بـقــلــم : خــالـد البوهالي
باحث في الشؤون الدولية
لا تعد قضية مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد الأولى في أمريكا، و لن تكون الأخيرة، إذا لم تتم معالجة الأمر من طرف صناع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية.
فعبر تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية عانى السود من سياسة الميز العنصري و الاقصاء، و الممارسات الحاطة من كرامتهم كبشر على يد ” أسيادهم ” البيض، بدءا من استعبادهم و بيعهم في سوق النخاسة، و كلنا نتذكر مسلسل ” جذور” لبطله كونتاكينتي” الذي هو في الأصل رواية للكاتب الأمريكي اليكس هايلي، الذي كانت تبثه التلفزة المغربية في سنوات الثمانينات من القرن الماضي يتحدث عن معاناة السود في مشهد درامي تقشعر له الأبدان و الذي ينم عن وحشية و همجية البيض.
و لم يتوقف نضال السود في أمريكا من أجل نيل حقوقهم المشروعة في المساواة و العدالة مع باقي المواطنين الأمريكيين البيض. فقد دفعوا من أرواحهم ثمنا لهذا النضال، أولهم الداعية المسلم مالكوم اكس الذي امتدت له يد الغدر باغتياله عام 1965، ثم حمل المشعل مارثن لوتر كينغ الحائز على جائزة نوبل للسلام، إلا أن أيادي الغدر أبت إلا أن تزهق روحه هو الآخر كما أزهقت روح سلفه.
لقد تكالب على السود الأمريكيين، و زاد من معاناتهم هو الاعلام الأمريكي، و أصحاب من لهم الحل و العقد في أمريكا.
ظلت وسائل الإعلام من خلال أغلب مسلسلاتها و أفلام الآكشن التي تغرق بها شاشات التلفزة تعطي صورة نمطية و قدحية عن المواطن الأسود كتاجر مخدرات، مرشد للشرطة ضد إخوته السود، لص و سارق، بائع أسلحة غير مرخصة، مالك كازينو قمار به ماخور سري، و مغتصب أطفال و نساء، و حتى الجرائم التي يرتكبها بعض السود فهي الأكثر إشارة في وسائل الاعلام الأمريكية، رغم أن هاته السلوكيات غير المشروعة قد يشترك فيها الأبيض و الأسود من الأمريكيين، غير أنه يتم حصرها و الصاقها بالسود فقط.
فعندما تبث شاشات التلفزة مثل هذه الأفلام فهي ترسخ في ذهن المواطن الأمريكي العادي غير الأسود، أن الانسان الأسود ينزع الى الشر و يزهد في الخير، في مقابل الرجل الأبيض الخَيِرْ، و هذا ما يجعل المواطن الأمريكي الأبيض ينظر له نظرة احتقار كله كراهية يزرعها حتى في نفوس أطفاله. و لست هنا اعمم.
أما أغلب صناع القرار السياسي من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقين، كانوا يتخذون من السود خزانا انتخابيا، دون أن يفعلوا شيئا لصالحهم، سوى الوعود الكاذبة، و بعد الانتخابات يتم تناسيهم، فالمناطق ذات الأغلبية السوداء تعيش على وقع الجريمة و تجارة المخدرات على الخصوص بسبب الإهمال و التهميش الذي يطالهم في غياب برامج تنموية تخرجهم من أغوار الفقر، و غياهب الفاقة، فحتى الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، رغم أنه ينتمي الى هذه الفئة من المواطنين، لم يفعل شيئا لصالحهم أو منحهم مزيدا من الحقوق، و ربما يرجع الأمر الى توجسه من الاتهامات التي قد توجه له بمحاباة المواطنين السود.
أما الرئيس الحالي دونالد ترامب، فمنذ وصوله الى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، لم يتورع عن إهانة السود و احتقارهم، و اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، لا يتسحقون حقوقا ولا واجبات، إسوة بإخوانهم البيض، رغم أنه من المفروض أن يكون رئيسا لكل الأمريكيين على مختلف مشاربهم العرقية و الدينية، وليس لطائفة معينة، فدائما كان ينظر اليهم بتعال من فوق برجه العاجي.
و لعل أبرز تغريدة له هي تلك التي كتبها على تويتر قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016 ” أطلب إلى كل أسمر البشرة في هذه البلاد أن يصوّت لصالحي. ما الذي سيخسرونه؟ يعيشون تحت خط الفقر، مدارسهم سيئة، ليس لديهم وظائف، 58% من شبابهم عاطل عن العامل. ما الذي سيخسرونه بحق السماء؟”،و هذا دليل على عنصريته المقيتة و صدق ما نقول، و بعد وصوله الى البيت داخل في حروب كلامية مع أعضاء سود من الحزب الديمقراطي بالكونغرس الأمريكي،وهم إيلايجا كامينغز من ولاية مريلاند، أيانا بريسلي عن ولاية ماساتشوستس، و الهان عمر عن ولاية مينيسوتا
و تشاء الأقدار أن تكون ولاية مينيسوتا منبع اندلاع المظاهرات على إثر مقتل جورج فلويد على يد ضابط الشرطة ديريك شوفين، لتحول نهار دونالد ترامب الى ليل أسود كالح، فقد امتدت المظاهرات الى كامل التراب الأمريكي، فطباخ السم لابد و أن يتناوله، و ها هو ترامب يتذوق ما صنعت يداه. فقد أصبح بين مطرقة كورونا كوفيد 19 و سندان المظاهرات، و لم يجد من حل سوى التهديد باستدعاء الجيش لقمع الاحتجاجات. فالرجل يفتقر الى أبسط ابجديات العمل السياسي.
لقد غاب عن دونالد ترامب أن الاستعانة بالجيش لقمع الاحتجاجات قد يزيد من حدة التوتر خصوصا إذا ما سقط هناك ضحايا، كما أن الاعتراف الدولي بمشروعية الاحتجاجات و التنديد بالقوة المفرطة و موجة التضامن الذي اجتاحت دول العالم قد يضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج. و بالتالي تعرية واقع الديمقراطية الأمريكية العريقة.
إن أمريكا تحصد ما زرعته سنين طويلة فالضغط يولد الانفجار، و تفضيل فئة على فئة تخلق حالة من السخط المطلوب حاليا إعادة النظر في السياسة الداخلية تجاه السود و معاملتهم على قدم المساواة، و ذلك لن يتأتى الا بإجراء مصالحة حقيقية و الاعتراف بالخطأ فالاعتراف بالخطأ فضيلة و التمادي فيه رذيلة.































