اراء

وعود التنمية بين الممكن والاستهلاك الظرفي

الدكتور علي الإدريسي*
شيء جميل أن يعلن المكتب الوطني للسكك الحديدية، ( ONCF ) يوم 23 يونيو 2020، أنه سيمدد الشبكة الحالية التقليدية للمغرب وخط LGV (الخط عالي السرعة) من 2110 كيلومترًا حاليًا إلى 4410 عام 2040، لتستهدف 132 مليون مسافر سنويًا مقابل 38.2 مليون في عام 2019. وستربط الشبكة الموعودة 43 مدينة إضافية إلى المدن الحالية التي وصلتها القطارات، و12 ميناء و15 مطارًا دوليًا.
ويتعلق الأمر، حسب المكتب الوطني للسكك الحديدية، بإنجاز 1100 كيلومتر من الخط العالي السرعة، و1600 كيلومتر من الخط التقليدي. ويقدر المكتب المبلغ الإجمالي الذي سيستثمره في المشروع الموعود به بحوالي 375 مليار درهم أو39 مليار دولار، وتحقيق ما يقارب 300 ألف وظيفة.
لكن الأجمل والأفيد للوطن المغربي، والأصدق لوعود الدولة ومؤسساتها، والأفضل والأنجع لسياسة التطور المنتظر في وطننا المغرب، بل وتصحيحا لكثير مما رسخ في ذاكرة المغاربة المخضرمين، الذين قد يُدرِجون هذا الإعلان ضمن إعلانات ووعود أخرى مغربية لم تتحقق منها إلا جوانب بسيطة جدا، أو أنها لم تنجز أبدا، لأنها أُعلنت للاستهلاك المحلي والظرفي، ولغايات ديماغوجية مقتبسة، في الغالب ، من البروباغاندا الشيوعية التي أدت بالدول الشيوعية إلى الانهيار والسقوط رغم جمالية وعودها، لأن الحكمة تقول ليس كل ما يلمع ذهبا.
ويتذكر المغاربة، في هذه المناسبة، مثلا، إعلان وزير السياحة المغربي سنة 1975، في ندوة صحافية، بأن المغرب سيكون لديه سنة 2000 ما يناهز مليون سرير سياحي. وحين الانتهاء من ندوته توجه إليه صحافي، لكن خارج قاعة الندوة، ليستفسره، هل هو متأكد من تحقيق ما أعلنه في ندوته الصحافية؟ فقال له وزير السياحة مولاي أحمد العلوي، والعهدة على الراوي: أنا تحدثت عن سنة 2000 التي يفصلنا عنها ربع قرن من الزمن؛ ولا أعتقد بأن سيكون هناك من يتذكر ما جاء في هذه الندوة، وربما سأكون أنا متُّ، ولن يكون هناك من يعاتَب، (نلاحظ هنا شخصنة الوعود وغياب منطق الدولة).قبل أن يضيف أن ما ورد في هذه الندوة كلام يخدم الظرفية السياسية!!!!!
وهل لا يزال المغاربة يتذكرون مشاريع وبرامج التنمية التي بشرت بها الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال إلى اليوم، أو تلك التي وعدت بها الدولة؟ وهل يعرفون نسبة ما تم تحقيقه منها، أم أن نجاحها “تحقق” بنسيانها؟ نعتقد بأن أعظم ما ضيعه أصحاب المشاريع المعلن عنها رسميا دون تحقيقها، هو فقدان مصداقية وعودهم الجديدة ومشاريع الغد التي يعلنونها أمام الشعب. ربما أنهم لا يزالون يعتقدون أن الناس سينسون كما ادعى وزير سياحة 1975، أو كما تعتقد الحكومات المتعاقبة بأن الشعب لديه من الهموم والمشكلات ما ينسيه حتى في إمكان وجود حكومات ومؤسسات ذات مصداقية. وأحد الأدلة على ذلك، كونها لا تكلف نفسها بتقديم حصيلة تنفيذ برامجها أو مشاريعها الرسمية عند انتهاء مهامها، ولا تحاسب مؤسسات الدولة أمام أي جهة كانت بصفة علانية.
ويعرف المغاربة مصير من يحتج على عدم الالتزام بما تم الإعلان عنه، والوعد الذي تم قطعه أمام المغاربة من هذا المسؤول أو ذاك، ويعرفون كذلك مصير من يبدي رأيا مختلفا، أو منبها إلى ما يمكن إن يؤدي إليه عدم الالتزام بما تم إعلانه. والأمثلة معروفة وشرح الواضحات من المفضحات. إذ لا يزال المغاربة ينطبق عليهم ما قيل قديما “من لا طاعة له لا حق له في الرأي”.
ولا ندري كيف يستطيع بلد أو دولة أن تتقدم إلى الأمام بفاعلية في تغييب ثقافة الإنصات الإيجابي للشارع العام المحتج على عدم الوفاء بما تم الإعلان عنه، والمطالب بمحاسبة من أخلف وعده، أو يتم بإهمال أهل الرأي المختلف، والمخالف كذلك، وبعدم اعتبارهم من بين أهل الحل والعقد، كما في الثقافات السياسية المعاصرة؟
ولا ندري أيضا هل سينتظر المغاربة مجيء كَودو حاملا معه بشرى بانتهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي، وتفعيل “التأويل الديمقراطي” للدستور ممارسة على أرض الواقع، وتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة “المرحومة”، لكي يتم الربط الحقيقي بين ما ينشر على الشعب وبين إنجازه على أرض الواقع، ولا يُعتمد على النسيان الذي قد يتطور إلى مرض فقدان الذاكرة الجماعي، الذي سيعاني من آثاره الجميع دون استثناء بلا شك؟
ويعلم الجميع أن الاستماع إلى الرأي الآخر، ونقد خطط التنفيذ وآلياتها على الأرض، والحث على احترام التواريخ المعلنة للإنجاز، واقتراح تصحيحها، إذا حدث فيها خلل ما، هي من صميم الديمقراطية كفعل وليس كمجرد شعار، مثل ذلك كمثل ما يم يمكن أن يلحق كثيرا من المشاريع والبرامج المعلن عنها، التي لا يتجاوز هدفها التطبيل الإعلامي والمدح، اللذين ترمي مهمتهما الأولى والجوهرية، كما هو معروف، إلى تحقيق وتحصين المصالح المحققة، أو المنتظر تحقيقها. أما إعلان المشاريع في غياب الشفافية، والمساءلة، والمحاسبة، فغالبا ما تكون لها أهداف ليست بعيدة عما أشرنا إليه.
نتمنى بكل تأكيد أن تنجح مشاريع المكتب الوطني للسكك الحديدية، ومشاريع مؤسسات وطنية أخرى، ومشاريع حكومية كذلك. ونعتقد بأن حظوظ النجاح ستكون رائعة إذا تم تطبيق المبدأ الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، واحترام رأي الملاحظين والناقدين والمحتجين بصفتهم مواطنين غيورين على وطنهم، وليسوا خونة، أو مهددين لسلامة الوطن.
ويكفي أن تستحضر ذاكرة كل مغربي مغربي المشاريع التنموية والسياسية والاجتماعية التي وُعد بها المغاربة منذ عقود، كيف وماذا كان مصيرها؟
*دبلوماسي مغربي سابق وأستاذ جامعي مقيم في كندا

Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر شيوعا

To Top