إن ظاهرة عدم انصياع بعض المواطنين للأوامر والقرارات الصادرة عن السلطات العمومية في سياق تطبيق حالة الطوارئ الصحية المقررة بموجب مرسوم بقانون، أثار ويثير حفيظة فئة واسعة من المجتمع المغربي ممن استوعبوا بشكل استباقي توقعات ومآلات هذا الخرق ونتائجه الوخيمة على الفرد والمجتمع.
بطبيعة الحال تختلف الرؤى وزوايا النظر في تحليل وتفكيك دواعي هذه الظاهرة، حيث يجملها البعض ممن يلتمس مبررات لهذا السلوك المنافي لروح القانون في العامل الاجتماعي الحافل بالهشاشة الذي يعد حسبهم عائقا موضوعيا يقيد الذات عن انضباطها للحجر الصحي. وإذا كان لهذا التوجه نوعا من الوجاهة على فرض أن من يخترق مرسوم قانون الطوارئ لا يعدو الفئة الاجتماعية الهشة دون امتداد لفئات أخرى غير معسرة فإن الحكومة قد اتخذت سلسلة من الإجراءات الموازية للتخفيف من عبء المصاريف اليومية لمجموع الفئات المتضررة من عمال ومستخدمين وأرباب المقاولات الجد صغيرة والمقاولات الصغرى والمتوسطة، إضافة إلى باقي الفئات التي تشتغل في القطاع غير المهيكل والمستفيدة من بطاقة رميد …؛ ونحن لسنا هنا بصدد تقييم العمل الحكومي ولا لمعيرة أشكال تدخلها مع التزاماتها المفروضة عليها بموجب الدستور والتشريعات الوطنية المنسجمة مع الممارسة الاتفاقية؛ وإنما لتأكيد وجهة نظر أخرى تستند في تحليلها لظاهرة خرق مرسوم قانون الطوارئ من بعض شرائح المجتمع ليس بإيعاز الهشاشة الاجتماعية وإنما بإيعاز هشاشة الوعي والمسؤولية لدى المواطن بأهمية مجتمع القانون وما يرتبه من التزامات فردية وجماعية.
هشاشة الالتزام بالقانون ليست وليدة اليوم أو الحالة الطارئة بقدر ما أنها ثقافة فاسدة متغلغلة في الفرد والمجتمع منذ عقود من الزمن؛ وهي فرع من فروع الفساد التي عمت مجمل الفاعلين السياسيين(المنتخبون) وبعض المؤسسات التي رعت وحمت مظاهر الفساد السياسي والاقتصادي والتي كانت موضوع تقارير مهمة أنجزت من قبل المجلس الأعلى للحسابات (المؤسسات هنا كانعكاس لسلوكات بعض المسؤولين وليس كانعكاس لمسؤولية مصلحية او مرفقية). ويسعفنا في دعم هذا التحليل المنهج الاستقرائي للعلاقات الاجتماعية حيث يتشكل مركز الفرد ويتعزز بشكل سريع عند سلوكه أسلوب الانفلات من القانون تحت حماية كائنات سياسية (انتخابية) تبسط لمجموع أتباعها سبلا غير مشروعة لتحقيق الذات. ولقد تشكلت هذه الثقافة بشكل تراكمي أشبه بكرة الثلج المتدحرجة حتى عمت شبكة واسعة من المنتفعين الذين أسهموا في تكسير كثير من القواعد التي طالما شكلت في مجموعها الضمير الإنساني أو الضمير المجتمعي كأحد أهم مصدر من مصادر القاعدة القانونية؛ وبالتالي انتقلت كثير من العلاقات المجتمعية من التفاعل الأفقي الجمعي كمصدر لإنتاج جزء كبير من الشرعية وبالتالي المصلحة العامة إلى التفاعل العمودي بين ذوات فردية وكائنات فاسدة ذات نزعة استعلائية على القانون لإنتاج المنفعة الأنانية كتجلي لسلوك قواعد الإنحراف والتعسف في استعمال السلطة وبالتالي تضرر المصلحة العامة. هذا التحول في العلاقات أسهم في تفتيت المجتمع وتقسيمه إلى فئتين متصارعتين أحدهما ينشد المصلحة العامة والآخر يبتغى المنفعة الذاتية، والنتيجة تهديد النظام العام.
أعتقد أن القطع مع الفساد الناشئ عن التساهل مع ممتهني التعسف في استعمال السلطة وإعادة بناء العلاقات الاجتماعية على قاعدة المساواة أمام القانون طبقا لمقتضيات الفصل 6 من الدستور، سيكون مدخلا أساسيا وجوهريا للدفاع عن المشروعية وبناء دولة الحق والقانون.
ذ.ابراهيم مومي. باحث وفاعل حقوقي




























