دعا الباحث في قضايا التنمية الترابية الدكتور منير بوشعو إلى الانتقال، بعد انتهاء الاستحقاق الانتخابي، من منطق المحاسبة السياسية إلى المحاسبة القانونية والمؤسساتية، معتبراًد أن الملفات التي أثيرت خلال الحملات الانتخابية ينبغي أن تخرج من منطق التوظيف السياسي إلى دائرة المؤسسات المختصة، لفتح ما يستوجب منها البحث والتحقيق وترتيب المسؤوليات وفق القانون، بعيدا عن تصفية الحسابات أو استعمال الملفات في الصراعات الانتخابية.
وأوضح بوشعو أن النقاش الذي رافق الحملة الانتخابية شمل ملفات ذات صلة بتضارب المصالح والصفقات العمومية وأشكال الدعم العمومي الموجه إلى قطاعات فلاحية وصناعية وسياحية، فضلا عن المحروقات والمخدرات وتسويق مواد قد تشكل خطرا على سلامة المواطنين، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بتدبير المال العام. ويرى أن إثارة هذه الملفات خلال الاستحقاق لا ينبغي أن تنتهي بانتهاء المنافسة الانتخابية.
ويربط الباحث بين أهمية هذه الملفات وضرورة تمكين المؤسسات المختصة من ممارسة اختصاصاتها بعيدا عن الصراعات الحزبية أو الانتخابية، مؤكدا أن أي شبهة تتعلق بتبديد المال العام أو تضارب المصالح أو اختلالات في الصفقات العمومية ينبغي أن تخضع، عند توفر ما يستدعي ذلك، للبحث والتحقيق وفق القواعد القانونية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، يميز بوشعو بين الشرعية التي تنتجها صناديق الاقتراع والمسؤولية التي يحددها القانون، معتبرا أن النتيجة الانتخابية، أيا كانت نسب المشاركة التي أفرزتها، لا يمكن أن تتحول إلى حصانة سياسية أو قانونية. فالانتخابات، بحسب تصوره، تحدد التمثيلية السياسية، بينما تظل المسؤوليات القانونية من اختصاص المؤسسات التي حددها القانون، ولا يمكن لأي تفويض انتخابي أن يحل محل أدوارها.
ويحذر بوشعو، في المقابل، من أن يتحول التعامل مع الفساد إلى حالة اعتيادية يتم التعايش معها باعتبارها أمرا مألوفا، معتبرا أن آثار ذلك لا تتوقف عند المجال السياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد والأخلاق العامة والثقة في المؤسسات وتكافؤ الفرص. ومن هذا المنظور، فإن حماية المال العام لا ينبغي أن تبقى مجرد عنوان في الخطاب الانتخابي أو أداة ضمن التنافس بين الفاعلين السياسيين.
ويؤكد الباحث أن المحاسبة القانونية لا ينبغي أن تتحول بدورها إلى امتداد للصراع السياسي، مشددا على ضرورة الفصل بين الاختصاصات وعدم استخدام القضاء كوسيلة لتصفية الحسابات. والمطلوب، وفق هذا الطرح، هو تطبيق القواعد نفسها على مختلف الأطراف، بعيداً عن الانتقائية أو الأحكام المسبقة، مع ترك الكلمة للمؤسسات القضائية كلما استوفت الملفات شروط البحث والمتابعة.
ويضع بوشعو حماية المال العام وتكريس الشفافية في الصفقات العمومية ومحاربة تضارب المصالح ضمن مسؤولية مؤسساتية تتجاوز منطق الحملات الانتخابية، معتبرا أن المنصب العام يترتب عنه تكليف ومسؤولية، وأن السلطة لا تنفصل عن المحاسبة. وبذلك، تصبح الملفات التي أثيرت في لحظة سياسية سابقة اختبارا لقدرة المؤسسات على الانتقال من الخطاب الانتخابي إلى معالجة قانونية تستند إلى الاختصاص والأدلة والمساطر.
ويخلص الباحث إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي، في تقديره، إعادة وضع كل ملف ضمن الإطار الذي يخصه، صناديق الاقتراع تحسم مسألة التمثيلية والشرعية الانتخابية، بينما يتولى القانون تحديد المسؤوليات، ويقول القضاء كلمته عندما تتوفر شروط البحث والمتابعة والمحاكمة. وبين المجالين، يرى بوشعو أن حماية المال العام وترسيخ الثقة في المؤسسات يقتضيان عدم تحويل المحاسبة السياسية إلى بديل عن القضاء، ولا القضاء إلى بديل عن السياسة.






























