اراء

صفحات مضيئة في عتمة الحجر

ذة. أسماء حميحم                                               

في  غفلة من الجميع ، وبدون سابق إنذار …تسللت كورونا إلى حياتنا وتناسلت بيننا وأنجبت من رحمها ألفاظا وكلمات ليست كالكلمات ومعجما غنيا بدلالات غير معروفة، ومعانٍ غير مألوفة كالحجر والعزل والتباعد والفتك والكمامة… تغيرت الأعراف والعادات، وقلبت الجائحة العديد من الموازين وأربكت الحسابات، وألهبت الأقلام للكتابة والإبداع، وقلصت المسافة بين الأصقاع…لو لم يتصور أحد يوما عزل بني البشر  عن العالم الخارجي في أقفاص إسمنتية بين جدران مغلقة  تحول بين الابن وأمه، والأخ وأخيه ،وفي طقوس  الاسترخاء المفروضة يُطْوى فيها الليل بالنهار والنهار بالليل  وعوالم استثنائية أعادت لبعض الكلمات بريق معانيها. فرجع للموت كل دلالاته، موت بدون طقوس ولا أجواء  جنائزية ، يحمل الفقيد كطفل رمَتْهُ خاطئة  لا وداع أخير ولا موكب يليق به قبل أن يوارى الثرى… حتى العيد تم وأْد بهجته، وحرمان الأطفال من عَيْدِيَتِهم  والأم لم تر حاجة لإيقاظ أبنائها لخبز الصباح الساخن والشاي بالنعناع الأخضر،فيما اقتنع الأب صبيحة العيد بالبقاء وحيدا ينتظر الذي يأتي  ولن يأتي… فلغة المصافحة تعطلت إلى إشعار آخر وعناق الأقارب صدر في حقه حكم وقف التنفيذ …  كانت الجائحة قاسية في قطع الأرحام والصلات وهزم اللذات وحاولت أن تقطع أنفاس الجميع بمقصلتها… فاستعاض الخلق عن ذلك بتواصل افتراضي ، وبعث علاقات من رماد السنين ونسج مجموعات لقدماء المؤسسات التعليمية على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي، لمن  مروا عبر أسوارها فتركوا فيها بصمات خالدة  كرسل مبشرين برسالة العلم أو كمتعبدين في محراب المعارف ، وذلك إذكاءً لحنين في الوجدان دفين، ونبشا عن نذوب الذاكرة، وإحياء لعلاقات أبلاها الزمن، وعفت عنها مشاغل الحياة، لتَسْطع أسماء معلمين وأساتذة كنجوم متلألئة في سماء الصفحات المتوهجة. فطفت على أديم تلك الصفحات صور الطفولة البريئة، والحنين لزمن غابر تؤثثه أسماء أصابها هازم الذات ومفرق الجماعات، وظل صدى ذكرياتها يتردد بين الأجيال ، و أسماء أخرى  لازالت تنتظر يومها المحتوم ولم تكف الأفئدة على الدعاء لها برداء العافية والصحة وطول العمر. تجددت الصلات، ففرحت بالصور عيون، ووجمت لضياع الفرص قلوب، وحنت للماضي التليد ، بعد أن اكتشف أصدقاء الأمس منهم من وصل إلى بر الأمان ومنهم من لازالت أمواج يم الحياة تتقاذفه ليؤمن لقمة يومه…اشتعلت تلك الصفحات بشريط الصور والذكريات، واهتزت الأقلام وصدحت التغريدات وتوالت اللايكات والتعليقات… أنصفت أسماء العديد ممن اشتغلوا في صمت وكانوا شلالا دافقا من العطاء ينساب جريانه بين الأجيال …نوهت  بمنجزاتهم وأعمالهم وضَعَتْها تحت المجهر وفي دائرة الضوء ،وأشادت بنبل رسالتهم  ورقي أفكارهم وجميل خصالهم ومنسوبهم العالي من الصدق والإخلاص في العمل  … وترحمت على من غادرنا منهم مبكرا إلى دار البقاء من المدرسين والمتعلمين … وحظيت أسماء دون غيرها من رسل العلم بكثير من الإشادة والتنويهات والاعتراف بجميل ما ظلت ترتوي به العيون المتطلعة، والعقول العطشى وهي تتلمس طريقها متعلقة بحبال الكلمات ونصائح  من ينير طريقها ويرشدها …رسخت هذه الصفحات ثقافة الاعتراف بشموع كانت تحترق لتضيء الطريق، وأنهار كانت تبعث الحياة بكل سخاء وأياد بيضاء  جعلت الصمت  بيانا والحزن أفراحا .وفي عتمة الحجر الرهيب أضحت صفحات القدماء مصابيح مضيئة …تتجاوز فيها حفلات التكريم توزيع الحلوى واحتساء نخب النجاح وتسلم التذكارات بحضور محدود العدد  إلى معجبين ومعجبات  بالمئات والآلاف ، ولم يكن التكريم  على إيقاعات الموسيقى وترتيل الأشعار ولغة المجاملة وإنما بشوق  يرحل بنا إلى قدسية  المكان وفي تمنٍ للعودة إلى الزمن الجميل ، وحنين يضخ دماء جديدة إلى شرايين الحياة ويحيك وشائج التواصل من جديد بعبارات الاحترام والتقدير بين أجيال مختلفة ولكن متوحدة في عشق المكان … فماذا سنقدم لهذا المكان المعتَّق بعطر الأيام الخوالي  وعبَق الذكريات الماتعة -و الذي شكل بشخوصه وأزمنته المختلفة عالمنا المشترك – بعدما تنزاح غُمَّة الجائحة إلى غير رجعة ؟

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top