ذ. إلياس الحوزي
في خضم الحراك الانتخابي الذي تشهده ربوع المملكة عامة، وإقليم الدريوش على وجه الخصوص، أقف كمواطن يتابع المشهد عن كثب من داخل أرض الوطن؛ كراصدٍ ميداني تحكمه الحرقة على واقع المنطقة، لا كمشاركٍ أو منخرطٍ مباشر يخوض الصراع الحزبي ضمن اللوائح. ومن هذه الزاوية النقدية والمستقلة، استرعت انتباهي مفارقة سياسية وتنفيذية تنطوي على الكثير من التأمل والمساءلة.
لقد سجلتُ بأسف شديد الغياب التام للاهتمام الحقيقي بجماعتي “تروكوت” و”أولاد أمغار” في أجندات المرشحين ووكلاء اللوائح؛ إذ لم يطلهما من الحراك الانتخابي سوى مرور محتشم وعابر تصادف مع السوق الأسبوعي لأربعاء “تروكوت”.
إن هذا الخمول الميداني تجاه قضايا الساكنة لا يمكن تفسيره إلا كشكل من أشكال التهميش المجالي الممنهج، الناجم أساساً عن التموقع الجغرافي للهاتين الجماعتين الواقعتين في الأطراف الغربية للإقليم على تخوم إقليم الحسيمة.
منطق “الخزان الانتخابي” وغياب البرامج المحلية
تتغذى هذه السياسة الانتخابية من تمثل قاصر يرى في الجماعات الحدودية مجرد “خزان انتخابي محدد” لا يستدعي بذل جهد ميداني كبير مقارنة بالحواضر والمراكز الكبرى للإقليم (كالدريوش، بن الطيب، وميضار) حيث تتكتل الكثافة السكانية وتتركز الرهانات السياسية. ونتيجة لهذا المنطق، تطل علينا أغلب الأحزاب ببرامج خطابية فضفاضة صالحة للإقليم بأسره، دون تقديم “برنامج تنموي محلي متكامل” يعالج أزمات “تروكوت” و”أولاد أمغار” المتصلة بالربط الطرقي، وندرة المياه، وتأهيل قطاعي الفلاحة والصيد التقليدي.
التهميش المزدوج وأزمة السلوك الموسمي
تتضاعف عتمة المشهد حين نستحضر أن الجماعتين تعانيان أصلا من عزلة مزدوجة؛ عزلة جغرافية تحصرهما في أطراف الإقليم، وعزلة تنموية تحرمهما من التأهيل المستحق لبنيتهما التحتية والخدماتية على الرغم من مؤهلاتهما الطبيعية الواعدة، كالشريط الساحلي ومرفأ الصيد البحري ب”أولاد أمغار” والمؤهلات الفلاحية ب”تروكوت”.
إن الاقتصار على زيارات خاطفة للسوق الأسبوعي يكرس سلوكاً سياسياً موسمياً يختزل المواطن في مجرد “صوت انتخابي” ينتهي دوره بمجرد وضع الورقة في الصندوق، بدلا من التعاطي معه كشريك رئيسي في التسيير والنهوض بالتنمية القروية على مدى السنوات الست المقبلة.
أفق المستقبل وضرورة تغيير النموذج
إن معايشتنا اليومية لواقع المنطقة تشهد على الحجم الكبير للفرص الهادرة؛ فالمنطقة تحتاج إلى رؤية تشجع الاستثمار المحلي وتستفيد من الامتداد الاجتماعي لأبنائها سواء بالداخل أو الجالية بالخارج، بدل التعاطي السطحي الذي يغيب الكفاءات ويغلق أبواب المشاركة الحقيقية.
ختاماً، إن التنمية الشاملة التي ينشدها الوطن لا يمكن أن تتحقق بترك الأطراف في الظل. وعلى الفاعلين السياسيين في إقليم الدريوش استدراك هذا الحيف المجالي، فالجماعات الحدودية ليست هوامش ملحقة، بل هي الواجهة الحقيقية لكرامة المواطن ونجاعة التنمية المستدامة.































