بــقــلــم : خالـــد البوهالي
باحـث في العلوم السياسية
لم يكن مفاجئا أن يكشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الخطوط العريضة لخطة السلام الفلسطينية – الإسرائيلية، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالبيت الأبيض في واشنطن. فمعالم هذه الخطة سبق الإعلان عنها منذ مدة ليست بالقصيرة. لكن المفاجئ في الأمر ظهورها في هذا التوقيت بالضبط.
فما هي مضامين هذه الخطة؟ و ما هي تداعياتها على الداخل الفلسطيني؟
من حيث توقيت صدورها
بقراءتنا لمسار الأحداث الأخيرة بالنسبة للرجلين فإن توقيت الإعلان عن هذه الصفقة جاء في ظرف دقيق للغاية في الحياة السياسية للرجلين، بالنسبة للرئيس دونالد ترامب فهو يواجه شبح العزل بعد أن صادق مجلس النواب الأمريكي على ذلك، و بقيت المرحلة الثانية و الأخيرة ألا و هي تصويت مجلس الشيوخ على عزله، و حتى في حالة إفلاته من مسطرة العزل – بسبب سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس الشيوخ – فهو على أبواب الانتخابات الرئاسية، لذا فهو يسعى جاهدا لإرضاء المنظمات و اللوبي اليهودي الذي ينشط داخل أمريكا، سعيا منه للبقاء بالبيت الأبيض لولاية ثانية. خصوصا و أنه أوفى بجميع الوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية السابقة، و قادته إلى البيت الأبيض ، بدءا من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل،و كذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس الشرقية، و الاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، أما بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي البيبي نتنياهو فهو يواجه وضعا صعبا فهو لم يحصل على الأغلبية لتشكيل الحكومة، فضلا عن إجراء انتخابات تشريعية جديدة في الأشهر القادمة من السنة الجارية، كذلك كونه بات معرضا للمحاكمة بسبب تهم الفساد التي وجهها له المدعي العام الإسرائيلي، كما أن فرصة حصوله على حصانة برلمانية تبدو ضعيفة تمنعه من الملاحقة القضائية بعد أن تقدم بطلب في شأنها ، لأنه حسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل فالبرلمان حلّ نفسه استعداداً للانتخابات الثالثة خلال أقل من عام في إسرائيل في الثاني من آذار/مارس، فلن يُدرس الطلب قبل تشكيل الكنيست الجديد بعد ظهور نتائج الانتخابات المقبلة ….. و في حال تمّ تشكيل لجنة برلمانية للنظر في الطلب، ولم توص اللجنة بالحصانة، فسيرفض الطلب. ولكن إذا أبدت اللجنة عدم ممانعتها أن يحصل نتنياهو على الحصانة، فسيكون على النواب الاجتماع للبت في المسألة حسب نفس الصحيفة، لذلك فهو يسعى لإنجاح صفقة القرن ليظهر أمام الناخبين الإسرائيليين بمثابة رجل الدولة القوي الذي جلب الأمن و السلام لإسرائيل، لعله يفوز بأغلبية مريحة تبقيه في رئاسة الحكومة. لكن منافسه بيني غانتس عن حزب أرزق ابيض فطن للأمر و دخل في مزايدة سياسية مع نتنياهو و أعلن أيضا تأييده للخطة الأمريكية بل و حضر أيضا للمؤتمر الصحفي.
مضامين خطة ترامب المال مقابل الأرض
و عودة إلى المؤتمر الصحفي و مضامينه للرئيس الأمريكي، فقد لمسنا مدى التناغم الحاصل بين ترامب و نتنياهو، و كيف أنهما تصافحا بحرارة خصوصا عند ذكر السيادة الإسرائيلية على الجولان السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967، و الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وصفه ترامب باللعين. أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فالخطة جاءت لتكريس الأمر الواقع في حق الفلسطينيين، و جعلت من إسرائيل و كأنها الدولة المعتدى عليها. فترامب يقول للفلسطينيين انسوا أمر القدس فهي مدينة محررة و عاصمة أبدية لإسرائيل و لا يجوز لكم تحريرها، و من يدعو لذلك فهر إرهابي – بلغة ترامب – و يقصد هنا حركتي حماس و الجهاد الإسلامي و باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى التي يجب وضع حد لأنشطتها على حد قوله. كما عبر عن استعداد إسرائيل – في نوع من الصدقة – للتنازل عن بعض الأراضي للفلسطينيين لإقامة دولتهم و هذا يعني الاحتفاظ بجزء من الأراضي الفلسطينية ذات الأهمية الأمنية بالنسبة لها و رمي الفتات لهم، كما جدد التزامه بأمن إسرائيل،و لم يفوت الرئيس الأمريكي الفرصة دون تقديم إغراءات للسلطة الوطنية الفلسطينية عبارة عن استثمارات بقيمة 50 مليار دولار و توفير مليون منصب شغل للفلسطينيين. مستغلا الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الشباب الفلسطيني من بطالة و فقر، – الأرض مقابل المال و ليس الأرض مقابل السلام – و يبقى التساؤل مطروحا عن تداعيات هذه الصفقة و مدى قبولها في الداخل الفلسطيني.
تداعيات الخطة على الداخل الفلسطيني
أما السلطة الفلسطينية ممثلة في منظمة التحرير ، فقد رفضت هذه الخطة،رغم أن السلطة تعي أنها في وضع صعب، فهي تدرك أنه بقبولها الصفقة ستفقد ما تبقى لها من مصداقية أمام الشعب الفلسطيني، خصوصا و أنها تلقى رفضا من هذا الأخير الذي خرج في تظاهرات بالضفة الغربية و قطاع غزة مناوئة للخطة، و بالتالي سيجعلها تدخل في مواجهة معه، و هذا سيصب في مصلحة حركتي حماس و الجهاد الإسلامي المنافستان الرئيسيتان لها.، عندئذ ستصبح أمام خيارين أحلاهما مر إما الدخول في مواجهة عنيفة مع الشعب الفلسطيني و باقي الفصائل الفلسطينية بضوء أخضر أمريكي و دعم إسرائيلي، و هنا سيدخل الفلسطينيون في اقتتال داخلي بينهم سيخدم طبعا مصالح إسرائيل،لذا من الطبيعي أن ترفض السلطة الفلسطينية بالخطة الأمريكية الحالية، و حتى احتمال مطالبتها بتعديل بعض بنودها لتكون مقبولة للجميع يبقى أمرا مستبعدا. أو أن تحل السلطة الوطنية الفلسطينية، و تعود إلى المربع الأول أي ما قبل اتفاق أوسلو. فالمطلوب في هذه اللحظة هو الوحدة بين القوى السياسية الفلسطينية.
خلاصة القول أن الخطة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط ليست سوى قفز على قرارات الأمم المتحدة خصوصا تلك الصادرة عن مجلس الأمن الدولي خصوصا القرارين 242 و 338 ، و طوق نجاة للرئيس الأمريكي و رئيس الوزراء الإسرائيلي من مسطرة العزل للأول و محاكمة الثاني بتهم الفساد و هذا يعني عمليا نهاية مستقبلهما السياسي من جهة. و من جهة أخرى كسب أصوات مؤيدة لهم في الانتخابات المقبلة تبقيهما في السلطة لولاية أخرى. لكن هناك مسالة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار. أمريكا تخطط لفض يدها من الشرق الأوسط، و الانسحاب منه فهي تدرك أنها لم تعد الفاعل المؤثر الوحيد هنا بعد دخول الدب الروسي عبر البوابة السورية و تثبيت مخالبه هناك، لكنها تريد تثبيت إسرائيل عبر ضمان أمنها بواسطة اتفاقيات سلام أبدية و مهينة للشعب الفلسطيني فهل يعي المسلمون أبعاد هذه السياسة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.































