أعادت التحولات التي تشهدها الملاحة البحرية الدولية تسليط الضوء على تنامي الحضور المغربي في خريطة التجارة العالمية، مدفوعا باستثمارات متواصلة في البنية المينائية واللوجستية. ووفق تقارير اقتصادية إسبانية، فإن المملكة تبدو في موقع يؤهلها للاستفادة من اضطراب الطرق البحرية التقليدية، مستندة إلى موقعها الجغرافي وشبكة من المشاريع المينائية والصناعية التي تعزز قدرتها على استقطاب حركة الشحن وإعادة التوزيع بين الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، ربطت صحيفة “إل إيكونوميستا” الإسبانية تنامي أهمية الموانئ الواقعة غرب البحر الأبيض المتوسط بالاضطرابات التي طالت الملاحة في البحر الأحمر منذ سنة 2023، وما رافقها من تحويل شركات شحن لمسارات سفنها بعيدا عن قناة السويس، قبل أن تزيد التوترات المرتبطة بإيران من تعقيد المشهد. وأعادت هذه التطورات الاعتبار للموقع الذي يشغله المغرب وإسبانيا عند مدخل المتوسط، غير أن المملكة تستفيد من بنية تحتية راكمتها على مدى سنوات، بما يعزز قدرتها على استيعاب التحولات الجارية.
ويجسد ميناء طنجة المتوسط هذا التحول، بعدما عالج خلال سنة 2025 نحو 11.1 مليون حاوية قياسية، مسجلا ارتفاعا بنسبة 8.3 في المائة، فيما بلغ حجم البضائع التي تداولها حوالي 161 مليون طن، بزيادة قدرها 13.3 في المائة. وتأتي هذه النتائج في سياق توجه شركات دولية، من بينها “ميرسك” و”هاباغ لويد”، إلى تحويل جزء من عملياتها البحرية نحو مسارات بديلة، الأمر الذي يرفع أهمية الموانئ القادرة على استقبال السفن وربط خطوط الشحن وإعادة توزيع الحاويات.
وتبرز الأرقام المسجلة خلال السنة الماضية حجم المنافسة التي بات يفرضها الميناء المغربي على عدد من المنصات الأوروبية. فقد عالج ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني نحو 4.74 ملايين حاوية قياسية، مقابل 5.66 ملايين بميناء فالنسيا، فيما سجل ميناء “بيرايوس” اليوناني 4.64 ملايين حاوية، و”جيويا تاورو” الإيطالي 4.49 ملايين. أما ميناء جنوة فسجل نحو 2.4 مليون حاوية، مقابل 1.45 مليون بميناء “مرسيليا فوس”، ما يضع طنجة المتوسط في موقع متقدم ضمن حركة الحاويات وإعادة الشحن في المنطقة.
ولا تقتصر الاستراتيجية المغربية على تعزيز أداء طنجة المتوسط، بل تمتد إلى تطوير ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب تقوية البنية المينائية والصناعية على الواجهة الأطلسية، خاصة في الدار البيضاء. وتمنح هذه المشاريع المملكة فرصة لتوسيع حضورها في سلاسل الإمداد الدولية، في وقت تفرض فيه الاضطرابات البحرية تكاليف إضافية على النقل وتعيد ترتيب أدوار الموانئ. وبينما تتابع الأوساط الاقتصادية الإسبانية هذا التحول باهتمام، يبقى الرهان المغربي مرتبطا بمدى القدرة على تحويل التفوق المينائي إلى منظومة لوجستية متكاملة تدعم الصناعة والتجارة والاستثمار.































