مدينة بدون مشاريع استثمارية والسكان غاضبون من المردود العام للتجربة الجماعية
عجزت المجالس المتعاقبة على تسيير المجلس الجماعي للحسيمة منذ عقود عن الوفاء بوعودها، ولم يعد السكان يثقون في المنتخبين، بعدما يئسوا من الوعود التي لم تتحقق، رغم اختلاف المسؤولين، لتظل الحسيمة كما كانت، بل تتراجع يوما عن يوم عما كانت عليه. وتنتشر بمدينة الحسيمة العديد من المهن غير المهيكلة كالباعة المتجولين الذين يحتلون الشوارع الرئيسية في واضحة النهار، أمام أعين وآذان السلطات والمجلس الجماعي، وبعض الظواهر السلبية كالتسول وتشرد الأطفال، الأمر الذي يؤثر سلبا على المجهودات التي تروم النهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمدينة التي تعيش نسبة كبيرة من سكانها تحت عتبة الفقر. ولم يكن شباب هذه المدينة أفضل من أطفالها، بما أن العطالة تشكل هاجسا مؤرقا يقض مضاجعهم، خصوصا لدى حاملي الشهادات، أمام غياب حوار جاد وشفاف مع مسؤولي المدينة، لإيجاد حل مناسب لهذه المعضلة، ما نتج عنه إهدار طاقات مهمة أنفقت الدولة في سبيل تكوينها كثيرا، بل إن أغلب الشباب يطمحون إلى الهجرة نحو الخارج، حتى ولو أن فرص تحقق مطمحهم قد تكلفهم الموت أو الاعتقال في الشواطئ الإسبانية. ويرفض المواطنون بالمدينة أن يكونوا أوراقا انتخابية في كل محطة استحقاقية يتم التلاعب بهم من خلال الوعود التي يقدمها لهم المنتخبون، معتبرين أن ذلك ينم عن استمرار العقليات الماسة بكرامة الإنسان.
مدينة بدون مشاريع استثمارية
إن تشخيص الوضع الاقتصادي والاجتماعي بالحسيمة، أثبت أن هناك تراجعا خطيرا، نتيجة انعدام آفاق لإيجاد حلول واقعية ومخطط مدروس لجلب المستثمرين دون الدخول معهم في مزايدات لتشغيل يد عاملة مهمة، تساهم في امتصاص نسبة كبيرة من البطالة في صفوف الشباب، الشيء الذي استفحلت معه مشاكل اجتماعية وسيكولوجية خطيرة أسفرت عن نتائج وخيمة وإحباط كبير لدى سكان المدينة التي مازالت تنتظر ” الفرج ” لتخرج من دائرتها المغلقة. ورغم ما قيل عن مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالحسيمة، وما تم تخصيصه لها من موارد مالية مهمة، أسالت لعاب العديد من المنتخبين وبعض جمعيات المجتمع المدني التي تناسلت وتكاثرت في مدة وجيزة، فإنها تبقى غير كافية مقارنة مع المشاريع الإيجابية التي تعرفها العديد من المناطق. ولم تعرف معظم أحياء المدينة برمجة مشاريع تنموية أوأوراش لتهيئة مرافق الأحياء المهمشة وتحسين الخدمات المقدمة للسكان، بما فيها توفير مساحات خضراء بمناطق تتميز بكثافة سكانية تحتاج إلى متنفس حقيقي.
السكان غاضبون من المردود العام للتجربة الجماعية
بين شتنبر 2021 واليوم، تكون قد مرت أربع سنوات، على تجربة جماعية اعتبرها كثيرون استثنائية، هي تجربة المجلس الجماعي لبلدية الحسيمة. وأكد العديد من المواطنين ممن استجوبتهم ” الصباح ” أنهم غاضبون على المردود العام لهذه التجربة الجماعية، وأن لاشيء تغير في الحسيمة في الولاية الحالية. وتجمع العديد من الأصوات على اعتبار حصيلة المجلس بعد مرور أربع سنوات على انتخابه لاترقى إلى تطلعات السكان، مطالبة في الوقت ذاته رئيس المجلس ومكونات الأغلبية بتقديم نقد ذاتي، من أجل إخراج المدينة من الوضع المحجوز. وتحدثت المصادر عن غياب العدالة المجالية في برنامج التأهيل الحضري في الحسيمة، وعن معاناة بعض الأحياء والشوارع مشكل الإنارة بشهادة بعض أعضاء المجلس الجماعي.
الأمن يحارب ” الكوكايين “
تخوض مصالح الأمن الوطني والدرك الملكي بالحسيمة، حربا على حيازة وترويج وتعاطي مخدر”الكوكايين”، الذي انتشر الإدمان عليه بشكل لافت للانتباه بالمنطقة. وحسب بعض المصادر، فإنه لا يمر أسبوع واحد دون أن تقع اعتقالات وإيقافات في صفوف مروجي هذه السموم، وتتم الإطاحة بالعديد من المشتبه فيهم، ومحاكمتهم طبقا للقوانين. ويعج سجن الحسيمة المحلي بأشخاص تورطوا في حيازة وترويج الكوكايين في مختلف المناطق. وأضحى تعاطي “الكوكايين” بالحسيمة يقلق راحة كل الأطراف المرتبطة بالشباب، على رأسها السلطات المحلية والأمنية بمدينة الحسيمة ونواحيها. ويجد بائعو هذا النوع من المخدرات في الشباب وبعض المدمنين، سوقا خصبة لترويجها والرفع من عدد زبنائهم، في الوقت الذي يطالب مراقبون للشأن المحلي بالحسيمة، بالحد من هذه الظاهرة الخطيرة عبر إستراتيجية هادفة وحملات للتوعية، فضلا عن حلول أمنية. ويتخوف العديد من المهتمين من تزايد عدد المتوفين من متعاطي ” الكوكايين ” بسبب الجرعات الزائدة القوية، بعدما سجلت الحسيمة وفيات جراء ذلك خاصة وسط البعض من المصابين بأمراض الربو والقلب والحساسية المفرطة.
عقول الشباب والأطفال مسكونة بأحلام الهجرة
يصعب التكهن بمستقبل الأطفال والشباب بالحسيمة، بسبب انغلاق الآفاق والتي لاتعوضها إلا أحلامهم المستمرة بالهجرة إلى الضفة الأخرى. وأصابت عدوى الهجرة الصغار والكبار على السواء، بالمنطقة، ولو تمكن الباحثون من إجراء استطلاع أوحتى إحصاء شامل للشباب والأطفال المتمدرسين أوغير المتمدرسين وكذا الحاملين لدبلومات مختلفة، الراغبين في معانقة الديار الأوربية، لكانت النتيجة بالتأكيد ارتفاع نسبة الذين ينزعون نحو الهجرة وبأرقام قياسية. حين يخرج الشاب إلى الشارع بمدينة الحسيمة خاصة في فصل الصيف من باب منزله، يصطدم بسيارات متنوعة بعلامات خارجية، وعلى متنها شباب، نوافذ آليته المتحركة مفتوحة، تخرج منها صيحات أغان راقصة، يتعمد إبطاء السير، هناك تتحدد علاقة بسيكولوجية معقدة بين المهاجر والشاب، هذا الأخير يحاول فك رموز هذه المعادلة بمقولة “سعداتو”. لقد صار مصطلح ” لحريك ” عبارة عادية وسط الشباب وبكل الأشكال بالحسيمة ونواحيها، أما تنفيذه فيبقى مرهونا بالزمن وبحالة البحر. اخترق حلم الهجرة فكر الشباب والأطفال بالحسيمة الذين يحاصرهم محيط كبير يوميا، حيث شقيق الشاب أوجاره أوأحد معارفه يوجد في حالة عطالة رغم كونه حاصل على دبلوم مهني أوشهادة جامعية منذ وقت طويل، مايمارس عليه لغة اليأس والإحباط التي يحملها ويزداد ثقلها يوما بعد يوم، خاصة حين معاينته أفواجا من خريجي معاهد التكوين المهني يتسكعون في الشوارع.
مشاريع ” منارة المتوسط ” يلفها الغموض
يتساءل العديد من المواطنين والمهتمين بالشأن المحلي بالمنطقة، عن الأسباب التي حالت دون انطلاق خدمات مشاريع ” منارة المتوسط ” نظير المسرح الكبير بمدينة الحسيمة والمسبح نصف الأولمبي والقاعة المغطاة بآيت قمرة. ويعتبر المسرح الكبير للحسيمة أحد المشاريع المهيلكة بالإقليم، التي تضطلع بدور مهم ومتميز في النهوض بالممارسة الفنية بمقاييس احترافية وإبراز الطاقات الإبداعية لأبناء وبنات الحسيمة في شتى المجالات الفنية والإبداعية. ومن شأن هذه البنية الثقافية، التي أنجزت في إطار برنامج التنمية المجالية «الحسيمة: منارة المتوسط»، الذي أعطى انطلاقته الملك محمد السادس في أكتوبر 2015، الإسهام في الرقي بالعرض الثقافي. وتضم هذه المعلمة معهدا موسيقيا ومرافق ثقافية عديدة، من شأنها أن تشكل متنفسا حقيقيا لشباب الإقليم لإبراز طاقاتهم ومواهبهم الخلاقة، ومتنفسا للسكان للترويح عن النفس. ويتخوف الحسيميون أن يصبح المسرح الكبير مجرد هيكل عمراني لا غير، خاصة بعد حجب كل المعلومات عن تاريخ افتتاحه، علما أن لجنا مختلطة عاينت مرافقه في العديد من المناسبات، غير أنها لم تحدد موعدا رسميا لافتتاحه. ويجهل مسؤولون، سألتهم “الصباح”، أسباب تأخر افتتاح المسرح الكبير، فلا أحد يعلم سبب التأخير، رغم أنه يفترض أن يشكل القلب الثقافي النابض للحسيمة، إذ يعتبره المسؤولون أنفسهم أحد أهم المركبات الثقافية بالمغرب، إذ يمكنه أن يستقبل تظاهرات وعروضا ثقافية وفنية من الحجم الدولي على طول السنة.
المشردون والمتسولون يغزون الحسيمة
امتلأت مدينة الحسيمة بالمشردين والمتسولين خلال فترة الصيف، حتى لم تعد تخلو كل الشوارع والأزقة والأحياء من مشاهد مختلفة لعدد منهم يأتون من مناطق مختلفة. وسجل العديد من سكان الحسيمة ارتفاع عدد الأشخاص ممن امتهنوا التسول خلال الفترة ذاتها. أمام المخابز وقرب المقاهي والمؤسسات البنكية والمحلات التجارية وفي الشوارع وغيرها من الأماكن، ماأساء إلى مدينة الحسيمة. وعبر العديد من زوار المدينة عن استيائهم من مشاهد المشردين والمتسولين في مختلف الفضاءات، قدموا من مناطق مختلفة مستغلين عودة أفراد الجالية المغربية بالخارج إلى أرض الوطن. ولم تتخذ السلطات الإقليمية أي موقف تجاه هذه الفئة من الناس، خاصة المشردين الذين كان على الأخيرة العمل على إيوائهم أو ترحيلهم إلى مدنهم، حتى لايسيئوا إلى مدينة الحسيمة ويفسدون عن زوارها إجازاتهم.
غياب الحدائق وفضاءات اللعب بالحسيمة
لايعرف الحسيميون في تاريخ المجال الأخضر بالحسيمة، إلا حديقة كبيرة واحدة ارتبطت في الذاكرة المحلية منذ القديم، هي حديقة 3 مارس المعروفة لدى السكان ب” باركي نشيتا ” ( حديقة القرد ) التي كانت تحتضن بعض الحيوانات والطيور، وتتنوع فيها مختلف الأزهار والورود. أما باقي الحدائق الصغيرة المتناثرة هنا وهناك، أوالفضاءات الترفيهية، هي مجرد تفاصيل رديئة في صورة سيئة يذر بها الرماد في العيون خلال إنجاز التجزئات السكنية التي تستوجب إحداث فضاءات الأطفال والترفيه الأسري، أوترفيه القرب كما يسمى في الدول التي تحترم نفسها وتحترم سكانها ومواطنيها. ورغم توفر بعض النقط في مدينة الحسيمة على فضاءات للعب والترفيه خاصة بالأطفال إلا أنها تفتقر إلى بعض المواصفات كغياب العشب الذي ينبغي تثبيته في أرضية هذه الفضاءات. ويحتار العديد من المواطنين كل عطلة أسبوع وعند حلول العطل المدرسية، أين سيقضي أبناؤهم أوقات فراغهم، وأين سيمارسون حقهم في اللعب والاستمتاع بحياة الطفولة. فأماكن اللعب واللهو والترفيه داخل المدينة غير متوفرة، باستثناء التي ينشئها أرباب المقاهي والمطاعم لاستقطاب العائلات، أوقاعات الألعاب الإلكترونية التي تنتشر في العديد من الأحياء. وأكد أحد المواطنين أن أغلب العائلات تخضع لضغط أطفالها وتسمح لهم بالخروج للعب بأزقة الأحياء وشوارع المدينة معرضين حياتهم للخطر.
متابعة































