 1 و2، عن طريق بلاغ مشترك بين وزارتي الصحة والداخلية تجميع المصابين بجائحة “كوفيد -19″، داخل مستشفيين اثنين بمدينتي بن جرير وبنسليمان تحت رعاية أطباء مدنيين وعسكريين، تمهيدا للشروع في إجراءات تخفيف الحجر الصحي على نطاق واسع، ابتداء من يوم السبت المقبل 20 يونيو 2020، على أن يلتزم المواطنات والمواطنين بالإجراءات الاحترازية الوقائية، حفاظا على ما تحقق من تحكم في الوضع الوبائي، بفضل تضافر جهود الجميع.

      وعندما نشير هنا إلى استفاقة حكومية، فلا نعني إطلاقا استيقاظها من ذلك النوم المرضي الذي ظل يلازمها منذ تعيينها، لأنه من الصعب علاج إدمان النوم لدى من اعتاد الخلود إليه طوال تلك الشهور، إما بسبب الإفراط في الأكل والخمول أو سوء التنظيم والتخطيط المحكم أو عدم القدرة على ضبط الوقت أو التوتر والإسراف في تناول الحلويات وشرب الشاي والقهوة، وإنما نقصد هنا محاولة تدارك الحكومة لبعض ما اقترفته من أخطاء في تدبير جائحة كورونا وحسب.

      ففي اجتماع استثنائي للمجلس الحكومي انعقد مساء يوم الثلاثاء 9 يونيو 2020، صودق على مشروع المرسوم رقم: 406.20.2 يقضي بتمديد سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية للمرة الثالثة على التوالي بكامل التراب الوطني ابتداء من يوم الأربعاء 10 يونيو إلى غاية مساء يوم الجمعة 10 يوليوز 2020 في الساعة السادسة. وخلال حضوره الجلسة العمومية المخصصة للأسئلة الشفهية الشهرية حول السياسة العامة، شدد رئيس الحكومة على أن المرحلة الأولى من تخفيف الحجر الصحي المعلن عنه منذ 20 مارس 2020، تقتضي تقسيم البلاد ابتداء من يوم الخميس 11 يونيو إلى منطقتين حسب الحالة الوبائية مع الإبقاء على الاحترازات الوقائية، منبها إلى إمكانية استمرارية هذه الاحترازات لشهور أخرى إن اقتضى الحال ذلك، مما يتطلب نوعا من الحزم واليقظة والقيام بتقييم أسبوعي، لتحديد تأثيرات ونتائج التخفيف المعتمد. وأنه في ضوء ذلك يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية، المتمثلة في رفع بعض القيود الأخرى عبر فتح مزيد من الأنشطة والسماح بحركية أوسع داخل الأقاليم وتحريك عجلة السياحة الداخلية وببعض التجمعات، دون تفريط في المكتسبات والإيجابيات التي تحققت، والعمل على صيانتها وتعزيزها.

      ترى ما الذي حدث خلال يومين فقط حتى تعود الحكومة بهذه السرعة غير المعهودة للتفكير في علاج باقي الأمراض الأخرى التي ظلت منسية على مدى ثلاثة شهور؟ ذلك أن بلاغا مشتركا بين وزارتي الصحة والداخلية صدر يوم السبت 13 يونيو 2020، أفاد بأنه تقرر تجميع الحالات النشطة لجائحة “كوفيد -19” والحالات الإيجابية الممكن اكتشافها مستقبلا، في مؤسستين صحيتين متخصصتين بمدينتي بنسليمان وبن جرير، وأن اللجوء إلى مثل هذا القرارا أملته عدة عوامل، منها وجود عدد محدود من الأشخاص المصابين الذين لا تدعو حالتهم الصحية إلى القلق، والحاجة الملحة إلى إخلاء المستشفيات لاستقبال المرضى الآخرين، ممن يعانون في صمت، وتسريع وتيرة تخفيف الحجر الصحي تدريجيا.

      فمن جهتنا نكاد نجزم بأن حكومة العثماني المفككة ليست قادرة على مراجعة تدابير الحجر الصحي والتوافق حول قرار تجميع المصابين الذي باركه الكثيرون خلال 48 ساعة فقط، إذ تساءل عدد كبير من المغاربة عن السر في عدم اتخاذه من قبل، لاسيما وأن الحالة الوبائية ظلت مسيطرا عليها منذ عدة أسابيع رغم ظهور بعض البؤر المهنية والعائلية هنا وهناك من حين لآخر، بفعل تراخي أرباب الوحدات الصناعية والأسواق والسلطات وبعض المواطنين. ولعل السبب الرئيسي يعود أساسا إلى ما خلفه تقسيم البلاد وتمديد حالة الطوارئ من استياء عارم لدى غالبية الجماهير الشعبية، وخاصة أولئك الذين لم يتلقوا الدعم المالي على هزالته من صندوق كورونا أو ممن فقدوا موارد رزقهم بفعل تداعيات الجائحة وطول مدة الحجر في البيوت…

      فضلا عما تعرض إليه العثماني خلال الجلسة الشهرية العامة المنعقدة بمجلس النواب يوم الأربعاء 10 يونيو 2020 من بهدلة أمام ملايين المشاهدين، حيث تناوب عليه ممثلو فرق المعارضة وأشبعوه انتقادات شديدة، حول ما أبدته حكومته من تردد في تمديد حالة الطوارئ الصحية التي حدد لها شهرين قبل العودة للاكتفاء بشهر واحد في ظرف جد وجيز، وإهمال أوضاع مهنيي النقل وأصحاب المقاهي والمطاعم وغيرهم كثيرون، ناهيكم عن الجانب النفسي ل”المحجورين” ووضعية الأطفال، الغموض وغياب المقاربات التشاركية أثناء اتخاذ القرارات الحاسمة، واستعراض المعطيات أمام وسائل إعلام أجنبية بدل إعطاء الأسبقية للإعلام المغربي والبرلمان…

      إن مسؤولية قيادة حكومة بلد من حجم المغرب، الذي ما انفك ينال الكثير من علامات الإعجاب والتنويه من مختلف بلدان العالم، جراء اتخاذه إجراءات احترازية وقائية واستباقية بتوجيهات ملكية وإطلاقه مبادرات رفيعة لمواجهة جائحة كورونا، إضافة إلى إرسال مساعدات طبية لخمسة عشر بلدا إفريقيا، لا ينبغي أن تسند إلا لمن يكون ذا شخصية قوية وحس وطني صادق، وقادرا على التخطيط الجيد ورسم الاستراتيجيات المتكاملة، ويملك الجرأة في اتخاذ القرارات الصعبة، حسن الإصغاء والتواصل وهي مواصفات لا تتوفر للأسف في العثماني الذي راكم من الأخطاء ما لا يغتفر…

اسماعيل الحلوتي

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top