قضايا دولية

ماذا وراء الاتهامات لروسيا حول المكافأة المالية لحركة طالبان؟

بقلم: خالـــد البــوهـــالـــي

باحث في الشؤون الدولية 

قبل أيام نشرت صحيفة نيويورك تايمز خبرا مفاده أن روسيا عرضت أموالا بواسطة وحدة الاستخبارات العسكرية الروسية على حركة طالبان الأفغانية، كمكافأة لها لقتل جنود أمريكيين في أفغانستان. وهي معلومات لم تؤكدها أية جهة أمنية أمريكية سواء من أجهزة الإستخبارات، أو هيئة أركان الجيوش الأمريكية. أو حتى القوات المتحالفة، باستثناء بريطانيا التي أعلنت أنها تملك معلومات بهذا الخصوص، و تفعل كل ما بوسعها لحماية جنودها في أفغانستان من هكذا عمليات.

حركة طالبان- و إن كنا لا نتفق مع توجهاتها العقائدية و المذهبية-  لا تحتاج إلى روسيا للقيام بعمليات عسكرية مقابل المال، ضد الجنود الأمريكيين في بلادها. فقد خاضت أمريكا حربا ضارية ضد هذه الحركة لمدة 17 سنةدون أن تنال منها. كما أن الأفغانيين ضاقوا ذرعا بهذا التواجد الأمريكيو القوات الاجنبيةفي بلادهم، بسبب الفظاعات التي يرتكبها بعض الجنود الأمريكيين في أفغانستان، كما أن ارتفاع عدد قتلى الجنود الأمريكيين إلى 2400 قتيل، جعل من أمريكا تفهم بكل واقعية أن أي حرب ضد هذه الحركة ستكون عديمة الجدوى، خصوصا أن هذه الأخيرة تقاتل على أرضها، و ملمة بتضاريس بلادها الوعرة، و ليس لديها ما تخسره. لهذا دخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب في مفاوضات مع الحركة أفضت لتوقيع اتفاق سلام يقضي بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بحلول عام 2021.

و يبدو أن الانسحاب الأمريكي لم يرق للبعض سواء من جانب حلفاء واشنطن أو في الداخل الأمريكي. و لكل جهة مبرراتها، و كلنا نتذكر الخلافات التي حصلت بين الرئيس دونالد ترامب و وزير دفاعه الأسبق جيمس ماتيس حول قضية الانسحاب من أفغانستان مما دفع بهذا الأخير الى تقديم استقالته، و تعويضه بمارك إسبر.

فالمبررات التي ساقها المعارضون للانسحاب من أفغانستان، هو انه سيقوي شوكة الحركة خصوصا إذا علمنا أنها تتوفر على 60000 ألف مقاتلمتمرس،و لهم خبرة قتالية، و القوات الأفغانية التي تدربها الولايات المتحدة الأمريكية يعتريها نقص كبير في الأداء القتالي، رغم المعدات العسكرية المتقدمة التي حصلت عليها من واشنطن، و اتفاق كهذا، سيمكن طالبان من السيطرة على القوات الأفغانية، زيادة على الأسلحة المتطورة التي بحوزة هذه الأخيرة، إضافة الى عودة قوية للتنظيمات الإرهابية المتطرفة لممارسة نشاطها كداعش و القاعدة.

هناك مبرر آخر يتمثل في إيران، حيث النفوذ الإيراني متجذر في أفغانستان من خلال الطائفة الشيعية الأفغانية – و أغلبهم من الهزارة و الطاجيك -التي تشكل حسب بعض الإحصائيات حوالي نسبة 30 في المائة من سكان أفغانستان ويتواجدون في وسط و شرق أفغانستان. حيث يحظى الشيعة الأفغان بدعم طهران على كل الأصعدة لذا فأي انسحاب عسكري أمريكي، سيمكن إيران من ترسيخ أقدامها في أفغانستان، والسيناريو  العراقي لازال حاضرا في الأذهان.

و على هذا الأساس، تحاول بعض الأطراف عرقلة هذا الانسحاب بشكل أو بآخر، و هو ذات الرأي الذي ذهبت إليه حتى حركة طالبان نفسها، سيما و أن دونالد ترامب حذر في وقت سابق الحركة من أن أي خرق للاتفاق سيدفع أمريكا إلى العودة و بقوة الى أفغانستان

و ربما لهذا السبب، في اعتقادي الشخصيتبنت الصحيفة هذا الاتهام لروسياو بإيعاز من عدة دوائر كوسيلة ضغط على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانسحاب من الاتفاق. الذي أبرمه مع حركة طالبان. والإبقاء على الجنود الأمريكيين هناك،و دعمهم عبر إرسال مجموعات إضافية أخرى هناك.

المثير في الأمر هو التناغم الحاصل بين الجمهوريين و الديمقراطيين حول هذه المسألة، فقد اعتبر السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي في تغريدة على حسابه في تويتر نقلها موقع الجزيرة نت ” أن تجاهل ترامب الإحاطات الإعلامية بهذا الخصوص يعد بمثابة إعطاء روسيا ضوءا أخضرا لمواصلة إعدام الجنود الأميركيين”.

في حين عبر السيناتور الجمهوري دم كينزينغر في تغريدة عبر تويتر” إن روسيا ليست شريكة ولا ينبغي التفاوض معها، وطالب ترامب أن يفضح الأمر فورا ويوقف ما وصفها بحرب الظل الروسي”

من جهته قال النائب الديمقراطي أنطوني بروان” إن اكتشاف الرئيس قيام روسيا بوضع مكآفات مقابل قتل الجنود الأميركيين دون فعل شيء يجعل الولايات المتحدة ضعيفة وأقل أمنا”

أما البيان المشترك حول هذا الموضوع، الذي أصدره كلا منتشاك شومر زعيم الديمقراطيين بمجلس الشيوخ الأمريكيو نانسيبيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي فكان متشنجا.

اللافت للنظر أن ردود الأفعال الصادرة عن بعض نواب المؤسسة التشريعية الأمريكية تجاوبت مع الخبر دون محاولة التدقيق فيه، كما أن بريطانيا التي ادعت أن لها معلومات استخبارية لم تدل بما يفيد حقيقة تلك المزاعم، و إذا كان ما تدعيه حقا فلماذا لم تسلم ما لديها من معلوماتإلى نظيرتها الأمريكية؟ و هل كان ترامب سيسكت لو كان الأمر حقيقة؟ سيما و أنه يعيش أسوأ أيامه و يبحث عن مخرج لأزماته التي لا تنتهي. لعله يفوز في الاستحقاق الانتخابي الذي لا يفصله عنه سوى بضعة شهور.

فمثلما كان الروس أول المساندين للأمريكيين في حربهم على أفغانستان لاجتثاث القاعدة بعد احداث 11 شتنبر الأسود، عبر منح تسهيلات المرور عبر الأجواء الروسية، كانوا أول المرحبين بالاتفاق الأمريكي و حركة طالبان. فأي مصلحة لروسيا بدفع المال لطالبان بغرض قتل الجنود الأمريكيين هناكو عرقلة عملية الانسحاب من أفغانستان؟ و لو افترضنا جدلا أن طالبان قبلت العرض الروسي ففي هذه الحالة ستبدو و كأنها تتصرف مثل عصابة إجرامية محترفة، تقتل مقابل المال– قاتلة مأجورة- و هذا سيسيء إلى سمعتها كحركة دينية و جهادية وفق تصورها، إذن فالمسألة لا تغدو كونها دعاية إعلامية تروم دفع ترامب الى التراجع عن قراره.

و مع ذلك، لا يظهر أن ترامب سيراجع خططه حول مسألة الانسحاب من أفغانستان،فقد أجرى وزير الخارجية الأمريكيمايك بومبيواتصالا هاتفيا مع قادة حركة طالبان بالدوحة القطرية، لبحث مسألة انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان. وفق ما صرح به المتحدث باسم حركة طالبان الأفغانية سهيل شاهين.

ختاما، نتمنى أن تنسحب كل القوات الأجنبية من أرض أفغانستان و تترك للشعب الأفغاني يحيى في سلام كأُمة بين الأمم، فيكفي هذا الشعب ما عاشه من ويلاتو حروب و مآسي بسبب الاستعمار البريطاني مرورا بالغزو السوفياتي و الأمريكي و الحروب الأهلية، و تواجد التنظيمات الإرهابية على أرضه. الذين لم يجلبوا له سوى الدمار  و الخراب و التخلف.

 

1 Comment

1 Comment

  1. ام ماسين

    3 يوليو، 2020 at 11:57 م

    مقال جميل تسلسل منطقي في التحليل و متابعة جيدة للاحداث تحياتي للكاتب الصحفي و شكرا لموقع التبريس على استقطابها لمثل هؤلاء الصحفيين.

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top