قضايا دولية

ما خلفيات القلق الأمريكي من المناورات العسكرية الصينية في بحر الصين الجنوبي ؟

بقلم : خالــد البوهــــالـــي

باحث في الشؤون الدولية

 

تجري الصين كما هي العادة كل سنة، مناوراتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي و تستمر خمسة أيام،بحيث تشارك في هذه المناورات ثلاث سفن تابعة للبحرية الصينية من أسطول نانهاي، و هي مدمرة الصواريخ خيفي، والفرقاطة الصاروخية سانيا، وسفينة الإمداد هونتشو، إضافة للمدمرتين الصاروخيتين لانتشو، وقوانغتشو، وكذلك فرقاطة الصواريخ يولين، كما تشارك في التدريبات عشرات المروحيات وعناصر من القوات الخاصة الصينية. مع تعبئة الطيران البحري، والقوات الحامية في جزر شيشا ونانشا، وكذلك قوات أسطول بيهاى.

المرامي الصينية من المناورات

إذا كان الغرض من هذه المناورات كما تقول الصين،هو رفع و تحسين الاستعداد القتالي للقوات المسلحة الصينية، وتنسيق العمليات بين السفن، والطائرات، والقوات الأخرى ، فإنها في نفس الوقت رسالة قوية تريد بكين إرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مفادها أن الاستفزازات التي كانت تقوم بها هذه الأخيرة قد ولى، و أنها عازمة أشد العزم على بسط هيمنتها في بحر الصين الجنوبي الذي تعتبره بكين جزءا من الصين سواءً حاضرا أو مستقبلا، رغم أن هذا البحر تنازعها فيه عدة دول كماليزيا والفلبين و تايوان، و سلطنة بروناي، و فيتنام، و كلا من هذه الدول تدعي أحقيتها في هذا البحر.

و يكتسي بحر الصين الجنوبي أهمية استراتيجية بالنسبة للصين، إذ في حالة السيطرة عليه، سيمكنها من الهيمنة على طرق الملاحة الدولية، على اعتبار أن هذه المنطقة البحرية تعتبر من أكثر مناطق العالم ازدحاما بسبب حركية السفن التجارية العابرة، فهي تعد نقطة التقاء المواصلات البحرية، كما أنها تشكل أقصر الطرق البحرية التي تصل بين المحيطين الهندي و الهادئ. أضف إلى ذلك الثروات البحرية والطبيعية التي تزخر بها، مما جعلها محل صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية و الصين.

الأهداف الحقيقية لأمريكا من إرسال سفنها الى بحر الصين الجنوبي

تشكل النظرية الماكندرية – نسبة إلى المفكر الجيوبوليتيكي جون هالفورد ماكندر –  أساس السياسة الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في العالم. و تقوم نظرية ماكندر على مسلمة مفادها أن من يتحكم بالقلب يتحكم يتحكم بالجزيرة العالمية، و من يتحكم بالجزيرة العالمية يتحكم في العالم.

و يقصد ماكندر بالقلب هو ذلك الجزء الكبير من أوراسيا التي تحده الصين ومنشوريا شرقا، و شمالا المحيط المتجمد الشمالي، و هضاب آسيا وجبال الهيمالايا من ناحية الجنوب، أما من جهة الغرب فيحدها نهر الفولكا.

و على هذا الأساس، لاتنظر أمريكابعين الرضا إلى هذا الطموح الصيني الجارف في المنطقة، فهي تعي جيدا أن سيطرة الصين على المنطقة البحرية بشكل كلي، سيجعل طرق الملاحة هناك في يد الصينيين، و يؤدي ذلك إلى خنق تايوان الموالية لواشنطن بالشكل الذي يرغمها على العودة إلى أحضان الوطن الأم الصين من جهة.و سيسمح للصين بالتحكم في عصب الاقتصاد العالمي، مما يتيح لهم تسيد العالم و إزاحة أمريكا كقوة عظمى مؤثرة في المشهد الدولي بصفة نهائية.

لذا فالقلق الذي عبرت عنه إدارة الدفاع الامريكية البنتاغون من المناورات العسكرية الصينية له ما يبرره من وجهة نظرها، فالاستراتيجية الدفاعية الوطنية لأمريكا تعتبر الصين مصدر قلق أمني كبير بالنسبة لها، و على هذا الأساس أرسلت حاملتي الطائرات رونالد ريغان، و يو إس إس نيمتز إلى بحر الصين الجنوبي لإجراء مناورات عسكرية مماثلة حسب ما أعلنت عنه صحيفة وول ستريت جورنال، و إذا كان الهدف المعلن لهذه المناورات من قبل مسؤولي البنتاغون هو إرسال إشارة إلى شركاء بلادهم، بأن أمريكا ملتزمة بأمن و استقرار المنطقة، و عدم إجراء مناورات في المنطقة المتنازع عليها، فإن الحقيقة غير ذلك، فأمريكا تريد متابعة المناورات العسكرية الصينية عن كثب، و إرسال رسالة مماثلة الى بكين تفيدبأن أمريكا حاضرة بقوة لحماية حلفائها، بصرف النظر عن مدى القوة العسكرية الصينية المتنامية، فالأمريكيون يعرفون أن الفجوة العسكرية لازالت في صالحهم، رغم المجهودات التي تبذلها الصين لتقليصها.

كما ان هذه المناورات تأتي في خضم العلاقة المتوترة مع الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية اتهام هذه الأخيرة بنشر وباء كورونا كوفيد 19، و حجب معلومات عن طبيعة الجائحة مما تسبب في حدوث كارثة وبائية حصدت العديد من الأرواح. علاوة على الحروب التجارية المتبادلة بين الطرفين.

و لا يبدو أن قضية النزاع في بحر الصين الجنوبي ستعرف حلولا على المديين المتوسط و البعيد، لعدة أسباب أهمها الصراع بين الدول الإقليمية حول حصة كل واحد منها في البحر، فالصين تصر على أن لها وحدها حق 90 بالمائة منه في حين أن الدول الأخرى و بإيعاز أمريكي تعارض ذلك، أما اللجوء الى خيار المواجهات العسكرية المباشرة، يبقى مستبعدا لأن أي حرب ستكون محفوفة بالمخاطر، و ليست في مصلحة أحد، بل ستهدد الأمن و الاستقرار في المنطقة، كما ان الصين لن تنجر الى أي حرب تجنبا لأي فخ أمريكي قد ينصب لها. حتى لا يؤثر ذلك على خططها المستقبلية لتبوء الزعامة العالمية.

و بناء على ما سبق، فالمناورات العسكرية ستستمر بين القوتين العظميتين، و إرسال الإشارات القوية بينهما، وسيبقى التوتر قائما، مما يعني أن الوضع سيبقى على ما هو عليه في انتظار ما ستسفر عنه الأوضاع الإقليمية و الدولية، و على كل حال، فكل شيء ممكن في السياسة، و لم لا؟ فهي فن الممكن.

2 تعليقان

2 Comments

  1. حسيمي

    5 يوليو، 2020 at 3:55 م

    اتفق مع صاحب المقال سيبقى النزاع قائما بين البلدين تحية للالتببس على مواضيعها الجميلة كهاته

  2. متتبعة

    5 يوليو، 2020 at 4:03 م

    موضوع جيد تطرق له كاتب المقال حاول من خلاله سبر أغوار هذا الصراع

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top