قضايا دولية

هل يفعلها ترامب و يعلن الحرب على الصين ؟

خالد البوهالي

باحث في الشؤون الدولية

كلما اقترب موعد الاستحقاقات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا و يتملك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سُعار الصين، لأن الأحداث الأخيرة حملت تطورات خطيرة في العلاقات الأمريكية – الصينية، و قد تشهد الأيام القادمة مزيدا منها، مما تجعل الاستقرار الدولي على كف عفريت،و لا يحتمل اهتزازات أخرى.

لا أحد يجادل في أن هذا التصعيد الأمريكي ضد الصين يأتي في سياق الأزمات التي تعيشهاأمريكا على جميع الأصعدة داخليا، و الفشل الذريع الذي تواجهه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في علاجها. و لصرف الأنظار عن عجزها، اختارت إدارة ترامب لغة التصعيد ضد الصين، في محاولة التنفيس عنها،بدءا باتهام هذه الأخيرة بسرقة الأبحاث المتعلقة بفيروس كورونا، إلى منع أعضاء في الحزب الشيوعي الصيني البالغ عددهم 90 مليون عضو من دخول التراب الأمريكي.

و لعل أخطر إجراء قامت به أمريكا، هو إغلاق القنصلية العامة الصينية بهيوستن بولاية تكساس الامريكية، بذريعة حماية الملكية الفكرية الأمريكية ومعلومات الأمريكيين الخاصة!!!إضافة الى انتهاك الصين للمادة 55 لاتفاقية فيينا المتعلقة بالعلاقات القنصلية،حسب ادعاء المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الامريكية مورغان أورتاغوس.

فضلا عن هذا الإجراء، قامت الأجهزة الأمنية– جهاز إنفاذ القانون – بملاحقة الطلاب الصينيين البالغ عددهم حوالي 360 ألف طالب و مصادرة أجهزتهم، و وصل الأمر الى احتجازهم دون أسباب. في مشهد يذكرنا بحادث مماثل، عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية باحتجاز المواطنين اليابانيين المقيمين على أراضيها، لأن هاته الإجراءات و غيرها لا يمكن تفسيرها الا في سياق واحد، هو أنها إعلان حرب فهل يفعلها ترامب و يعلن الحرب على الصين؟

ترامب يدرك ان سياساته تجاه الصين الرامية الى إخضاعها قد فشلت، مثلما فشلت سياساته تجاه دول أخرى، و أن الصين أضحت رقما صعبا في المعادلة السياسية الدولية، إلى جانب روسيا، بمعنى آخر أن التفرد الأمريكي بقيادة العالم أصبح شيئا من الماضي،لكن قصر نظر الساسة الأمريكيين علاوة على غرورهم، تجعلهم لا يدركون هذا المنحى الجديد على الساحة الدولية، فالعلاقات الدولية دائمة التغير و لا تتبث على حال.

إن سياسة العقوبات ضد الصين لم تجد نفعا، لذا لم يتبق أمام أمريكا من خيار في مواجهة الصين سوى اللجوء الى التهديد بالحرب، فوزير الدفاع الأمريكي مارك أسبر،أعلن أن بلاده تعد العدة لمواجهة محتملة مع الصين في بحر الصين الجنوبي،و ذلك بحشد قواتها هناك، بدعوى تهديد الصين للملاحة في هذا البحر.

هذا المشهد يعود بنا الى سنة 1996، عندما أمر الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون بنشر مجموعتي حاملات الطائرات في مضيق تايوان.على خلفية التوترات بين بكين و نظام تايبيه في تايوان،لكن أحداث 1996 تختلف عن وقتنا الحالي فالصينيون منذ ذلك الوقت و هم يعملون على تحديث قطعاتهم العسكرية و فق استراتيجية علمية مدروسة، تستند في مرجعيتها الى الكتاب الأبيض الذي أصدرته عام 2019 الذي يحدد السياسة الدفاعية للصين، و التي جعلت من بين أهدافها ضمان حقوق ومصالح الصين البحرية.

فالصينيون يعلمون أن أيسيطرة على بحر الصين الجنوبي لا يمكن أن تتم إلا بتواجد أسطول بحري ضخم قوي و فعال، ، فحسب نظرية ماهانإن السيطرة على طرق الملاحة يتطلب قوة بحرية ضخمة تسمح بالتحكم في التجارة الدولية زمني الحرب و السلم، لذا عملت على توسيع أسطولها الحربي البحري حتى يمكنها مجاراة أمريكا  في هذا المجال.

لا شك، أنه إذا شنت أمريكا الحرب على الصين، ستهز حتما الاستقرار الإقليمي بالمنطقة، و تدخل العالم في أزمات اقتصادية، فآسيا قلب العالم، و لن يكون بمقدور هذا الأخير تحمل مزيد من الهزات، فأزمة كورونا عصفت باقتصاديات الدول القوية، و الضعيفة على حد سواء، و قد تفرز الحرب قوى جديدة تتحين الفرصة للانقضاض على زعامة العالم كما ان الصين لن تقف مكتوفة الأيدي، و سترد بعنف إن هوجمت، فهي ليست العراق أو أفغانستان. إضافة الى استثارة الشعور القومي لدى الشعب الصيني الضاربة حضارته أطناب التاريخ، و لن يتردد في التطوع للدفاع عن وطنه.

للأسف، النخبة السياسية الأمريكية تفتقدالى الواقعية في نظرتها للعالم،و في تعاملها مع المستجدات التي يفرضها الواقع الدولي الحالي، و بدل التعامل مع هذا الواقع ببراغماتية، أو الانخراط في هذه الدينامية الجديدة التي يعرفها المسرح الدولي، تجدها تتعامل معه بمنطق الاستعلاء، و التجاهل. لأن في مخيلتهم أنهم لازالوا أسياد هذا العالم الوحيدون، يقررون في مصيره وفقا لأجنداتهم الخاصة.

ختاما، نعرف جيدا ان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخص أرعن و نَزِق، يفتقد الى الحكمة و بعد النظر، و قد لا يتردد في إشعال الحرائق، في محاولة منه لرفع شعبيته المتدنية، على بعد أشهر معدودات من الاستحقاقات الرئاسية، فالانتقادات تحاصره من كل جانب و حتى الحزب الجمهوري الذي ينتمي له بدأ يفقد دعمه له. لكن هذه الحرائق لا تلبث أن ترتد عليه و على بلاده، لأن الحرب إذا اشتعل أَوَارُها فمن الصعب وقفها، و عندها سيندم الأمريكيون على أنهم انتخبوا رئيسا كترامب لبلادهمأو لربما ندموا فعلا.

Click to comment

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top