تمازيغت

مقارنات أثرية :المسلات الجنائزية مدافن سكان شمال المغرب القديم ، «دولمنات» ”قلعية” نموذجا…..

بحث جمال بوطيبي

تقديم:

سمحت لنا المعطيات الإناسية واللغوية والطقوس والتقاليد  بالتعرف على معتقدات المغاربة القدماء ،والتي تمكننا الأبحاث العلمية دراسة أقوام سالفة  تحدد فتراتها حسب المصادر والمراجع إلى قبيل التاريخ و إلى مابعده، ومانهجه علماء الأركلوجيا وعلم الآثار والتنقيب على مزيد من الإكتشافات الاثرية لمدن ومدافن قديمة ودائما تجدد إيضاحات ومعلومات علماء الآثار إلى جانب قراءات المصادر القديمة، وإن علم الآثار شحيح بشمال افريقيا والذي يتضمن التمثيل والتنقيب بتلك المدافن والمقابر القديمة ولحسن الحظ أن المغرب الكبير يتضمن في  العديد من تلك المدافن التي ظلت مقدسة حتى بعد الإسلام والتي تعود حسب المؤرخين الى العصور الحجرية وساهم الإنتقال بحفظ هذه المآثر التاريخية القديمة.

– مقارنات: العصور الميغاليتية لما قبل التاريخ

من المعالم المنتشرة بشمال المغرب القديم كمقبرة «عين الدالية» طنجة ومدافن ميغاليتية ب «المرس» التي تعود إلى فترات متأخرة من التاريخ من ضمن المعالم تحتمل إقامة طقوس جنائزية مدفنية، وعلاوة على النصب الدائري الحجري ب«مزورة »بين العرائش واصيلا والتي يتكون الموقع الأثري على قبر «تلي/tertre» يحيطه 167 حجرا كبيرة الحجم ومنضدية الشكل بعضها ذو مقطع دائري وبعضها مقطع بيضوي الشكل، نصبت كلها في تموضع دائري ينتصب كبيرهم بعلو أربعة أمتار وعشرين سنتمتر، ويبدو هذين الأخيرين كانت لهما وظيفة شاغرة لم يهتد الباحثين إلى تحديد وظيفتهما .أما القبر التلي الذي يصل قطره الى 58 مترا ويفوق علوه 6 أمتار وتتموضع باعلى القبر الهرمي ثلاث صفائح حجرية مركزة بالتراب وظيفتها ضبط الحدود المجال الجنائزي فيما يبدو.ومن المفارقات المرتبطة بهذه المعلمة الأركلوجية أي القبر التلي والدائرة الحجرية التي يعود تشييدها في فترة زمنية قديمة ومعينة إعتمادا على القبور الرجمية الحجرية «tumuli» الموجودة بالغرب المغربي، يتبين قبل القرن السابع قبل الميلاد، وأما فترة الدائرة الحجرية فيذهب جل الدارسين إلى أنها منشئات الفترة الواقعة بين الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد أي 4000 سنة قبل الميلاد، وأنها تعود إلى فترات العصر البرونزي الأطلنتي، وما يعزز هذا الطرح، أن «وتد مزورة» يشبه إلى حد بعيد تلك المعالم الميغاليتية التي توجد في منطقة «ألنتنجو Alentejo» والگارفي، غربي البرتغال، سواء من حيث الشكل المعماري أو التقنيات التي أعتمدت عليها قطع الأحجار الضخمة..

وبازينا «الگور»ناحية مكناس، تخص أيضا جانب من الطقوس والممارسات الجنائزية القديمة رغم الاختلاف في الدفن الهرمي بين المدن والبوادي في ظل وضعية الدفن «القرفصاء» أو عل الجانب كان شائعا فترة إلى القرن الثالث قبل الميلاد تم اكتشاف نموذج يعود إلى فترة «الترميد»  وموقع «مغوغة» الصغيرة بطنجة، ومن ضمن المعالم مدفن «الگور»بمكناس مستمدة من التطابق الشكلي لمقابر «البازينات» وهي معالم دائرية مثل معلمة «الگور» بمكناس والتي رجح المؤرخين أن تعود لملك موري أو گيتولي نظرا لضخامتها وطابعها المتفرد.

انظر كتاب «موجز تاريخ المغرب» إشراف وتقديم محمد القبلي، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، صفحات 33-34-53-54.

الرجوم المدفنية والإستشفاء 

تعد هذه المواقع الأثرية كأماكن مقدسة في مخيلة الموروث الشعبي لسكان البوادي المحاذية  لهذه الأماكن سواء كان مغارة أو كوم أحجار  كموضع إستشفاء والذي يتواجد ذكره في كل قرية أو مدينة بإسم (أمرابض) ⴰⵎⵔⴰⴱⴰⴹ ⵜⴰⵎⵣⵔⵉⵏⵜ الولي.

وضمن هذا البحث موضع الكشف عن أنصاب من نوع «دولمن» و للاسف تعرض للنهب والسلب من قبل مستهدفي مايعرف صيادي الكنوز وقراصنة هذه الأماكن الأثرية كما لاحظنا موضع «بوغافر» اذ تتواجد حجرة مربعة في مركزها رسم دائري والتي كان الموضع مكان مقدس في القرن الماضي اذ يحكي أحد قدماء أغيل أمدغار   ولد عام 1922  يعد أقدم معمري المنطقة الذي تناول في حديثه عن الموضع المقدس الذي كان يسمى «سيذي سامح» أو «رالامطلوقة» إسم أطلق  على ينبوع ماء بجانب  الموضع المقدس الذي كان بنائه دائري في أوائل القرن الماضي وكان النوم والرقود به بمثابة وصفة علاجية للمرضى، ومنذ صباه وهو يؤرخ أمه قصدت به هذا الموضع قصد الإستشفاء من الأرق  لينام داخلها عدة مرات قصد العلاج.

“إشاشار” ” ثمرابضين ⴰⵎⵔⴰⴱⴰⴹⴰⵛⴰⵛⵓⵔ” “الجثوات ذات المصليات”

تتأصل هذه الطقوس والعادات عند المغاربة القدماء وخاصة ما يسمى التعبد المقابري أو المكرسة بوجه خاص منذ فجر التاريخ وهي فيما يبدو ممارسة الحضانة ” الجثوات ذات المصليات” وقد سبق« للمؤرخ اليوناني هيرودوت» ان ذكر وجودها عند الرحل البربر في الصحراء ولاتزال لها وجود حتى اليوم لدى الطوارق .

وهي ممارسة كانت تقضي بالنوم في مكان العبادة او قريب منه للحصول على طريق الحلم

√انظر : غابرييل كامب «البربر ذاكرة وهوية» ترجمة عبد الرحيم حزل صفحة.121.»»»»

قول هيرودوت، إن الليبيين كانوا يضعون أيديهم على قبور أولئك الذين عرف عنهم العدل والخلق الرفيع، فيقسمون بأضرحتهم. أما عن إستطلاع الغيب فإنهم يذهبون إلى مقابر أسلافهم، وبعد أداء الصلوات ينامون فوقها، وأي حلم يتراءى لهم في النوم، يعتبر بمثابة وحي أنزل عليهم يجب عليهم تنفيذه. وكانوا يعطون المواثيق والعهود بأن يشرب الواحد منهم من يد الآخر.

وعلى هذه العبادة السحرية المتأصلة والمتواترة كتب «بومبينوس» ” أنه في أوجلة تعتبر أرواح الأسلاف بمثابة آلهة. إذ أنهم يقسمون بها ويستشيرونها في أمورهم ثم ينامون ليتلقوا الإجابات في شكل أحلام.

لم يغفل هيرودت الذي يرجع الفضل إليه بامداد الكتب التاريخية بأحداث ليبيا القديمة، حيث يروي لنا في «الكتاب الرابع» في إطار الحديث عن قبيلة «الناسمون»الامازيغية : ما يلي:

يقسمون برجال منهم عرف عنهم الورع والشجاعة في حياتهم، بعدما يضعون أيديهم على قبورهم وهم يتعبدون بزيارة ” القبور التلية ”              «ⴰⵛⴰⵛⵓⵔ»إشاشار”  لأسلافهم، ويستلقون فوقها بعد الصلاة ويتقبلون كل ما سيرونه في منامهم.

إلى يومنا هذا لايزال البربر يقدسون قبور الأولياء في شمال إفريقيا خاصة في المغرب، البلد الذي يسمى أحيانا ببلد ألف ضريح وضريح، بحيث انه لا تكاد تخلو أي قرية من ضريح يقدسه سكانها حتى بعض المدن سميت نسبة إليها كالمدن التي تبدأ بإسم «أمرابض ثمزورث» ويعرف الولي أو القديس عند الغرب وهو الإسم الأمازيغي القديم الذي حوره الغرب في لغاتهم بنفس: مرابوط (Marbout) وارخ في كتاب «فتح الاندلس»«طارق بن زياد»لمؤلفه اللبناني «جرجي زيدان» صفحة 203» إذ يقول : وكان جماعة من البربر «الأمازيغ» في المغرب يعبدون الأوثان إلا بعض من خالط الروم على شواطئ البحر فانهم إعتنقوا النصرانية وهم قلة، وكان لكل قبيلة أصنام وعبادات وكهنة يدبرون شئونها ويتولون الأحكام بين أهلها، ويحلون المشاكل التي تقع فيها كما كان يفعل العرب في الجاهلية  غير أن الكاهن عند البربرة كان يسمى «مرابوط» «Marabout»   فياتون إليه للإستشارة في حرب أو سلم ويحملون إليه الهدايا من الماشية أو الحنطة.

إلى جانب تقديس الأولياء عبد الأمازيغ ملوكهم ولربما أعتبروهم «أنصاف آلهة«Demi-gods» كما كانت الأضرحة الملكية أبرز المعالم المعمارية الجنائزية كما دلت عليها الآثار المعمارية لزعماء نوميديا بالجزائر وانصاب ودلمن «مزورة» والموضع حسب المؤرخين أنه كان مكان إستراحة للبطل المغربي القديم الذي صارع «هيرقل» المعروف بالأسطورة الأمازيغية بإسم «أنتايوس».

وتلك الأماكن المقدسة تسمى  الرجم باستثناء الدلمونات فهي محدودة وذات اصول إفريقية متوسطية حيث ينعدم وجودها في الأماكن الصحراوية ولا في جزء المغرب الكبير وهذا ماينفرد اكتشافها  قرب السواحل البحرية مما يدل أن تلك الأماكن كان لها إرتباطات  متطورة ومنفتحة على العالم الخارجي للحوض المتوسطي وبكون تلك المدافن البسيطة التي ليس لها إلا ممر رمزي من دون غطاء وهذا مايدل عليه الموضعين الذين تم الكشف عنهم ب«قلعية » وقد يحتاج تعميق البحث حول أصولهم وهويتهم التاريخية  إلى علماء متخصصون في التنقيب والتأريخ. ( أنظر الصور المرفقة )

وأما الأنصاب الحجرية أو المسلات المقدسة أو الشواهد الرمزية التي تقودنا الى ازمنة بعيدة وديانات بداىية تتصف بالتعقيد بحجراتها المتعددة ومقصورات مخصصة للتعبد بهذه المغارات ورجحوها الى الفترات أو الحقبات الراجعة لماقبيل التاريخ إهتم الباحثون وعلماء الآثار بالحضارة القروية البربرية التي كان لها وجود منذ العهد القديم كما تؤشر

وتتضح لنا  من خلال التنقيبات الأركيولوجية المرتبطة بالمدافن الجنائزية توحي أن أسلافنا  قد آمنوا بحياة أخرى بعد الموت. يومها كان الإنسان الشمال افريقي يدفن موتاه في حفر صغيرة، غير أنه أدرك في ما بعد أن تلك الجثث تصبح هدفا للحيوانات المفترسة وليتفادى ذلك قام بدفنها في حفر أعمق كما قام بدفنها في الصخور والقبور الدائرية وفي قبور تشبه التلال كما هو الشأن في قبر «تين حينان». الى جانب ذلك كان أسلاف البربر يدفنون موتاهم في قبور هرمية وهو تقليد قديم يعتقد الأستاذ محمد شفيق أنه يسبق تقليد الأهرامات في مصر. عرفت تلك القبور تطورات عدة بحيث أصبحت الأضرحة الملكية تتميز بالضخامة وشكلها الجميل، وهو ما يتجلى في الهرم النوميدي الذي بلغ ارتفاعه تسعة عشر مترا وكذا الضريح الموريتاني الذي بلغ إرتفاعه ثلاثين مترا،

وتتنوع تلك المدافن الجنائزية القديمة حسب نوعية المنطقة وتطورها وانفتاح اهلها على الحضارة  ولقد حافظت عليها الانتروبولوجيا وعلم الاعراف والتقاليد والطقوس التي لازالت ينظر اليها بعين التقديس والاحترام التي تبدوا فيها الممارسات الطقسية او مواضع الدفن الخاص او المقدس في القديم وخاصة كما ذكر ”غابرييل كامب ” حول تلك الممارسات الموضعية انها كانت مخصصة للدفن الجماعي او المتعدد وتقتضي بزائريها النوم فيها أو قريب منها أو شد مفاتل أو خرق أو التمسح عليها أو شرب ترابها كانت ولازالت وصفات علاجية حافظت عليها العادات والمصادفات والفأل الحسن بزيارتها ونتائجها تاتي عن طريق الحلم او الرئيا وقد ذكر وأشار الى هذا المؤرخ اليوناني ”هيرودوت” وخصها بتقديس مقابر اسلاف الأمازيغ .

واما في العهد الموري والنوميدي فلقد ذكرت معظم المصادر والكتب التاريخية لعلماء آثار وباحثيين حول رفع المور زعمائهم إلى مصاف الآلهة وقدسوا مراقدهم سواءا كانوا زعماء إقليميين أو قبليين أو مقاومين ويغلب على الظن أن هؤلاء الأشخاص الذين تعبدوا بهم وقدسوهم كانت لهم رمزية وقدسية دينبة وقومية دنيوية قبل ان يقدسوا ويقدروا بين افراد المناطق والقبائل ويظهر أن هذه اللبوس الدينية كانت وراء التقديس والتعبد بمراقدهم والتي  تطرقت اليها «طرتوليانtertullien»

في مجموعة من الكتابات القديمة  حيث ذكر مصدر  عن الهة بعض الأقاليم أنه اذا كانت لسوريا الالاهة عشتار ولافريقيا «كايلستيس» فان للمور ملوكهم ويقول في هذا السياق «ميونوكيوس فليكس» يتخيلون أي المور عن ملوكهم بعد موتهم يصبحون الهة.

وهكذا اصبح الزعيم الموري ”يوبا” بارادة الموريين الاها واشار ايضا ”برودونس” بين سنتي 348-415 ميلاد، أن تقديس المور أهالي «تنجي»«طنجة» للملوك كما ورد في نقيشة عثر عليها بموريتانيا السطيفية إلى حمل  إسم «يوبا» ولكن لم يعرف دلالة الإسم وتعلقه هل بالزعيم الموري «يوبا» المؤله بعد موته أو بإله لاعلاقة له بالملك.

المصادر:

✓ كتاب «موجز تاريخ المغرب» إشراف وتقديم محمد القبلي، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، صفحات 33-34-53-54.

✓غابرييل كامب ”البربر ذاكرة وهوية” ترجمة عبد الرحيم حزل صفحة.121

✓عبد العزيز اكرير تاريخ المغرب قبل الاسلام م.س.صفحة 107.

✓عبد العزيز اكرير تاريخ المغرب القديم من الملك يوبا الثاني الى مجيئ الاسلام صفحات 276-277.

✓فتح الاندلس” طارق بن زياد لمؤلفه اللبناني ”جرجي زيدان صفحة 203

✓-Camps;G. ;Aux origins de la berberie ;Massinissa…;op.cit. ;pp.283-284.

✓-Tertullien; Apologeticus;24;apud. Camps;G. ;ibid;.p.281.

✓Minusius Felix Octavius ;21;9; apud. ✓Camps;G. ;ibid;.p.281.

✓-Ghazi-Ben Maissa Le culte royal en Afrique mineure antique …;op.cit. ;p.28.

✓- Camps;G. ;Qui sont les Dii mauri?… op.cit.p.140;Coltelloni-Trannoy ;M. ;juba.. ; op.cit;pp.3914-3938.

✓-Plutarque; Sertorius ;9-10.

✓-Pline; V;2-3;Mela 1,5; Plutarque ; Sertorius;IX,6-9.

✓-Ghazi-Ben Maissa . ;ibid;.pp.30-32.

-Camps;G Le Gour.. …;op.cit. ;p.207;Id .Rex gentium.. ; op.cit;pp;-213-214.

✓- Camps;G.. ;Qui sont les Dii mauri?… op.cit.p.134.

✓-Lenoir; M. ; Inscriptions nouvelles de Volubilis.. ; op.cit.p.195;Brahmi;N.; Volubilis.. ; op cit;pp;296-298.

✓-Lenoir; M. ;Lixus a l’époque romain. Dans Lixus ; op cit;p.284.

-Id. ;ibid;p.284-286.

 

 

Click to comment

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top