معاذ بني عامر.
اليوم إذ نعيشُ حالةً من الحضور الطاغي للنصّ الديني في السياقات المعيشية في العالم العربي، لا سيما مع ظهور تنظيمات جهادية تسعى إلى إقامة دولة الخلافة المنشودة، وتمثّل معمارها اللاهوتي الشاهق اعتماداً على النص الديني. فمن الطبيعي أن يُوضع سؤال الجدوى من هذا النص، على طاولة البحث، لغاية التوصّل بإجابات نافعة ومفيدة، بعيداً عمّا يُحيط هذا النص من لبوسات 1- قُدسية قد تضغط باتجاه اتخاذ مواقف قَبْلية تُسلّم به تسليماً إيمانياً لن تقود إلا إلى مزيد من الاجترار والتكرار؛ أو لبوسات 2- رفضية تضغط باتجاه شطبه وإلغائه من سياقات الاجتماع الإنساني، دونما تحضير مفاهيمي جديد لكثير من الاصطلاحات التي شحنت العقل الجمعي على مدار ألف ويزيد من السنين.
منذ بواكير ما اصطلح عليه بـ (عصر النهضة)، والمقاربات المعرفية جارية ومتواصلة للنص الديني، وتعالقاته مع الواقع المعيش، لكن ظهور كتاب “طه حسين” (في الشعر الجاهلي) سيكون بمثابة الاختبار الأول لقدرة العقل الديني على الصمود في وجه النقودات التي تُوجّه إلى مقدّساته ومقتنياته العقلية التسليمية، فلوهلة شعر ذاك العقل أنه في خطر يتجاوز حدود ما هو إبستمولوجي إلى ما هو أنطولوجي، إذ يمكن لقيمته الوجودية أن تنتهي في حال تُرِك الحبل على الغارب، لكلّ من يريد أن يطال النص الديني بنقدٍ ما.
وإذا كان لكتاب (الإسلام وأصول الحكم) لـ “علي عبد الرزاق”، أن يثير ضجّة معرفية أخرى، واشتباكات النص الديني مع الاجتماع الإنساني، فقد أثبت مرة أخرى سطوة الرؤية القُدسية التي تصيغ النص الديني والنصوص الحافة به، فكتاب صغير يمكن أن يثير ضجة كبرى، لا يمكن تبريرها إلا بصفته يطال سِرَّاً مقدساً يمكن لإفشائه أن يُهدّم أمّة من الأمم أنطولوجياً.
لذا، سيتخذ كُتيب (لماذا أنا ملحد) لـ “إسماعيل أدهم” طابعاً ذاتوياً إن جاز التعبير؛ فالمادة التي ينطوي عليها كتابه كانت كفيلة بقتله بسهولة في حال انتشر كتابه كما انتشر كتابي: في الشعر الجاهلي والإسلام وأصول الحكم، من قبل، فهو ينسف –كما يتمثّلها- ليس الفكرة الدينية فحسب، بل فكرة الله أساساً، فاشتغاله على “قانون الصدفة الشامل” جعله يصل إلى تموضع البذرة التكوينية للكون في ذاته، وليس خارجه، بما يعني انتفاء فكرة خلقه أساساً.. لكن نهاية مأساوية سينتهي إليها “إسماعيل أدهم” ستضع حدّا لنشاطاته المعرفية. لكأنّه استبصر –عند عتبة ما تحت الوعي- الإمكان الذبحي الذي يمكن أن يؤول إليه في حال بقي على قيد الحياة، لذا عمد إلى الانتحار وتصفية حساباته الإبيمستولوجية مع العالَم الذي يعيش فيه، بالتضحية القُربانية بجسده، بصفته حاملاً لحمولات ذهنية قلقة ومشاغبة، ومرفوضة –في الوقت ذاته من قبل العقل الجمعي.
وهذا ما سيحدث من زاوية قريبة مع كتاب (الشخصية المحمدية) لـ “معروف الرصافي”؛ فالكتاب لن يظهر في نسخة تجارية إلا مع مطلع الألفية الجديدة، رغم أن الكاتب كان قد أنجز أطروحته في ثلاثينيات القرن الماضي، لكنه بقي حبيس الأدراج لفترة طويلة، ولم تطلّع عليه إلا القلة القليلة من الأصدقاء والمقربين، نظراً لما انطوى عليه من آراء جديدة، لا سيما ما تعلّق منها بشخصية النبي محمد وعلاقته بالنص القرآني، والتأشير على بشرية هذا النص: “كان في خلوته يفتكر في وضع الأساس الذي تقوم عليه الدعوة، وأنه بعدما قرّ رأيه في الأساس الذي تقوم عليه الدعوة أ×ذ يفتكر في الصور التي تقوم بها الدعوة، وبعابرة أخرى أخذ يفتكر في الواسطة التي يؤدي بها الدعوة، ومعلوم أن الدعوة إنما تقوم بالكلام، ولكن بأي صورة من الصور الكلامية يصاغ ويسبك كلام الدعوة؟ ليجعل الكلام شعراً منظوماً، أم نثراً مسجوعاً، أم ماذا؟ هذا هو أهم ما كان محمد يفتكر فيه وهو في غار حراء. ثم استقر رأيه على أن لا يجعل الكلام الذي تقوم به الدعوة شعراً يروى وينشد، بل يجعله قرآنا يقرأ ويحفظ”
بعد ذلك –لا اعتمد هَهُنا على تسلسل تاريخي بقدر ما اعتمد على نصوص حظيت بحضور كبير في السياق الثقافي العربي- برز كتاب (نقد الفكر الديني) لـ “صادق جلال العظم”. وفي الطبعة التاسعة من الكتاب ثمة ملحق بوقائع المحاكمة التي طالته بسبب نشره لكتابه، الذي من “شأنه [بحسب بيان المحكمة] التحريض على إثارة النعرات الطائفية”. بما يثبت مرة أخرى سطوة الذهنية الجمعية على أية مقاربة فردية جديدة للنص الديني، لا سيما تلك التي لا تخضع لشرطها التقديسي في التعامل مع النص الديني وحمولاته الطاهرة. وسيظهر هذا جلياً –بشكل أوضح وأنصع- في حادثة إعدام المفكر “محمود محمد طه” رغم كِبره في السن، إذ لم يشفع له الشيب في رأسه أن يُعلّق على حبل المشنقة، بما يثبت الحضور الكبير لتفسيرات قارّة وراسخة رسوخ الجبال الراسيات للنص الديني، لا ينبغي تجاوزها بتاتاً، تحت وطأة العذاب الشديد.
وإذا كان لنقد “محمد أبو القاسم حاج حمد” في كتابه (العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة) لأطروحة (الرسالة الثانية من الإسلام) لـ “محمود محمد طه”، أن يتخذ طابعاً إبستيمولوجياً، يستند على الحجّة المعرفية، فقد اتخذّ النقد الرسمي –إن جاز التعبير- طابعاً انتقامياً وصل إلى حدّ التصفية الجسدية، نظراً لانطواء هذا النقد على تهديم للمعنى الأنطولوجي لهكذا نقد، يتسلّح باليقينيات الجاهزة والناجزة، لا بالحجّج العقلانية.
بعد ذلك ستبرز مشكلة تكفير “نصر حامد أبو زيد”، بناءً على مقاربة أكاديمية -تزعمتها بعض الأسماء التي لها حضور في الوسط الثقافي- لما جاء في كتبه من نقدٍ للخطاب الديني، خالف فيه ما هو مُتعارف، بما يثبت مرةً أخرى سطوة ما هو مُقرّر –بصرف النظر عن صحته من عدمه- ومُعدّ سلفاً بشأن التعامل مع النص الديني. ويبدو أن ما ذكره نصر حامد أبو زيد في كتابه (نقد الخطاب الديني) من الآليات التي يشتغل عليها الخطاب الديني في تعاملاته مع العالَم، كانت صحيحة، لا سيما بعد تكفيره وإصدار فتوى بلزوم انفصال زوجته عنه، بصفته لم يعد مسلما.
يكتب أبو زيد: “وتتوقف هذه الدراسة عند ما تعتبره أهم آليات هذا الخطاب، وهي تلك الآليات الكاشفة على المستوى الأيديولوجي لهذا الخطاب، وهو المستوى الذي يجمع بين الاعتدال والتطرف من جهة، وبين الفقهاء والوعاظ من جهة أخرى، هذه الآليات يمكن لنا إجمالها فيما يلي:
“1- التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع. 2- تفسير الظواهر كلها بردّها جميعاً إلى مبدأ أو علّة أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية أو الطبيعية. 3- الاعتماد على سلطة السلف أو التراث، وذلك بعد تحويل النصوص التراثية –وهي نصوص ثانوية- إلى نصوص أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا تقل –في كثير من الأحوال- عن النصوص الأصلية. 4- اليقين الذهني والحسم الفكري القطعي، ورفض أي خلاف فكري –من ثم- إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول. 5- إهدار البعد التاريخي وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل يستوي في ذلك العصر الذهبي للخلافة الرشيدة، وعصر الخلافة التركية العثمانية”.
ولربما كان ما جاء به نصر حامد أبو زيد، هو النقطة الحاسمة في التعامل مع كثير من الأطروحات الفكرية التي تتناول النص الديني بالنقد والتفكيك، والحَجْر على أية أطروحة مُخالفة لهذه التعاليم التي أشار إليها أبو زيد.
لكن كثرة الزَنّ لا شكّ ستُفضي إلى إحداث ثقب في الجدار اليأجوجي العتيد، ولربما كان لسقوط بغداد في العام 2003 دوراً مهماً في ما آل إليه الخطاب الديني، وفكرة اصطدامه وجهاً لوجه مع تنظيمات جهادية لا تسعى إلى استحضار الزمن الماضوي العتيد على المستوى الذهني فحسب (كما هو لدى بعض الجماعات الإسلامية الأخرى مثل الإخوان المسلمين وحزب التحرير) والتغنّي به تغنيّاً رومانسياً، بل سعت جاهدة إلى تحويل هذا الزمن إلى فعل معيشي في المكان العربي. ولأول مرة تأخذ دولة الخلافة بُعداً عملاتياً بشكل واضح جلي، علي أيدي قادة وأتباع متحمسون لجلب الماضي كلّه على الواقع كلّه.
وإذا كانت البداية في العام 2003 مع “أبو مصعب الزرقاوي”، فقد كانت الذروة مع “أبي بكر البغدادي” في العام 2014. (6) ما بينهما كان الخطاب الديني التقليدي يفقد سيطرته على المستوى التنظيري، لأن حجم الدمّ الذي سال كان أكبر من التوقعات، لذا ستمرّ كثير من الأطروحات الفكرية التي تناولت النص الديني تناولاً جريئاً، دونما عنفٍ علني تجاه أصحابها في حدود ما أعلم، فأطروحة “عبد الجواد ياسين” التي موضعها في كتابه (الدين والتديّن: التشريع والنص والاجتماع)، والتي قسّم فيها النص القرآني إلى قسمين أحدهما خالد مُتعلق بالإيمان والأخلاق، وثانيهما زماني مُتعلق بنصوص تشريعية استلزمت حادثة بعينها، بما يمنع عنها صفة الخلود والبقاء الزمكاني، ستمرّ دون عنف يذكر، بل إن صاحبها يتمتّع بمكانة مرموقة في العالَم العربي، نظراً لرصانته الأخلاقية والمعرفية. وستمرّ أيضاً أطروحة “العفيف الأخضر” التي موضعها في كتابه (من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ)، دونما إكراهات هي الأخرى. وستتم ترجمة كتب “فتحي بن سلامة” إلى العربية وسيتم تداولها دونما إقصاءات إلى حد كبير.
وستمرّ أيضاً كثير من الأطروحات التي يتبناها كثير من الشباب العربي، ويتواصلون بشأنها، سواء في العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، أو على أرض الواقع من خلال الندوات وأندية القراءة والمناقشات المستمرة للقضايا الضاغطة على المنظومتين: الذهنية والمعيشية في العالم العربي، لا سيما ما تعلّق منها بالنص الديني وتعالق معه، سواء في المدخلات أو المخرجات.
اليوم، إذ تنفجر المنطقة العربية انفجاراً دموياً، وينتشر الظلام بشكلٍ طاغٍ ولافت للنظر، فثمة أمل كبير بالانتقال من فكرة التهديد الأنطولوجي إلى فكرة التعايش الإبستمولوجي!.
الانتقال من التهديد الأنطولوجي الذي يفترض وجود حُرّاس للنص الديني والدفاع عن موروثاته الجاهزة/ الناجزة، دفاعاً هستيرياً يصل في كثير من الأحيان إلى الإطاحة بالرؤوس وتصفية الأجساد والحَجْر على العقول المُبدعة في اجتراح الجديد، وإضافته إلى تراكمات من شأنها إبراز موقف جمعي من الحضارة الإنسانية، والمساهمة مساهمة فاعلة في تطوير أنساقها المعرفية، بانتظار تطوير أنساقها الواقعية؛
الانتقال من التهديد الأنطولوجي، الذي يفترض بأية محاولة تطال النص الديني بالنقد والتفكيك العقلاني، استمراءً على قُدس الأقداس، ومطاولة تدنيسية للمتعالي وقيمه الخالدة الحالّة في الزمن والمكان؛
الانتقال -إذاً- من التهديد الأنطولوجي، الذي يفترض أننا سنفقد قيمتنا الوجودية في حال تخلّينا عن تصوراتنا القدسية للنص الديني كما قرّت في الزمن الماضوي ووصلت إلينا؛ إلى التعايش الإبستمولوجي الذي يسعى ناحية الارتقاء بمعاييرنا المعرفية في تناول النص الديني، ووضعه على طاولة البحث دونما استلابات قُدسية من شأنها الحَجْر المبدئي على أية مقاربات جديدة، أو استلابات رفضية تقطع قطعاً نهائياً مع النص الديني، ليس لحضوره الفاعل فحسب، بل أيضاً لعدم كفاية ما لدينا من أطروحات معرفية لتحلّ محل النص الديني، وتملأ الفراغ الذي يمكن أن ينتج عن إفراغ الأذهان والأعيان من مواضعات هذا النص العتيد.




























