قضايا دولية

التصعيد الصيني – الهندي فرص الحرب و آفاق السلام

بقلم: خالد الــبــوهــالـــي

باحث في الشؤون الدولية

مرة أخرى تقفز قارة آسيا إلى واجهة الأحداث، فقد استفاق العالم على أنباء تناقلتها وسائل الاعلام العالمية،عن حدوث مناوشات حدودية بين الصين والهند أسفر عن سقوط 20 قتيلا في صفوف القوات المسلحة الهندية، دون أن تعلن الصين عن قتلى جنودها.

و ليست هذه المناوشات الأولى من نوعها بين البلدين، فقد سبقتها عدة مناوشات خلال القرن الماضي و الحالي، هذه الاشتباكات تندرج في سياق النزاع الحدودي بين الدولتين القويتين الممتد منذ أواسط القرن الماضي، فكلا الدولتين تتبادلان الاتهامات بشأن خرق الاتفاقيات المبرمة في هذا الباب، فالصين تقول أن الهند تحتل 90 ألف كيلومتر مربع من الأراضي الواقعة شمال شرق الهند، بما فيها ولاية أروناتشال براديش الهندية ذات الأغلبية البوذية، في حين تقول نيودلهي إن بكين تحتل 38 ألف كيلومتر مربع من أراضيها، وفي هضبة اكساي تشين بجبال الهيمالايا بما في ذلك جزء من لاداخ. وهذا النزاع تسبب بحرب طاحنة عام 1962، حيث ألحقت الصين هزيمة نكراء بالهند على مرتفعات أكساي تشينالتي تفصل بين البلدين.

و رغم إبرام البلدين عدة اتفاقيات حول مسألة الحدود أهمها اتفاقية خط السيطرة الفعلي المبرمة عام 1993 في المنطقة الحدودية المتاخمة للدولتين، و اتفاقية تدابير تعزيز الثقة في المناطق العسكرية الممتدة على طول خط السيطرة الفعلي في المناطق الحدودية بين الصين والهند، كل هذا لم يمنع من اندلاع اشتباكات مسلحة متقطعة بين الجانبين. لكن السؤال المطروح ماذا لو اندلعت حرب واسعة النطاق؟ و ماذا عن فرص السلام؟

قبل الإجابة عن احتمالية الحرب و فرص السلام يتعين الوقوف على القدرات العسكرية للدولتين.

أولا : بالنسبة للهند: 

حسب التقرير الذي أعده المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، فالهند لديها ترسانة عسكرية لا يستهان بها موزعة على الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة نوردها على الشكل التالي :

  • القوات البرية

يبلغ حجم القوات البرية حوالي1.2 مليون جندي مدعومةبأكثر من 3565 دبابة قتاليةو3100 عربة مشاة قتالية، و336 ناقلة جنود مدرعة، و9719 قطعة مدفعية.

  • القوات الجوية

يتألف سلاح الجو الهندي من 814 طائرة حربية ويبلغ قوامه 127200 فردا، لكن مع دخول بعض أسراب الطائرات الى مرحلة التقاعد ستعاني الهند من خصاص على مستوى عدد الأسراب الجوية، ولهذا السبب وقعت الهند اتفاقا مع فرنسا يقضي باقتناء 36 مقاتلة من نوع رافال التي تنتجها شركة داسو المتخصصة في صناعة الطائرات الحربية، و ما يتصل بها من معدات و أنظمة حسب موقع الجيش العربي.

  • القوات البحرية

تتكون البحرية الهندية من حاملة طائرات واحدة، و16 غواصة، و14 مدمرة، و13 فرقاطة، و106 من سفن الدورية، والعمليات الحربية الساحلية، فضلا عن 75 طائرة تمتلك قدرات قتالية. ويبلغ تعداد القوات البحرية في الهند 67700 فردا بمن فيهم مشاة البحرية والعاملون في تشغيل طائراتها

بالنسبة للصين

تصنف الصين على أنها ثالث قوة عسكرية عظمى بعد الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية روسيا الفيدرالية، و يبلغ تعداد الجيش الصيني حسب موقع “غلوبال فير بور” حوالي 2.2 مليون عسكري بالإضافة إلى 1.4 مليون في قوات الاحتياط. و ترسانة هائلة من المعدات و التجهيزات العسكرية موزعة على الشكل التالي:

  • القوات البرية :

تتكون قوة الدبابات في الجيش الصيني من 6457 دبابة، إضافة إلى 4788 مدرعة و1710 مدافع ذاتية الحركة، إضافة إلى 6200 مدفع ميداني و1770 راجمة صواريخ متعددة.

  • القوات الجوية :

لدى الجيش الصيني 2955 طائرة حربية بينها 1271 مقاتلة وطائرة اعتراضية و1385 طائرة هجومية، و352 طائرة تدريب. كما يصل عدد المروحيات في الجيش الصيني إلى 912 مروحية، بينها 206 مروحيات هجومية، ويوجد في الصين 507 مطارات عسكرية

  • القوات البحرية :

يصل عدد سفن الأسطول الحربي الصيني إلى 714 سفينة حربية، منها حاملة طائرات واحدة، و68 غواصة و51 فرقاطة، و35 مدرعة و35 كورفيت، إضافة إلى 220 سفينة دورية، و31 كاسحة ألغام.

و يستنتج من هذه المعطيات أن الفارق في حجم الإمكانات البشرية والمعدات العسكرية التي تتزود بها مختلف أفرع القوات المسلحة للبلدين ،يميل لصالح الصين بنسبة هائلة، و رغم تصريحات وزير الدفاع الهندي راجناث سينغبان الهند لم تعد ضعيفة كما كانت من قبل، فإنها لا تعدو كونها موجهة للاستهلاك الداخلي، فسلاح الجو الهندي يشكل إحدى نقط ضعف الجيش الهندي، و الدليل على ذلك إسقاط باكستان السنة الماضية لطائرتين خلال الاشتباكات التي حصلت بينهما على حدود جامو و كشمير المتنازع عليه مع باكستان.

و يبقى الخيار الأخير أمام الهند هو اللجوء الى استعمال الأسلحة النووية، و لكن هذا الأمر يبقى صعبا للغاية و محفوفا بالمخاطر، على اعتبار أن الصين تمتلك هي الأخرى أسلحة نووية مما يحقق لها التوازن في مجال الردع الاستراتيجي مع الهند ففي حالة توجيه هذه الأخيرة ضربة نووية للصين فحتما سيكون الرد، و عندئذ ستفتح جهنم أبوابها.

فرص التسوية 

باستعراضنا للقدرات العسكرية للبلدين الجارين،و حجم إمكانياتهما العسكرية التقليدية و غير التقليدية،و رغم أن ميزان القوى تميل كفته لفائدة الصين،فإن فرص الحرب تبقى ضئيلة، و مستبعدة لعدة اعتبارات نوردها كالاتي:

  • ان الصين ترى نفسها الدولة العظمى الأقرب لخلافة الولايات المتحدة الأمريكية، على زعامة العالم، بفضل قوة اقتصادها و تحقيقها لمعدلات قياسية في التنمية؛
  • أن الدخول في حرب مع الهند سيكون مكلفا من الناحية البشرية و المادية و تداعيتها على الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية ستكون صعبة، و سينعكس سلبا على مشروعها الطموح نحو الريادة العالمية خصوصا، و أنها تعيش الربع الأخير الذي يفصلها عن تحقيق حلمها؛
  • الهند منذ وصول رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي حققت معدلات تنمية جد مهمة و تتطلع لأن تصبح قوة عظمى في المستقبل كما انها تدرك ان المواجهة التقليدية ليس في صالحها؛
  • الصين شريك تجاري أساسي للهند إذ بلغ حجم التجارة بين البلدين الى 95.54مليار دولار خلال 2018، و الصين ليست مستعدة ان تفقد السوق الهندية والعكس صحيح خصوصا وأن جائحة كورونا كوفيد 19 أرخت بظلالها على الاقتصاد العالمي؛
  • إذا اندلعت الحرب قد تمتد آثارها الى الدول المجاورة مما يهدد السلم و الاستقرار والتنمية في المنطقة.

و بناء عليه فإن البَلَدين سيسعيان الى التهدئة، ومعالجة الأمور بصيغة توافقية للوصول إلى حل يرضيهما لأن خيار الحرب ليس في صالح الطرفين نظرا لوحدة أهدافهما، و مطامحهما، و تقاطع مصالحهما المشتركة، و كذلك للآثار السلبية على مختلف الأصعدة، فهل سينتهي البلدان الى توقيع اتفاق نهائي لترسيم الحدود بينهما من خلال لجان ترسيم الحدود؟ أم ستبقى دار لقمان على حالها كما يقول المثل العربي؟ إلى ذلك الحين أطال الله في عمرنا جميعا.

1 Comment

1 Comment

  1. عابر سبيل

    18 يونيو، 2020 at 8:22 م

    مقال تحليلي استشرافي يبدو أن كاتب المقال بذل مجهودا كبيرا للإتيان بهذه الكمية من العملومات التي نجهلها شكرا لك استاذ و شكرا للجريدة على تميزها في تغطيتها للأحداث الدولية الهامة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top