اراء

“كشف الوفاض في ألعاب الواقع و الافتراض”

الحمد لله المنعوت بجميل النعوت و الصفات، القادر على صنع الخوارق و المعجزات و تذليل الحواجز و المعيقات، المُلهِمِ الناسَ بَسْطَ الفُرجة، و إتاحةالفرص لإتيان الألعاب و التّسْليات وغيرها من فنون الاستعراضات.

و بعد، فقد قصدت في هذا الكتاب تدوين ما حصل جمعه، و سهل للقارئ فهمه، و نقده، و إبداء الرأي في تفسير كنهه و جوهره، مما تجمع الخلق من حوله و استقر الجمهور على إتيانه و اعتياده، من ألعاب العقل و فنونه و حيل الذكاء و ضروبه، مما قل الحديث عنه  بين الفقهاء و العلماء و بين العلية من القوم و الدهماء..

و قدآليت على نفسي في هذا المتن الواضح، المستفاد من المراس الطافح،  أن أعرض على الجمهور قواعد لعبة النرد و كيف انتقل وضع اللعب فيه من حال الطبيعة المُشاهده إلى حالة الافتراض المُبتكره، و كيف غدا اللاعب متنكرا بالألقاب و الأسماء بعد أن كان معروفا بين جمهور العامة و كتائب الجُلساء.

روى أبو حسن السماك، ولم يجرِّحْه في ذلك أحد، عن إمامنا الحافظ الشيخ ميمون رضي الله عنه، وهو علم من الأعلام و هرم من الأهرام،و نجمٌ من الرواد الأعلام و علّامةٌ من الأساتذة العظام، تخرج على يديه ثلة من النبهاء كالأستاذ أبي خالد الزيتوني و الدكتور العلامة فاروق الأزغاري ونالوا الإجازة تحت رعايته، (روى) أن “علم بارشي” ظهر أول ما ظهر في طليطلة ببلاد الإسبان، قبل أن يُنشر بغيرها من حواضر قسْطلان، ويذيعَ صيتُه من بعدُ في حواضر بلاد الريف و قبائله، وذلك بعدما لحق كتائب المجاهدين  انهزام و انكسار أمام سلاح الغزاة الجبار، و تحالفهم على إخماد ثورة الأحرار ضد الأشرار، فقد حدث الاتفاق بين رجال التاريخ على أن دخول “النرد” إلى الريف تصادف تاريخا مع نهاية المعارك و الحروب، إذ تفرغ الجمهور للمتعة بعد أن ضاق ذرعا بقعقة الأسلحة، وهكذا انتشرت اللعبة في بلاد الريف، بعد أن كانت على الثغور مقتصرة، مثل سبتة و مليلية، و قد ذاعت اللعبة بدايةً بين ثلة من العوام و البلداء ممن يجهلون علم الحساب أو كان مخهم كمثل الضباب، وذلك قبل أن تكون لعبة بارشي وجهة معلومة و سنة مدروسة، في أرجاء و مناطق كبقيوة و تامسمان، و سبتة و مليلية و “دهار أوباران”، فضلا عن  موقع”أزغار”و قاعدة  “تفنسة” ببلاد الفرسان و مُعظم بقية البلدان.

 و برز فقهاء هذا العلم البديع، في حاضرة شفشاون و تطوان، ممن كانت لهم في معاركها سطوة الخيالة و الفرسان، و في وطيس حروبها هِمَمُ الأبطال و الشُدّان.

و قواعد لعبة النرد، أو بارشي، معلومة لدى العامة قبل الخاصة، رغم اختلافها من جهة إلى ناحية، بصورة لا تُناقض الغاية و لا تُداري المتعة، إذ اختلفت آراء مشايخ اللعبة الكبار، فمنهم من حذا حَذْوَ رواد مدرسة قرطبة، و منهم من انساق رأساً لمدرسة غرناطة، و هذا اختلاف لا يفسد مُتعةَ اللُّعْبة، وهو حاصلٌ في مسائل معدودة و قضايا محدودة. فرأي علماء قرطبة أن لا خروج للوغى إلا بخمسة، و رأوا خيرا في أن تُعدَّ الستةُ بِمَقامِ السّبعة، أما علماء غرناطة في النازلة فقد قالوا بجواز الخروج للمُنازلة ابتداءً ولو دون الخمسة، على أن يراعى شرط الخمسة في بقية إقحام فيالق المعركة.و لشدة ولعهم بالركض و السرعة، ولو دون غاية أو وجهة،ترضيةً لعشقهم الهروبَ من أهوال النقمة، فقد زعموا انتفاء المانع من مضاعفة السرعة و ضرب الاثنتين في الستة، و ذاك حين اكتمال نصاب الكتيبة.

و القواعد المذكورة محترمٌ نفاذها في كل صور اللعب التي حصل الاتفاق بشأنها، فهي سارية في حال تحالف الإثنين ضد الاثنين، فالواحد يختار لونه و يتخذ مجلسه، و هي نافذة  تمام النفاذ كذلك في أحوال اللعب المُخالفة و أشهرُ هذه الأحوال حالة “علال” المعروفة، حيث يعمد الأربعة إلى التحالف بُرْهة قبل نقضه في التو و اللحظة، فالأمان بينهم في مقام المنعدم، و القاتل في حكم الرابح لأنه حاسب العواشر والعشرينات و متجاوز العقبات تلو الدرجات.

وبمرور الحقب و الأزمان، تفطن  إلى متعة البارشي علماء من الإسبان و نظراء لهم من الأمريكان، فبادروا بصناعة تطبيقات ذكية تكون على الهواتف المحمولة و تُغني صاحبَها عن ارتياد المقاهي لإتيان اللعبة، إذ يكفي في الأمر الاتصال بالشبكة العنكبوتية والانخراط في اللعبة وفق القواعد المعروفة و الأدوات المعلومة، غير أن الأمر يختلف في نقطة واحدة هي إضافة نرْدٍ ثانٍ بدل الواحد حتى تُنال المطالب و المقاصد.

وبفضل من علوم التقنيات و مبادئ الرياضيات في هذه التطبيقات الذكية، قد انتهى الأمر إلى تقنين في الضوابط و إبداع في الروابط، إذ صار تطبيق القواعد في منتهى الصرامة،و فتح الحواجز في مقام الإجباري و إجراؤه مباشر وآلي، سواء أكان الرقم المضاعف واحدا أو ستة، و في حال تعدد الحواجز، يخير اللاعب بين فتح حاجز أو آخر نظيرِه.

و إذا كان بارشي في صيغته المائدية مسرحا للأفاكين و المتحايلين، كما هو شأن “الأصلع الفطين”، فإن الغش في التطبيق الافتراضي أمر مستحيل، و أتيانه محض تطبيل،  لكنه مع ذلك مقنن بقواعد آلية و أدوات مضبوطة، أولها أن تكون قفتك ب”الخايماس” مملوءة، و أن لا تكرر التبديل في المقابلة أكثر من ثلاثة، وهذا دليل على البراعة و تنظيمٌ غايةً في الملاءمة.

نسأل الله العافية من شرور القتال ونحمدهُ و نُجِلُّه، في أوقات السلم و العِراك إنه هو العالم بما يرد، وآخر دعوانا أن الحمد لله في كل معركة و مقابلة إنك أنت السميع المجيب.

ذ. محمد العطلاتي

Click to comment

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top