اراء

الهشاشة الاجتماعية والمثقف العضوي

اذا اتفقنا مع كيلنر على فكرة أن الاضطهاد يمارس في مجالات مختلفة، و بطرق شتى، كان من الواجب البحث عن وسائل مختلفة للتصدي لهذا الاضطهاد، و هذا الحيف الممارس على الطبقات الدنيا من المجتمع، من موظفين، و خصوصا المتذيلين لسلم الاجور، و عمال، و خاصة المياومين، و فلاحين، و بشكل خاص المعيشيين، و باعة متجولين، و عاطلين عن العمل، الاضطهاد هذا، اهو مقصود ام غير مقصود، اهو ممنهج ام عفوي، تلك اسئلة اخرى ليس من الضروري الخوض فيها، بقدر ما هو ضروري معرفة كيف يمكن الضغط على من يمارس هذا الاضطهاد و تقزيم صلاحياته، و ثنيه عن فعله المشين هذا، و بالتالي تحسين اوضاع هذه الطبقات الدنيا و الهشة، و قبل ذلك يجب معرفة مالذي دفع بفعل الاضطهاد هذا الى مزيد من التراكم؟ هل هذه الطبقات لا تعي انها مضطهدة؟ أم انها تكيفت مع الاضطهاد و الحيف؟ فاذا كان المشكل يتعلق بالوعي فمن يتحمل مسؤولية ذلك؟ و اذا كان هناك تكيف مع الوضع فمن كرس ذلك؟
في محاولتنا الجواب على هذه الاسئلة سنظطر للتفكير مع غرامشي حول ما يسميه بالمثقف العضوي، ذلك المثقف الذي يزود طبقته الاجتماعية بوظيفتها الخاصة، اقتصاديا، اجتماعيا، و سياسيا، هو ضميرها الانساني، الذي يدافع عن العدالة، الحرية، و تحسين الاوضاع الاجتماعية، بتعبير غرامشي، وان كان غرامشي يلقي على عاتق هذا المثقف تحقيق اديولوجيا خاصة بفئته الاجتماعية، الا ان هذه الفكرة عليها ان ترمى في سلة المهملات، اذ عليه ان يتجاوز الاديولوجيا، تفاديا للانقسام، والا ينحاز الى الجماهير متى اختارت الفوضوية ، بل عليه ان يؤثر فيها، و ان يؤطرها و ينظمها، و ان يتقصى اثر الحقيقة اينما حلت و ارتحلت، اذن فمثقف عضوي بمفهوم اشمل من مفهوم غرامشي، من الضروري أن يبادر الى ابراز مظاهر الاضطهاد و الحيف، و ايجاد السبل لرفعه، او على الاقل تقزيمه و تقليصه، مما قد يتيح فرصة لطبقته الهشة لتحسين اوضاعها الاجتماعية، فلا بد له من ايجاد منصة لتوجيه النقد، لمن يمارس فعل الاضطهاد، و ستكون هذه المنصة تدخل في ما يسميه هابرماس بالحيز العام، و ان كان مفهوم الحيز العام لدى هابرماس أشمل و اوسع من كونه يختزل في مؤسسة معينة، او منصة معينة، الا انه ان كان النقد جديا، و النقاش هادفا، ( بين المثقفين العضويين، و تفاعل الرأي العام مع ذلك) فان منصة وحدة، او مؤسسة وحيدة قد تكون فعالة في فرض مجموعة من الاجراءات، و تغيير مجموعة من القوانين، التي تساهم في تكريس مظاهر الحيف و الاضطهاد لدى الطبقات الهشة، و تساهم ايضا في ترف و اغناء طبقات اخرى من نفس المجتمع، و هذا الحيز العام مكون اساسي من مكونات الديموقراطية حسب هابرماس، ففي الدول الديمقراطية تضطر الحكومات لتغيير سياسات معينة بسبب ما يفرضه عليها الحيز العام من نقد و رفض لذلك. نجد من الباحثين الغربين من يعتبر بعض منصات التواصل الاجتماعي حيزا عاما، على سبيل المثال الباحثثين الامريكيتين، Edgerly Stephanie ايدجيرلي ستيفاني، وVraga Emily فراكا اميلي، (الاولى عن جامعة نورث ويسترن Northwestern ، و الثانية عن جامعة مينوسوتا Minnesota)، اذ تريان انه يمكن ادخال موقع يوتوب YouTube، ضمن منصات الحيز العام، اذ تم استغلال المسألة بشكل لائق، لكن اذا شاطرناهما الرأي، و نظرنا الى كيفية استعمال المغاربة لمنصة يوتوب، نجد ان الامر كارثي جدا، فأحسن قنوات المغاربة، ( في الغالب) على منصة يوتوب تناقش الطبخ و الرياضة و اخبارها، و اوسطها تتحدث عن التداوي بالاعشاب ، و أسوأها قنوات “روتينهم اليومي”، هنا سنرجع الى مسألة التكيف مع الاضطهاد، فأن يلجأ الناس الى التفاهة، و الانحلال الاخلاقي، و يجعلون من ذلك مصدرا لجمع دريهمات معدودة، قد تعود بها عليهم قنواتهم التافهة على يوتوب، فذلك تكيف مع واقعهم البئيس، يرافقه شلل وموت فكريين، فقد لا نخطأ اذا استعملنا مفهوم صناعة الثقافة، الذي صاغه كل من هوركهايمر و ادورنو، فثقافة التفسخ و الانحلال الاخلاقي، دخيلة على مجتمعاتنا، لكنها تكرست بفعل البرامج و المسلسلات المدبلجة ، التي لا تمثل حتى ثقافة المجتمعات التي انتجتها، ما خلق لدى الناس امراض نفسية من الصعب علاجها، و ليس حاجات نفسية فقط كما قال هوركهايمر.. اذن السبيل الوحيد لمواجهة هذه الثقافة المصطنعة، هو تظافر جهود المثقفين العضويين، و استغلالهم لمنصات الحيز العام، من اجل فرض مجموعة من القيود، و القوانين، على بعض المؤسسات الاعلامية التي تصنع هذه الثقافة السلبية، بل و التأثير في كل المؤسسات التي تتحمل على عاتقها الاوضاع الاجتماعية الهشة للطبقات الدنيا….
محمد العسراوي

 

Click to comment

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top