الأمين مشبال
تقترب الحملة الانتخابية من نهايتها، بعد أن نجحت، إلى حد ما من لفت انتباه جمهور واسع من المواطنين، لكن معظم من أتيحت لي الفرصة للحديث معهم في الموضوع لم يكونوا يتناقشون عن البرامج الانتخابية للمرشحين، ولا انتماءاتهم، هل هم من أحزاب الأغلبية الحكومية (الأحرار، البام، الاستقلال) أم من المعارضة، أم من طينة تلك الأحزاب التي لم نسمع لها صوتا ولم نعلم بوجودها إلا حين دقت طبول وغيطة الحملة.
لقد جعل هذا الاهتمام، المبالغ فيه بالأسماء، على حساب البرامج التي يصعب للمواطن ” العادي” التمييز بينها، الحملة الانتخابية مجرد فرجة في شكلها وجوهرها لدى معظم المتنافسين، وخصوصا لدى أصحاب المال والنفوذ. فحرصهم ينصب على جمع مئات بل آلاف الرجال والنساء الأكثر فقرا وهشاشة لملء قاعات مزينة للتصفيق ل “الزعيم”، أو تنظيم جولات للأحياء وتنقلات إلى البوادي مع الحرص على التقاط الصور والفيديوهات للإيهام بحضور سياسي وشعبية زائفة.
هكذا أجد نفسي اليوم في حيرة من أمري أتساءل: هل أُتوجه يوم 23 شتنبر إلى مكتب التصويت أم أشتري راحة البدن والبال؟وإذا لعنت الشيطان وعدلت عن موقفي فلمن سأصوت؟ وقبل هذا وذاك، ما الجدوى من ذلك كله؟
حين أتأمل لائحة المرشحين محليا ووطنيا أعثر على بروفايلات محترمة ضمن هذه اللائحة أو تلك تستحق أن تمنح فرصة لتحمل المسؤولية. لكن بعد متابعة مستمرة، ومنذ سنوات طويلة للشأن العام محليا ووطنيا، أجدني أكرر نفس السؤال: ما الجدوى؟ وما التغييرالملموس الذي قد تحمله هاته الانتخابات لنا، نحن معشر المواطنين الذين يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق؟
كنت خلال العقود الأخيرة، “متشائلا”، على حد تعبيرالروائي الراحل إميل حبيبي، أرى أن المغرب يحقق إنجازات لا تخطئها العين كما هو الحال بالنسبة للبنيات التحتية والتجهيزات الرياضية وغيرها، رغم أن وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الملحة تسير بسرعة السلحفاة. لكن التطورات التي عاشها المغرب مع حكومة الملياردير أخنوش وحلفائه السياسيين يمكن تلخيصها في تدابير اقتصادية زادت من إضعاف الطبقة الوسطى وتفقير باقي الفئات الشعبية، وإجراءات سياسية متتالية تروم تحقيق استراتجية الإجهاز على هامش حرية الرأي والتعبير وتهميش وإضعاف هيئات المجتمع المدني التي يمكن أن تعبر عن رؤية مغايرة لتوجه الحكومة ولا تلهج بذكر أفضالها على البلاد والعباد. ولنا فيما جرى من عرقلة ممنهجة طيلة سنوات لتجربة التنظيم الذاتي لقطاع الصحافة أو القانون الجديد لهيئة المحامين أوضح مثال على ذلك.
انطلاقا من تلك الاعتبارات وأخذا بعين الاعتبار لموازين القوى السياسية وللخريطة الانتخابية بالمغرب والتي يرسم رجال الأعمال والأعيان معظم تفاصيلها، فإن “حكومة المونديال” المقبلة ستكون مجرد نسخة منقحة أو أسوأ من سابقتها. فالأحرار والبام، بعيدا عن الخطابات الزائفة عن الليبرالية والحداثة المفترى عليها هما وجهان لعملة واحدة ولسياسة ليبرالية متوحشة واحدة، ولا شيىء يوحي بأن دار لقمان لن تبقى على حالها.
والوجه الآخر لهذا الواقع السوداوي مرتبط بتراجع وتآكل النخبة السياسية التقدمية ذات النزعة الإصلاحية، التي سخرت، للأسف، معظم طاقاتها في السنوات والعقود الأخيرة في حروب داخلية من أجل تثبيت مواقع زعامات مريضة بتضخم الأنا، والجري وراء مقعد برلماني أو كرسي وزاري في أحسن الأحوال لدى البعض الآخر منها.
في ظل هذا الواقع المغربي الذي يتطلب وقتا ومجهودا لتشريحه وتحليله بإسهاب لفهمه قبل السعي لتغييره( وهذا أمر لا أدعيه ولا قدرة لي عليه)، يبقى اختياري الذي ينسجم مع قناعاتي الشخصية وأجد فيه ذاتي هو أن أضع يوم الاقتراع ورقة بيضاء كتعبير عن رفضي للطبقة السياسية وفي نفس الآن للتعبير عن كون النضال من أجل مغرب أفضل لا يمكن بتاتا أن يكون خارج المؤسسات، ولأن التغيير لن يتم عبر المغامرة ولا الانتفاضة ولا “القومة”، بل ماعبر عنه جيل من مناضلي اليسار المغربي الذي قدم تضحيات جسيمة، واختزله في شعار يحمل الكثير من التجارب والمعاني: ” دمقرطة الدولة، دمقرطة المجتمع”.































