اراء

رأي العروي في حدث جمهورية الريف وأسباب فشل ابن عبد الكريم الخطابي؟

عبد الكريم والحركة القومية المغربية حتى عام 1947، تحت هذا العنوان،  فضل عبد الله العروي الغوص في قراءة تجربة عبد الكريم الخطابي وجمهورية الريف ،يقدم رؤية منسجمة مع منهجية الباحث التاريخي الذي يفحص بدقة النصوص والسياقات والتفاعلات لتأسيس بناء فكري متناسق يسعى إلى نزع طابع القداسة والتمجيد عن الأفراد والمؤسسات ..فهو يتشكك في كون عبد الكريم قد أنشأ جمهورية الريف بالمفهوم الحديث لهذه المؤسسة ولا كان في نيته ذلك ! وهو موقف برز كنشاز في الكتاب بالنظر لمواقف باحثين آخرين كان لهم تصورات أخرى سنعرضها في الحلقات القادمة . وكالعادة، فالقارئ ، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف عما يطرحه المؤرخ عبد الله العروي ، لا يمكن إلا أن يبدي إعجابه بدقة المنهج في تقصي واختيار المفاهيم المناسبة للتعبير عن وقائع مضت ، يعطي لك الرغبة في المتابعة والإطلاع دون ملل ، ولو أن مواقف العروي قد تصدم الكثيرين وتترك الانطباع أنه كان يجتهد مستعملا غلاف المؤرخ لتسفيه التجربة الريفية مع عبد الكريم والاستصغار من شأنها .

فإليكم رأي العروي في حدث الجمهورية وأسباب فشل عبد الكريم ( كل ما يأتي هو كلام حرفي لعبد الله العروي )

هل يصح الكلام عن تأثير عبد الكريم على الحركة القومية المغربية ، في حين لم يكن نشاطه،منطقيا ، سوى جزء منها .

نعم ، إذا رأينا هذه الحركة من زاوية حصرية ، هذه الزاوية التي تحدد بالضبط منحى الكتاب الأجانب وحتى القادة القوميين .

فهم يفصلون عادة بين مرحلة الكفاح المسلح ومرحلة الصراع السياسي، وهذه المرحلة الأخيرة تصبح بذلك متميزة حكما على المقاومة التي شهدتها المدن بعد 1953. وهكذا تتمدد الحركة القومية البرجوازية ، التي تتميز بتصورات ، وطرق،ومطالب في غاية الخصوصية . وتنقلب في المقابل الرؤية رأسا على عقب إذا ما فهمنا الحركة القومية ، كتعبير عن مجمل ردود الفعل التي جابهت الضغط الأجنبي ، المتعدد الأشكال . وهو يطال جوانب تتراوح بين البيولوجي إلى المكتوب .

وعبر هذه التجربة تسقط عن تجربة عبد الكريم المعاني الميكانيكية ، التي تجعل من التأثير فعلا من خارج فتدخل في نطاق المتواصل ، أي مستوى التغيير النوعي ، ولكن هذه الرؤية ليست حتى الآن رؤية القوميين .

وضمن هذا الإطار الضيق ، المحدد، لنبدأ باستعادت الجواب البسيط ، الشائع ،هذا الذي يردده منذ أعوام ،المؤدلجون والمؤرخون والمسؤولون عن الإعلام من المغاربة أم من الأجانب ، انه يربط مباشرة بين ولادة الحركة القومية السياسية بحرب الريف .

قد يكون من الممكن فعلا أن نبرر هذا الربط على المستوى الزمني حصرا . ولكن ما هو المعنى الكامن وراء تطابق التواريخ .

علينا أن نتذكر ، كي ندرك ما يدل عليه هذا التطابق من انطلاقة المجموعات القومية الأولى من تطوان وفاس والرباط وبين نهاية حرب الريف ،تلك المقالات الصغيرة ، التي كانت تنشرها “جريدة السعادة ” في المغرب نفسه وهي جريدة الانتداب الرسمية ، خلال الفترة المتراوحة بين ربيع 1920 وصيف 1926 ، والتي كانت تتناول العمليات العسكرية في الريف ، على الجبهة الاسبانية وكذلك على الجبهة الفرنسية .

كان عبد الكريم يلقب بشكل منتظم بأمير الريف ، ماذا كان يعني هذا اللقب بالنسبة للقارئ خلال هذه المرحلة ، قد لا نعلم ، ولكن الأكيد أنه لم يؤد معنى الزعيم القبلي الذي ربما أراد محررو السعادة تحميله إياه ، وحتى عندما دارت الحرب على فرنسا لم نجد إلا نادرا ، كلمة ثائر ونادرا جدا ROGUI .

أما الصحف والمجلات الصادرة في البلدان العربية والاسلامية ،فقد كانت تتناول بإسهاب أخبار عبد الكريم ،وتروي ما يمكن أن نستشف سلفا ، عن مآثره ،أكثر بكثير من صحف المغرب نفسه . وقد تكون القرارات الصادرة عن السلطة العسكرية في الجريدة الرسمية المغربية التي تمنع دخول هذه الصحف ، مؤشرا على هذه الاستفاضة .و هذا ما نلاحظه مثلا بالنسبة لمجلة إفريقيا التي يصدرها في تونس ، توفيق المدني . وكذلك الجريدة التي تصدر بالعربية في سان باولو . وعام 1924 التقى محمد أزركان خلال سفره إلى لندن شكيب  أرسلان ، وكذلك ممثلا مسلما عن الهلال الأحمر الهندي . وإذا ما أدركنا النشاط الصحفي للزعيم الدرزي فإننا سنتأكد بأن موضوع الريف لم يكن غائبا . وبالفعل فجريدة المنار نشرت عام 1925 مقالتين تصف عبد الكريم كبطل أندلسي جديد .

لنتذكر أيضا صحفا أخرى ، السياسة الأسبوعية ، الثورة ،القاهرية ،الوقت ، الأقدام في أسطنبول ، وهي الصحف التي تثبت بعض المؤشرات بأنها كانت تقرأ في المغرب .

إننا نستعيد كل هذه الأمور كي نصل إلى مسألة محددة ، وهي المدن القريبة جغرافيا إلى الحدث ، فقد اعتادت أن تجتمع كي تناقش وتنشد ،وتعمم في بعض الأحيان مآثر الزعيم الريفي ، فليس لذلك معنى ملحوظا بذاته ،فما يجب أن نلحظه هو العكس تماما ، اي أن الزعيم الريفي لم يعد يثير الاهتمام في المغرب .

هذا ما أريد مناقشته بإيجاز :

أحيا حزب الاستقلال عام 1971 ذكرى معركة أنوال ، فدعا ديبلوماسيا مغربيا محمد الخطيب ، وهو من مواليد تطوان ، ليلقى محاضرة حول المعركة ، تناول المحاضر بالإشارة إلى مسألة مهمة : وهي أن جريدة العلم قد نشرت في أيلول ترجمة لمقال نشر في تموز 1928 في جريدة ألمانية “دي ولت” تحت عنوان ” ضربة الأسد ” ، وعلق المحاضر قائلا : إن ما يؤلمني هو أن يكون الأجنبي هو أول من يستعيد ذكرى أكثر لحظات تاريخنا إشراقا “… إلا أننا لو وضعنا هذه الملاحظة جانبا ، فإن العرض الذي قدمه المحاضر ظل في إطار التاريخ الاستعماري :

فقراءة المعركة هي هنا ذات وجهة اسبانية ، اي من زاوية الاسبان وإن كانوا قد هزموا ،ولا تنقلنا الذكرى ، ولو للحظة إلى الجبهة الريفية …

هل هناك مخطوطات تتيح لنا التثبت يوما ،أن عبد الكريم لم يغب عن الذاكرة خلال الفترة التي فصلت عن تسليمه – استسلامه ؟ وبين استقراره في القاهرة ؟ على كل حال يبقى أن علال الفاسي كان أول من تكلم بجدية حول التجربة الريفية .ويؤكد علال الفاسي أنه لاحظ في القاهرة ، أن جميع القادة الوطنيين ، القادمين من الشرق الأوسط ، السوريين والعراقيين ، على وجه الخصوص،كانوا يعترفون علنا بما يدينون به ثقافيا وسياسيا لعبد الكريم .

ماذا كان الجو الذي فرض الزعيم عبد الكريم حتى على بورقيبة نفسه ؟ماذا نجد في كتاب علال الفاسي ، الكلاسيكي ، الحركات الاستقلالية ،في إفريقيا الشمالية ؟ من المهم أن نتذكر أن هذا الكتاب قد طلب من المؤلف بواسطة أحمد الأمين وباسم جامعة الدول العربية .

  • ملخص مختصر حول تاريخ الريف العسكري ، مقتبس كما يبدو من الكتب الفرنسية الاستعمارية .
  • تحليل شكل يتناول الدستور الريفي : يلاحظ المؤلف مثلا أنه لم يكن هناك فصلا صارما بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية .
  • تبرير حاذق للقرار الذي اتخذه عبد الكريم بإنشاء الجمهورية الريفية ، ويعتقد علال الفاسي ، بالفعل عبد الكريم قد أراد أن يتفادى الخطأ الذي وقع فيه “الهيبة ” الذي شن الحرب على الفرنسيين باسم السلطان ، كأحد أعيانه المطيعين ولكن انتهى بأن أعلن نفسه سلطانا .

ولم يكن يتسنى لعبد الكريم أن يتكلم باسم السلطان أو أن اتخذ القرارات ، لذلك فضل نظرا للظروف أن ينشئ جمهورية ، ويتخذ على عاتقه ما يصدر عنه من أفعال ، وحتى يأتي ذلك اليوم حيث يصبح المغرب حرا ،فيعيد السلطة لأصحابها الشرعيين .فهناك إذن مزيج دقيق بين كلمة جمهورية بمفهومها الإداري الحديث والمفهوم التقليدي الشائع الذي تحمله الإمارة.

ماذا نستخلص من هذه الملاحظات ؟ من المحتمل أن تكون المجموعة التي قادت الحركة الوطنية المغربية ، قد أغفلت في خلال المرحلة 1926-1947 هذه التجربة الريفية ، ولم تعطها في الواقع أي اهتمام سياسي .وكيف يمكننا أن نفسرها إلا انطلاقا من هذه الملاحظة ، تلك المغالطة الغريبة التي تنسل من أشهرهم .

إننا نكتشف وراء هذه النماذج التي تقدم التجربة الريفية ، قراءة تجري من خلال شبكة مزدوجة ، هي في الواقع الشبكة البنيوية ، التي تميز الحركة الوطنية المغربية ، السلفية الظاهرة في محاولة الاجتهاد القانوني .التي يقوم بها علال الفاسي والحركة اللبرالية الديمقراطية التي نشهدها هنا من خلال الدستورية الشكلية .لم تغن التجربة الريفية ، الحركة الوطنية ،لم تضف إليها ،بل ان هذه الحركة هي التي تستعيدها ، فلدفعها يسارا كي تتلافى مع منطلقاتها الخاصة .

لنعالج الآن هذه النقطة الأخيرة :

سنلجأ خلال هذه المرحلة من البحث إلى تعليق نشرته مجلة المنار القاهرية حول تصريح عبد الكريم ، أدلى به بعد استسلامه ، لصحافي غربي ،وقد نشرته صحيفة أخرى قاهرية أيضا ، “الثورة” سنفسر فيما بعد لماذا نستخدم هذا التعليق .

في عدد 5 تشرين الثاني 1926 ، عنونت المنار مقالها التالي : “جهل القادة المسلمين”، وألحقت هذا العنوان ، بما يلي :” والأعمال التي تستحق اللوم للزوايا الشريفيين التي كانت سببا لهزيمة الزعيم الريفي ” فالعنوان نفسه يحمل التباسا ،فلا يتحدد السبب الرئيسي الذي أدى إلى الفشل “.

لنرى أولا ما يقوله عبد الكريم من خلال تصريحه ، فهو يركز على فكرتين :فكرة استقلال الريف ، الاستقلال الفعلي ،دون شروط ، ودون تسويات ،وفكرة وحدة الريفيين الوطنية ، هذه الوحدة التي يجب خلقها وتدعيمها ، فعلى الأرجح عندما يحدد معنى هذا التعبير : الجمهورية الريفية :” لقد أطلقنا على بلادنا تسمية جمهورية ريفية منذ 1923 ، قال عبد الكريم ،ولقد عملنا لهذا الغرض ، على طباعة منشورات رسمية في فاس ، كتب عليها عبارة جمهورية ،كي نشير إلى واقعنا كدولة مكونة من قبائل فدرالية وليس كدولة تمثيلية قائمة على برلمان منتخب .

هكذا ، فإن كلمة جمهورية لم تأخذ في ذهننا معناها الحقيقي إلا بعد حين ، لأن جميع الشعوب ، تجد حاجة في بداية تشكل نشوئها ،إلى حكم حازم ، وسلطة قوية وإلى منظمة وطنية نشطة .

ويضيف :”لم أفهم ، لقد اعتقد الناس أننا سنعيد بعد الانتصار للقبائل حكمها الذاتي ،هذا ما كان يعني العودة إلى الفوضى والبربرية “.

ولقد كان التعصب الديني سببا من أسباب هزيمتي … إنني أعترف بأنني اضطررت إلى استخدام الشعور الديني في بعض الأحيان ، (عندما احتل الاسبان أجدير مثلا)، ولكن الإسلام لا علاقة له بما يمارسه الجزائريون والمغاربة “.

ويشن عبد الكريم بعد ذلك هجوما عنيفا على الشريفية ..ويضربها بالشرك وعبادة الاشخاص ، ويستنتج :” لم يشارك هؤلاء في الصراع ، لأنهم كانوا يقولون ان الكفاح من أجل الوطن لا يعنيهم ،وأن دورهم يقتصر على الجهاد …لقد عملت كل شيء كي أخلص وطني من نفوذهم ، ومن أثرهم الذي يعتبر عائقا كبيرا ، أمام الحرية والاستقلال “.

لم تجد المنار إلى هنا ما تعيد النظر به وهي الناطقة باسم الحركة السلفية ، بالنسبة للمضمون على الأقل ، إلا أن عبد الكريم لا يتوقف هنا ، وهذا ما سوف يصعب على المنار تمريره دون اعتراض :

” لقد اعجبتني السياسة التي اتبعتها تركيا ،… فلن تستطيع الدول الاسلامية أن تستقل إلا إذا تحررت مقدما ، من التعصب الديني واقتفت أثر الشعوب الأوروبية ، إلا أن الريفيين لم يفهموني ، وقد ناهضني الشيوخ لأنهم شاهدوني مرة وقد لبست زي ضابط . فكل بلد لا تزال تشهد وزنا كبيرا لهؤلاء المشايخ ، لن تتقدم إلا ببطء إلا إذا ما لجأت إلى العنف والقوة . أريد أو أقول تحديدا انني لم ألق في الريف أي تشجيع كي أحقق مشاريعي الإصلاحية ، ولم تفهمني سوى بعض المجموعات النواتية ، في فاس والجزائر وقد دعمتني كونها كانت قد اطلعت على ما يدور في الخارج . وبكلمة فقد أتيت قبل أواني ، ولكني مقتنع بأن أمالي ستتحقق آجلا أم عاجلا ، بقوة الأشياء ومنطق الأحداث “.انتهى كلام عبد الكريم

لنر الآن تعليق المنار ،فإننا نعين فيه النقاط التالية :

  • يعترف القائد الريفي بأنه لم يعرف كيف يقود شعبه ، لقد علم جيدا كيف يستفيد من التقنيات التي تعلمها من الاسبان ،وزاد بذلك قوته الدفاعية ،ولكنه،انجذب إلى مظاهر الحضارة الأوروبية التي أضعفت قوة الريفيين المعنوية . تلك القوة الكامنة في عصبيتهم .وإننا مرة أخرى كيف تفعل هذه الجدلية الرهيبة فعلها ، هذه الجدلية التي سمحت للمفكرين السلفيين بأن يطعنوا بأية محاولة إصلاحية في بلاد الاسلام .
  • لقد اراد القائد الريفي أن يحل بسرعة الحمية الوطنية مكمن هذه العصبية الدينية . ولكنه لم يفهم أن الأتراك كانوا قد تحضروا لمثل هذا الاصلاح العلماني خلال قرن بكامله . وتكشف هذه الملاحظة الطابع الانتهازي المسيطر على الفكر السلفي ، الذي لا يعطي القول الفصل في مسائل جوهرية ،ذلك أنه يجعل من أي إصلاح اجتماعي عميق مسألة مؤجلة غير مناسبة .
  • إن ما يسميه عبد الكريم تعصبا دينيا ،وما يريد قمعه بالقوة ،ليس في الواقع إلا جهلا ، لا يحارب فعليا إلا بالتثقيف. من هنا لا يمكن أن تحل هذه المسألة إلا فيما بعد .

وقد يكون عبد الكريم قد استطاع أن يعرض كفاحه ضمن هذه الوجهة كجهاد في سبيل الله ( مكتسبا إلى جانبه بذلك زعماء الزوايا والمشككين بقيمة حركته ) وبأن نضاله شرعي .ولكنه اعتقد كونه فشل في رد نضاله إلى النصوص الفقهية …

ومن لا يرى هنا أن المنار ترسم من خلال هذه الملاحظات النقدية الوجه الحقيقي للقائد الاصلاحي الذي يتميز بذرائعية سياسية مطلقة .

إنني على يقين ، ولدي المؤشرات التي تثبت أن زعماء الحركة الوطنية الأساسيين خلال الثلاثينات قد ارتكزوا على إشارة المنار  هذه كي يبنوا حكمهم على عبد الكريم . لقد قال الفاسي يوما معبرا عن وجهة نظر الوطنيين من جيله ” عندما نكتشف أن عبد الكريم لم يبن خلال خمس سنوات مدرسة واحدة ” ولا شك أهمية الملاحظة ، إلا أن عبد الكريم كان قد أجابهم بالتأكيد :” نعم ،ولكنكم أنتم ، وطنيو مرحلة ما بين الحربين ،لم تفعلوا إلا هذا ، إنكم لم تكونوا سوى أساتذة مدارس !”

يمكن أن نستنتج بعد ذلك ، أن ما أخذته الحركة الوطنية عن عبد الكريم والتربية الريفية هو بخاصة هذا الدور السيء الذي لعبه قادة الزوايا وقد يتذكر جميع القادة الوطنيين ، في المغرب ،وطأة هروب عبد الرحمان الدرقاوي إلى فاس الواقعة تحت الانتداب الفرنسي ، ففي حين كان يستقبل سابقا في كل عام بكل مظاهر الاحترام والاعتبار اللائق برجل إيمان أضحى بعد هروبه من صفوف المقاتلين الريفيين وعودته إلى زاويته وحيدا ومحتقرا . إلى درجة أجبرت شخصا مكرسا نفسه للقضية الاخوانية وهو القاضي أحمد سكيراج ، على التدوين في إحدى حكاياته عن حرب الريف عن الدور السلبي للدرقاوية والوزاني وبعض الخمالشة …

هكذا تعود هذه الجدلية القديمة ، المتمردة دوما ، التي تحكم علاقة المركز بالمحيط ،بين الشكل المخزني والشكل المحلي …

يمكننا أن نتصور بسهولة اللقاء وجها لوجه بين عبد الكريم وعلال الفاسي 1949 في القاهرة ، رجلان متشابهان ومختلفان ،في آن، إنهما يتحدثان ولكن هل يتفاهمان ؟ وعلى كل حال انتهى اللقاء سريعا ، انتهى شهر العسل القصير الذي رافق عملهما في مكتب المغرب العربي .

كان علال الفاسي يعترف بالأسبقية التاريخية ، فيزور عبد الكريم في منزله أسبوعيا .ولكن في كل مرة كان عبد الكريم يعتذر متذرعا بالتعب … ولا يستقبله . صورة في الوعي ما تزال تؤلمنا .

شخصيتان مرموقتان ، وجهان عرفا العظمة عرفا الفشل : الأول في ساحة المعركة والثاني لاحقا وبشكل قد يكون أكثر مأساوية على طاولة المفاوضات ، ولم ينهض المغرب ..من هذا الفشل المزدوج ، أما نحن، نحن الذين علينا أن نعيد بناء هذا المغرب المهدوم ،المستبعد، إذ طالما سمعنا رسالة علال الفاسي ، فلقد آن لنا بحل رموز الكلام المتقطع لعبد الكريم الريفي .

د.عبد الله العروي:  مداخلة مقتطفة من كتاب : الخطابي وجهورية الريف

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top