افتتاحية

هل جائحة كورونا هي إعادة إنتاج وصفة روبرت مالتوس الذي أفزعه التزايد السكاني؟

لعل الجميع ينتظر شيئا ما من التفسير المعقول لهذه الجائحة التي أربكت العالم وأرعبت 7.594 مليار من البشر الذي يسكن فوق كوكب الأرض، وهو رقم ضخم طالما استعرضته الرأسمالية لنشر التهديد والتعبير عن مخاوف اقتصادية جراء هذا النمو الديمغرافي المضطرد، وبصرف النظر عن المخاوف البيئية الخطيرة التي تسبب فيها التقدم الصناعي و التكنولوجي.. ، فإن الأنظمة الرأسمالية تسعى للبحث عن الحلول بالحفاظ على وثيرة نظامها الإنتاجي المتسبب في كوارث بيئية وإنسانية، ولعل هذا المنحى هو الذي يجعل المخاوف تتصاعد جراء البحث عن حلول لا إنسانية لمشكل التزايد السكاني.

وفي هذا الصدد تظهر ملامح العودة إلى المالتوسية ( نسبة إلى الاقتصادي مالتوس) الذي سبق أن نشر كتابا تحت عنوان ” مقالة حول مبدأ السكان”  سنة 1798 دون ذكر إسمه نظرا لما يتضمنه من خيارات لا إنسانية لمعالجة تكاثر السكان، وقد استخلص هذا الاقتصادي أن السكان يتزايدون وفق متوالية هندسية فيما الاقتصاد يسير وفق متوالية حسابية ودق ناقوس خطر نقص الغذاء.

لا أستبعد أن تكون هذه النظرية لها صدى في عقول بعض المنظرين الرأسماليين ويحنون إلى العودة إليها من أجل الحد من تكاثر السكان، حيث جميع الخيارات ممكنة حتى أنه يمكن أن نتصور لو لم تكن الشعوب العريضة تشكل مادة للاستهلاك ورواج السوق أظن أنهم كانوا سيبيدون جزء كبير من البشرية بلا رحمة ، ولا غرابة في ذلك والآلة العسكرية الفتاكة للقوى العضمى تبيد يوميا الكائنات البشرية والحية في عدد من بقاع الارض اشتعالا بالحروب والأزمات الاقتصادية والايكولوجية.

إن البشرية المغلوب على أمرها في امتحان عسير مع نمط جديد من الهجوم البيولوجي، وهي أخطر الحروب التي تستهدف وستستهدف البشر في السنوات المقبلة.

فما عسى أن تفعله هذه الشعوب في مواجهة تفوق رأسمالية قوية للدول الغربية التي تمتلك كل القوة المرئية وغير المرئية لسحق البشر؟

ان تكون قويا اليوم لا يعني استعراض العضلات بل تعني ” القدرة على التصرف” وأنت ملتزم مع نفسك أولا ومع غيرك، دون ان ننسى انه يمكن خلق القوة من الهشاشة وهي نوع من القوة السيكولوجية ..وهناك عدة امثلة لمقاومين ظلوا على إرادة القوة الثابتة في ظروف اختلال القوة المادية ضدهم وتمكنوا من ربح المعركة ..

ولكي تبقى حرا عليك ان تؤمن بشجاعة الوجود وان تقبل العيش في المخاطر دون ان يستبد بك الخوف، لاسيما في زمن هيمنة المكروبات، وان تؤمن دائما ان الهدف هو ربح المعركة، لكن لابد ان تقبل تلقي اللكمات وتستوعب الآلام إن شئت تحقيق الأهداف ..

وكما قال بطل الملاكمة الفرنسي السابق Robert Paturel ” على حلبة المواجهة ليس من نعرف اكثر هو الذي يفوز بل من له إرادة وتصميم اكثر ” ..

فما معنى القوة في زمن الكرونا؟ أعتقد أنه يجب الابتعاد عن التراهات التي ترى في الجائحة فرصة للتطور نحو الأحسن ، هؤلاء يعيشون فوق تربة مشبعة بالأحلام، لكن صحيح أن ما بعد الجائحة سوف تنشطر الأمم إلى فئتين : أمم تسوسها أنظمة لها حد أدنى من الاخلاق والمعايير الانسانية وأخرى نظامها متوحش، هذا الأخير، وبعيدا عن منطق المآمرة، يستغل الأبحاث البيولوجية من أجل استئصال فئة من البشر ، وعلى الجميع أن يعرف أن الباحث في الميدان العلمي عندما يبحث لا يعرف ماذا سيكتشف وإلا ماكان البحث بحثا ، والأمثلة كثيرة ، فعندما اكتشف انشطاين النظرية النسبية العامة لم يكن يعتقد أن نظريته ستفضي إلى خلق القنبلة الذرية التي ستدمر هروشيما ، علما أن جميع الاختراعات العلمية تقع تحت أيادي المافيا الدولية العابرة للقارات..

ومع ذلك فهؤلاء الأقوياء ليسوا أقوياء، بمعنى ليس بمقدورهم رياضيا استئصال الضعفاء ، أضيف أنه لفهم الأمور ومعنى القوة اليوم لابد من الرجوع إلى النظرية التطورية في ميدان الحيوانات والكائنات الحية ، فعندما يكون جمع من هذه الكائنات تبحث عن مصدر للعيش يكون أمامها اتباع استراتيجتين : استراتيجية النسور بكل ما يعنيه ذلك من العنف والتوحش أو استراتيجية الحمائم ، فهذه الأخيرة عندما تلتقي على مصدر العيش تقتسمه بدون عنف، على خلاف النسور فعندما تلتقي تدخل في حرب طاحنة أحدها يفوز بالغنيمة والآخر يندحر إن لم يتحول إلى ضحية بدروه، ولذلك فالحمائم تنشد أن تكثر النسور لكي تتحارب فيما بينها حتى لا يتم استئصالها من الوجود ، فكما قال نيشته إن الطبيعة أعطت الفرصة للضعفاء بشكل يجعل من المستحيل القضاء على مصدر رزقهم وأحرى محوهم وإبادتهم .. لذلك فمتى تصارع المتوحشون إلا وكان هناك فرصة للضعفاء وأمل في شيء جديد ينبثق لا نعرف شكله ومضمونه ..ربما هذا هو الاعتقاد الذي حرك صاحب فكرة نشر الصور كإيحاء بأن هناك أمل في الأفق لكن خانه التعبير لما استعمل كلمة تحدي التي لا تليق بالمقام !

ألتبريس

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top