قضايا دولية

لماذا تلومون إيران و تنسون أنفسكم ؟

بقلم : خالد البوهالي

يكثر اللغط و التنديد في الدول العربية بالتواجد الإيراني في العراق، و سورية، و لبنان،  و الترويج لهعبر وسائل الاعلام و مواقع التواصل الاجتماعي، على أنه احتلال لهاته الدول وانتهاك لسيادتها مع التحذير من مغبة التمدد الشيعي، و خطره على  المنطقة و أهل السنة على وجه الخصوص.

 كلنا نعرف أن الصراع السني الشيعي ليس وليد الحاضر، فقد أتى في سياق سياسي و تاريخي الكل يعرف تفاصيله، و امتداداته و تداعياته لازالت قائمة الى يومنا هذا، لكن في نفس الوقت يحق لنا أن نتساءل لماذا يلومون إيران على تمددها في منطقة الشرق الأوسط و ينسون أنفسهم؟

عندما كان عراق صدام حسين يحارب إيران في ثمانينيات القرن الماضي نيابة عن دول الجوار لاحتواء المد الشيعي، كان العرب يطلقون على العراق بحارس البوابة الشرقية، و يهللون للقوات العراقية كلما حققت نصرا في إحدى معاركها ضد القوات الإيرانية، و اعتبرت وسائل الإعلام في تلك الدول حينها أن العراق في موقع دفاع عن النفس من العدوان الإيراني.

و بعد دخول العراق الى الكويت، انقلبت الآية فتحول العراق من معتدى عليه الى معتد أثيم في حق إيران. وأنه أشد خطرا من ايران و حتى إسرائيل، و  تحول العداء لإيران الى صداقة- طبعا فالسياسة ليس فيها عداوة دائمة –  عملا بمبدأ عدو عدوي صديقي ، لدرجة أن برلمانياعربيا صرح لإحدى القنوات العربية قبل غزو العراق، أن صدام حسين هو السبب لأنه أفقدنا حليفا مثل إيران!.

ساهم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، في تثيبت أقدام إيران بالعراق من خلال الأحزاب الشيعية                       و المليشيات الموالية لها هناك، خصوصا مع تبني نظام المحاصصة الطائفية الذي تبناه الحاكم الأمريكي بول بريمر، لينقلب الموقف مرة أخرى الى العداء، بدأ التباكي على العراق و سقوطه في أحضان إيران الشيعية وتصاعدت الحملات الإعلامية و الديبلوماسية ضد إيران  و شيطنتها.

و ما يسري على العراق يسري على سوريا، فعندما اندلع ما سمي بالربيع العربي في سورية، هبت دول المنطقة الى نصرة إخوانهم السوريين على حد زعمها من جبروت و طغيان الرئيس السوري بشار الأسد، عبر مد التنظيمات المعارضة له بكل أشكال الدعم اللوجيستي، و الإعلامي، و الديبلوماسي، رغم أن سوريا كانت من بين الدول التي أدانت دخول العراق للكويت، بل و شاركت ضمن التحالف الدولي لإخراج القوات العراقية منه، كما أيدت سورية إيران في حربها مع العراق، رغم القواسم الأيديولوجية  التي تجمع بين البلدين المتمثلة في حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أسسه ميشيل عفلق.

القيادة الإيرانية بدهائها، و فهمها الدقيق لمسارات الأحداث، كانت تدرك أن المنطقة مقبلة على عدة متغيرات إقليمية ستكون لصالحها، و المسألة مسألة وقت فقط، لتثبيت وجودها في منطقة الشرق الأوسط، و إحياء شعار الطريق نحو القدس يمر عبر بغداد وفقا لأدبيات مرشد الثورة و زعيمها الراحل آية الله الامام الخميني، خاصة و أن العراق في تلك الفترة منهك جراء سنين من الحصار و التجويع، الذي تعرض له، وساهم فيه العرب بوعي أو بغير وعي.

تدمير العراق وسوريا مخطط معد له سلفا، و قد نشرت مجلة كيفونيم الصهيونية التي تصدرها المستوطنات الصهيونية في الأراضي المحتلة عام 1982 مقالا تضع فيه التصورات التي يجب أن تكون عليها المنطقة في  غضون العشرين سنة القادمة، غير أن العرب لم ينتبهوا لهذا المخطط و أبعاده، فانخرطوا بكل حماسة في تدمير هذين البلدين العريقين،

إذن يتبين أن سوء التقديرفي الحسابات السياسية للعرب وغياب رؤيا سياسية و استراتيجية واضحة المعالم والأهداف، هي السبب المباشر في التمدد الإيراني في المنطقة، مما أوصل المنطقة إلى ما هي عليه اليوم من فوضى  و إرهاب، دون نسيان السياسات الخبيثة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

الكلام الذي يردده الكثيرون، من أن إيران على علاقة سرية مع إسرائيل و أمريكا، و تنفذ مخططاتهما في المنطقة، على فرض صحته، سيصبح مجرد هرطقة لا طائل منها، بعد أن بدأت بعض دول المنطقة الهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل، مما قد يؤدي بقسم كبير من الشعوب الإسلامية الى الالتفاف حول إيران و اعتبارها منقذتهم من المخططات الصهيونية في بلدانهم، بصرف النظر عن نوايا إيران المعلنة وغير المعلنة.

لقد أساء العرب تقدير الأمور، عندما ظنوا أن بسقوط العراق و سوريا، ستصبح المنطقة أكثر أمانا، و نسوا أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لجعل إسرائيل القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، تمهيدا لتحقيق نبوءاتها التوراتية المزعومة المتعلقة بحلم إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

تحضرني هنا نبوءة للفريق الركن سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة المصرية الراحل رحمه الله، حين ذكرها في كتابه الحرب الصليبية الثامنة العدوان على العراق، عندما قال إذا دمر العراق فستتبعه سورية و بعدها إيران عملا  بالمَثَل القائل أكلت يوم أُكِلَ الثور الأبيض.

خلاصة القول، أي دولة في العالم تسعى الى استثمار الأوضاع الإقليمية لصالحها، ولما لا توسيع مجالها الحيوي إذا أمكنها، فالسياسة تنبني على المصالح، و إيران استغلت الأوضاع و القراءة الخاطئة للتحولات الإقليمية و الدولية من لدن العرب استغلالا جيدا، فعززت من نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، و مع مسلسل التطبيع الذي بدأه العرب مع إسرائيل ستدعم وجودها أكثر، لذا لا تلوموا إيران و لكن لوموا أنفسكم.

 

 

 

 

 

 

Click to comment

You must be logged in to post a comment Login

Leave a Reply

الاكثر شيوعا

To Top