صلة بالمشاورات السياسية الجارية بشأن تشكيل الحكومة يتجدد النقاش العمومي حول المعايير التي ينبغي أن تحكم اختيار الأسماء المرشحة للإستوزار وتحمل المسؤوليات الحكومية. وبينما تحضر الاعتبارات السياسية والحزبية والتمثيلية الانتخابية في هذا النقاش، يبرز في المقابل سؤال الكفاءة والخبرة والقدرة على تدبير القطاعات العمومية، باعتبارها عناصر ترتبط مباشرة بفعالية العمل الحكومي ومردودية السياسات العمومية.
ولا ينحصر هذا النقاش في تركيبة الحكومة أو التوازنات التي قد تفرزها المشاورات، بل يمتد إلى طبيعة المعايير التي تمنح الشخص أهلية تولي مسؤولية حكومية. فالحضور الانتخابي يمنح صاحبه مشروعية تمثيلية داخل المؤسسة التشريعية، غير أن تدبير قطاع حكومي معين يطرح متطلبات أخرى تتصل بالخبرة الإدارية، والمعرفة الدقيقة بمجال الاختصاص، والقدرة على اتخاذ القرار وتحويل التوجهات العامة إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، تطرح الدكتورة جيهان الخطابي، نائبة رئيس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة، معيار الكفاءة باعتباره عنصرا أساسيا في النقاش حول تولي المسؤوليات الحكومية. ومن خلال موقفها، تنتقل المسألة من سؤال من فاز بالمقعد البرلماني إلى سؤال أوسع يتعلق بمن راكم من الخبرة والتجربة ما يؤهله لتحمل مسؤولية تدبير قطاع عمومي، سواء كان حاضرا داخل البرلمان أو راكم مساره خارج المؤسسة التشريعية.
وتلفت الخطابي إلى أن الحياة السياسية والمؤسساتية لا تختزل في الحضور داخل البرلمان، إذ توجد شخصيات راكمت تجارب في الإدارة والمؤسسات المنتخبة والعمل السياسي والتدبير العمومي، من دون أن تقودها نتائج الانتخابات في كل محطة إلى مقعد برلماني. وبالنسبة إلى هذا التصور، فإن غياب الانتخاب لا يشكل في حد ذاته حكما على الكفاءة، كما أن الفوز الانتخابي لا ينبغي أن يكون المعيار الوحيد لتحديد الأهلية لتحمل مسؤولية حكومية.
ويستند هذا الطرح إلى التمييز بين طبيعتين مختلفتين من المسؤولية؛ فالنائب البرلماني يستمد موقعه من التمثيلية الانتخابية، بينما تتطلب المسؤولية الحكومية، إلى جانب بعدها السياسي، قدرة على إدارة جهاز إداري واسع، والإلمام بتفاصيل القطاع، واتخاذ قرارات ذات أثر مباشر على السياسات العمومية. ومن ثم، فإن الخبرة المؤسساتية والإدارية والتخصص في مجال معين تصبح، وفق هذا المنظور، عناصر ينبغي أن تحضر ضمن معايير الاختيار إلى جانب الاعتبارات السياسية والانتخابية.
وبهذا، تضع جيهان الخطابي النقاش حول تشكيل الحكومة أمام سؤال يتجاوز توزيع المسؤوليات بين القوى السياسية، ليمس طبيعة المعايير التي ينبغي اعتمادها في اختيار من سيتحمل تدبير القطاعات الحكومية. فالمعادلة التي تطرحها تقوم على الجمع بين الشرعية السياسية التي يمنحها الانتخاب، والكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية العمومية، بما يجعل النقاش مفتوحا على أكثر من معيار واحد في تحديد ملامح الفريق الحكومي المقبل.





























