ذ. مراد بلميلود
كثيرة هي المقالات والتحليلات التي تناولت موضوع النظام العالمي لما بعد وباء كورونا ، منها ما اعتبر أن كوفيد 19 هو إعلان عن حرب عالمية ابتدأت جرثومية وستنتهي نووية لتركيع العالم وخصوصا روسيا والصين ، ومنها ما اعتبره إعلانا عن نهاية النظام العولمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وميلاد نظام عالمي جديد بقيادة الصين ، ومنها ما اعتبر ما يجري صراعا لإعادة تقسيم العالم سينتهي بتفاهمات تراعي مصالح القوى الدولية والإقليمية الصاعدة.
قبل الإجابة عن السؤال المطروح في عنوان هذه المقالة ، لابأس أن نعرج على بعض الحقائق التاريخية التي وسمت النظام الرأسمالي ، والتي يجري هدمها الآن خضوعا لقانون نفي النفي . فكما قامت الإمبريالية على تحقيق الاندماج بين الرأسمال الصناعي والمالي ، وتأمين دور الاحتكارات وسط رأسمالية الدولة الوطنية الاحتكارية ، وتعزيز دورها في غزو العالم وإعادة تقسيمه ، وإلغاء دور الدولة الاقتصادي مع وضع اقتصادات البلدان الأخرى في خدمة مصالح التراكم الرأسمالي في المركز ، لتعزيز الامتداد الأفقي لنمط الإنتاج الرأسمالي . جاءت مرحلة العولمة على أنها انتصار من حيث المبدأ في كل مكان من الأرض ، لنمط معين من أنماط الملكية والسيطرة على وسائل الإنتاج والتحكم في قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والتبادل والتوزيع .
نمط انتقل بالرأسمالية من عالمية دائرة التبادل إلى عالمية دائرة الإنتاج ، من خلال عولمة الإنتاج وقوى الإنتاج ، بعدما ظلت عالمية نمط الإنتاج الرأسمالي مقتصرة على دائرة التبادل ، مع الحفاظ على دائرة الإنتاج في دول المركز . هذا التحول الذي جعلنا نرى منتوجا مادته الأولية من دولة و هيكله من دولة ثانية وتصنيعه في دولة ثالثة ، حسب ما يقتضيه اللوجستيك أو اليد العاملة الرخيصة أو وضع البيئة أو الموقع الاستراتيجي ….تحول استهدف تسهيل نهب المواد الأولية والطاقة واستغلال اليد العاملة ، من أجل الوصول إلى إنتاج فائض قيمة أكبر بأقل تكلفة وتحويله إلى أية نقطة من المعمور.
فالعولمة جاءت كتنسيق بين مراكز الرأسمال لإزالة العوائق التي تكبح تركزه عالميا ، لخلق شروط جديدة لإعادة اقتسام مناطق النفوذ كحل لتناقضات هذه المراكز ، زيادة على كونها رد فعل إديولوجي و اقتصادي و سياسي ضد البلدان التي تمتلك استقلالية قرارها و تعاكسها الاختيارات العامة . وقد اعتمدت العولمة على المؤسسات المالية الدولية و السوق الحرة و الشركات متعددة الجنسيات التي لعبت دورا فعالا في توحيد أنماط الاستهلاك وتفكيك العملية الإنتاجية من خلال الاستثمار المباشر و السيطرة على مجال الإعلام و الاتصال . فصارت هذه الشركات تدمج رأس مال المركز و الأطراف بمن فيهم من الديكتاتوريين و تجار الأسلحة والمخدرات ، وتنوع مجالات تدخلها من السيارات و الكهرباء و الأبناك و الصناعات الثقيلة و الكيماويات و التكنولوجيا . هذه الشركات متعددة الجنسيات والموزعة على المراكز الرأسمالية (أمريكا44℅ ، اوربا32℅ ، اليابان5℅ ، سويسرا5℅ ، والنسبة المتبقية لدول أخرى ) ، تهيمن على 80٪ من المبيعات في العالم وتسجل نسبة نمو فاقت 10℅ . مما يعكس الارتباط بينها وبين العولمة ، ويجعل مصيرهما مشتركا بالنجاة أو الغرق بسبب هذه الأزمة التي تعيشانها في الوقت الراهن.
وقد برزت العلاقات الجديدة للعولمة مع تحرير التجارة الخارجية وتنامي دور المؤسسات الدولية وتأسيس العديد من الاتحادات الإقليمية والدولية (منظمة التعاون والتنمية ، G7, G20….)مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم . كما اقترنت باستفحال الأزمة البنيوية للرأسمالية نفسها ، والتي خرج مفكروها (فوكوياما ، هنتغتون…) مبشرين العالم بنهاية التاريخ وصراع الحضارات الذي سيحل محل الصراع الطبقي ، لتكريس إديولوجيتها من خلال الهيمنة في الفكر الاقتصادي والسياسي وحتى التأثير في الأحزاب وبرامجها.
لقد قامت العولمة بإعادة النظر في مفاهيم الدولة و السيادة الوطنية و الهوية الثقافية ، في ظل فتح الحدود و رفع الحواجز الجمركية ، فأصبحت الدول الرأسمالية تقوم بدور التوجيه والتنسيق والرعاية ، مقابل نفي دور الدولة بدول المحيط من خلال التحكم في القرار الاقتصادي الداخلي ، حتى صار العالم محكوما برؤساء الشركات الكبرى بدل رؤساء الدول الكبرى . وهذا ما جعل التناقضات الرأسمالية تستفحل أكثر بين دول المركز أولا ، وبين المركز والأطراف ثانيا ، وداخل المركز ثالثا ، وداخل الأطراف رابعا. فتراجع الدخل الفردي ، وارتفعت نسب الفقر والبطالة و الأمراض و الأوبئة و الجوع ، و تم التراجع على العديد من المكتسبات التي مست الحقوق السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية…و كثرت النزاعات المسلحة.
فنحن في المغرب مثلا ، اكتوينا بنار سياسة التقويم الهيكلي التي أملاها البنك الدولي علينا وعلى غيرنا من الدول النامية كحل للخروج من الأزمة ، فتم تخفيض النفقات الاجتماعية في الصحة و التعليم و الشغل و السكن ، كما تم تخفيض قيمة العملة و تفويت القطاع العام و تحرير الأسعار و التقليص من نفقات التسيير و التجهيز ، مع تحرير مناطق التبادل الحر و التجارة الخارجية . سياسة أدت إلى ارتفاع الأسعار و تسريح العمال و ضرب القدرة الشرائية ، و فتح المجال للسلع و البضائع الأجنبية و الدوائر الإمبريالية ، مع إخضاع الإنتاج و السوق المحليان لمتطلبات الرأسمال العالمي.
و في الوقت الذي كانت العولمة تغرق في تناقضاتها ، كانت دول أخرى كالصين و روسيا والبرازيل و الهند و جنوب إفريقيا تتحد وتتكتل في الـ(BRICS) ، المنظمة التي أعلنت منذ تأسيسها ميلاد عالم ثنائي القطبية ، و أصبحت محل استقطاب للعديد من الدول كتركيا و إيران و سوريا و المكسيك و الأرجنتبن و اليونان و نيجيريا و مصر و السودان و بنغلاديش…
فهذا الاتحاد الاقتصادي قادر على تشكيل تكتل اقتصادي قوي خارج السبعة الكبار ، لكون دوله تمتاز اقتصاداتها بنمو سريع من جهة ، كما تتوفر على قدرة اقتصادية هائلة تقوم على أكبر احتياطي للمواد الخام (البرازيل) و الطاقة (روسيا) و تكنولوجيا المعلوميات (الهند) و الإمكانات الديمغرافية و الإنتاجية (الصين) و الموقع الاستراتيجي (جنوب إفريقيا).
هذه التطاحنات الاقتصادية و ما صاحبها من صراعات سياسية دولية وإقليمية ومحلية ، أدت إلى فرز في الخريطة السياسية ، سقطت خلاله نظم وحلت محلها أخرى ، وجرت مياه كثيرة تحت جسور أمريكية وإفريقية وشرق أوسطية وأسيوية وأوربية . فرز أدان الولايات المتحدة الأمريكية ونظامها الرأسمالي المتوحش بسبب الجرائم التي ارتكبتها في حق البشرية بحروب عسكرية واقتصادية وإديولوحية ، وعرى الوجه الحقيقي لشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والذي خدعت به شعوب المعمور لعقود.
والحالة هذه ، زيادة على الانعكاسات السلبية لجائحة كورونا على أسواق المال ، مع الهبوط الحاد في أسعار النفط وشلل الدورة الاقتصادية نتيجة توقف تدفق السلع والبضائع والخدمات ، و ما صاحب ذلك من تراجع على مستوى الحقوق والحريات خلال مواجهة الوباء . كل هذا يؤكد لنا أن جميع الدول ستتأثر ، وعلى جميع الميادين الطبية والصحية و أنماط الاستهلاك و القيم و الأنظمة السياسية و الاقتصادية و التعليمية و البيئية والأمنية وحتى الروحية ، وأن الفرق بينها سيكون بناء على درجة التكيف مع الأزمة الحالية وما تتوفر عليه الدول وشعوبها من مناعة سياسية واقتصادية ومجتمعية ، ولنا أن نتصور الوضع الذي ستجد الدول المتخلفة نفسها فيه!
لكل هذا ، لا أظن أن أمريكا قادرة على شن حرب عالمية ثالثة ضد الصين ، بعدما فشلت في حروبها المباشرة في العراق وأفغانستان وسوريا ، وبعدما فشلت في حماية مدللتها إسرائيل من سلاح المقاومة اللبنانية التي خلقت توازنا عسكريا معها . كما لا أظن أن عقيدة الصين تطمح إلى قيادة العالم بنفس النمط الذي قامت به أمريكا ، خصوصا وأن الصين اختارت طريق القوة الاقتصادية ولم تشن أي حرب خارج أراضيها ، كما لم تتورط في أي صراع إقليمي أو دولي ، بل حافظت على شعرة معاوية – كما يقال – مع الجميع بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية.
فكل المؤشرات تقودنا إلى استنتاج أن العالم مستقبلا لا يمكن إلا أن يحكم في إطار جديد ، يعاد فيه اقتسام مناطق النفوذ بين الدول العظمى بناء على ميزان القوى الراهن ، والذي يختلف جوهريا عن وضع مابعد الحرب العالمية الثانية ، إن كنا متفائلين . أما إذا كنا متشائمين ، فإن العالم سيكون مقبلا على حروب و ثورات و انقلابات عسكرية و إرهاب و مجاعات و تدفق لملايين اللاجئين – تعميم الوضع في ليبيا واليمن وسوريا والعراق وأفغانستان – ، بسبب ما سيخلفه الوباء من وبال على الدول الهشة ، نتيجة البطالة الناجمة عن الشلل الاقتصادي والإفلاس بسبب العجز عن تسديد الديون ؛ وما سيحدثه من زلزال في الدول المنتجة للنفط كالسعودية والجزائر وليبيا والعراق وإيران وفينزويلا بسبب انهيار أسعار النفط ، مما يجعل العالم مقبلا على العديد من الأزمات ، لإغراقه في المزيد من الخوف والرعب وانعدام الإحساس بالأمن والأمان.
إن الولايات المتحدة الأمريكية تتجه في عهد المعتوه ترامب إلى تعزيز دور الدولة المركزية العميقة التي ستبنى على أنقاض نظام العولمة ، تحت شعار أمريكا أولا ويجب أن تدفعوا . الأمر الذي بدا جليا خلال مواجهة الجائحة ، بتخلي أمريكا عن الدور الذي دأبت على لعبه خلال مواجهة الأزمات والكوارث والأوبئة سابقا . مخلفة فراغا تقوم الصين و روسيا وكوبا بملئه بما سمي في وسائل الإعلام بدبلوماسية الكمامات ، من خلال تقديم المساعدات الطبية لبعض الدول بما فيها الأوربية كإيطاليا وإسبانيا وصربيا ، إبرازا للبعد الإنساني والاجتماعي الذي دمرته الأمركة.
فخلال الأربع سنوات من حكم ترامب ، قامت أمريكا بتفكيك كل العناصر والركائز التي بنت عليها مشروعها ، استعدادا لهدم القديم وبناء الجديد . فقام ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها بشكل منفرد ، وهو ما لقي استنكارا واسعا حتى من الأوربيين . كما قام بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران ودائما بشكل منفرد ، مسببا إحراجا للأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق ، ونفس الأمر يخطو نحوه بالنسبة لمنظمة الصحة العالمية التي يتهمها – صحبة الصين – بالتآمر على البشرية و إخفاء المعطيات . كما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) سنة 2018 بحجة أنها معادية لإسرائيل ، وانسحبت من معاهدة باريس للمناخ التي سعت إلى اتفاق عالمي بشأن التغييرات المناخية ، وخرجت من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي . مقابل ذلك تسعى أمريكا إلى إبرام اتفاقات ومعاهدات ثنائية مع كوريا الشماليةوالصين وروسيا ،تفعيلا لشعار أمريكا أولا ،والابتعاد عن دور دركي العالم الذي لعبته لعقود من الزمن . فلا البيت الأمريكي قادر على تحمله ، ولا الآخر قابل بالاستمرار في الخضوع له.
11 أبريل 2020




























