البيئة

لقد أصبحت مزعجا أيها النورس !

أكيد أن غالبية ساكنة مدينة الحسيمة بدأت تشعر، خاصة خلال العشر سنوات الأخيرة، بالانزعاج من تزايد أعداد  طائر النورس ، و الذي أصبح يحتل العديد من أسطح البنايات و يعشش عليها.

ينتمي هذا الطائر لفصيلة النورسيات التي تتكون من أكثر من أربعين نوعا، و يسمى بالنورس الرمادي الفاتح (Goéland leucophée)، يختلف عن الأنواع الأخرى بالعديد من الخاصيات ، أهمها  منقار أصفر ذو بقعة حمراء اللون ، و جسم أبيض ناصع ، و جناحين يطغى عليهما لون رمادي فاتح، وساقين صفراويين.و يكون النورس  غير البالغ أضخم من الفرد البالغ وأقل بياضا و مرقطا بالرمادي الداكن لدرجة أن البعض يعتبره نوعا آخر من النوارس. يتواجد غالباً قرب الشواطئ ، و لكونه  حيوان آكل للحطام و ليس بمفترس فهو يتغذى على الفضلات و البقايا العضوية التي يلفظها البحر .  وهنا تكمن أهميته المتمثلة في تنظيف الساحل من البقايا العضوية التي قد تتعفن و تكون بؤرا للجراثيم و مصدرا للروائح الكريهة.

إن ظاهرة تكاثر أعداد النورس الرمادي الفاتح ( Goéland leucophée ) واستيطانه بالمدن هو عبارة عن خلل بيئي، تم رصده بداية بالسواحل الأطلسية، ثم انتقلت الظاهرة لتشمل الكثير من المدن الساحلية المتوسطية، وذلك منذ ما يقارب أربعة عقود.

كان طائر النورس الرمادي الفاتح يتواجد بشكل دائم بشواطئ الحسيمة و على الخصوص بالميناء  ومحيطه، لكن خلال العشر سنوات الأخيرة  ارتفعت أعداده و بدأ يغزوا المدينة لدرجة أنه أصبح يشكل إزعاجا حقيقيا للساكنة، فهو يلوث البنايات بفضلاته، و يحتل الأسطح، ويزعج بصوته الحاد ( تلوث صوتي) . كما أنه يدخل في منافسة شرسة حول الموئل  مع بعض الطيور النادرة و المهددة بالانقراض كالسرنوف العركي( balbuzard pêcheur) و نورس أودوين ( goéland d’Audouin) بالإضافة إلى لجوئه إلى أكل بيضها  و فراخها مما يشكل تهديدا  حقيقيا لبقائها في منطقتنا.

و أظهرت نتائج الدراسات العلمية  بالعديد من البلدان الساحلية ، والتي استهدفت الدينامية الديمغرافية لهذا الطائر أن السبب الرئيسي في ازدياد أعداده بهذا الشكل هو احتضان مجال عيشه ومحيطه لمصادر الغذاء الوافر و السهل المنال، و بالخصوص تواجد مطارح للنفايات مفتوحة على الهواء الطلق كحالة المطرح البيجمعاتي الذي تدبره مجموعة ” نكور غيس” و المتواجد بجبل “بوحمود” المحاذي لبلدة إزفزافن، والذي شرع في استعماله منذ سنة 2008 .

قد يكون هذا المطرح للنفايات هو السبب الرئيسي لتكاثر النورس الرمادي الفاتح بالحسيمة ، خاصة أن هذا الطائر قادر على قطع مسافة أربعين كيلومترا بحثا عن الغذاء ثم العودة  إلى مسكنه آخر النهار. أما فيما يخص استيطانه أسطح البنايات و جعلها مسكنا له يعشش فيها بأمان فقد يعود لتكاثر أعداده من جهة   إلى احتلال الإنسان لمجاله  الطبيعية من جهة أخرى  ، بالإضافة إلى تواجد الكثير من المنازل الفارغة من السكان بالمدينة، و أسطح المؤسسات العمومية التي لا يتردد عليها أحد مما يجعل منها بدائل مناسبة لموئله الطبيعي.

من أجل معالجة هذا الخلل البيئي الناتج عن الأنشطة البشرية لابد من دراسة ديمغرافية طائر النورس الرمادي الفاتح بالحسيمة و تحديد أعداد مستوطناته و أماكن تعشيشه و مصادر غذائه و نسبة خصوبته وتنقلاته …و على ضوء هذه المعطيات يمكن ابتكار حلول تقلل من مصادر تغذيته الشيء الذي يعتبر من أنجع المخرجات التي  ستقلل من أعداده.

و في الختام نتساءل هل مجموعة ” نكور غيس” ، المسؤولة عن تدبير مطرح النفايات البيجمعاتي قادرة على إبداع إستراتيجية للحد من هذا الخلل البيئي ؟ أم أنها تبدع فقط في تزيين المكاتب و اقتناء السيارات والتعاقد مع مكاتب للدراسات بالملايين  المستخلصة من جيوب المواطنين.

ألتبريس: ذ.عبد الحميد توفيق: أستاذ باحث في علوم الحياة والأرض

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top