ليس المرة الأولى التي يخلد فيها النهج الديمقراطي بالحسيمة ذكرى السنة الأمازيغية، غير أن المتميز هذه السنة هو استحضار مأكولات وتقاليد تؤرخ للذاكرة الجماعية لإيمازيغن وخصوصا الريفيون منهم.
وما ميز الاحتفال بالذكرى هذه السنة هو تسليط الضوء على جملة من المفاهيم المتداولة حول الهوية واللغة والثقافة ومحاولة تدقيقها وتمييز الطرح السياسي للنهج عن باقي الطروحات وإبراز تقاطعها وانفصالها. اعترافا بأن المفاهيم الأكثر تداولا ورواجا غالبا ما تكون أقلة دقة.
وكان أول سؤال قدم كأرضية للمناقشات هو هذه المائدة نفسها التي يتم استحضارها في مناسبة السنة الجديدة والتي تتضمن مأكولات وأطباق تعكس نمطا ثقافيا متميزا يشير إلى خصوبة الأرض، وأثير السؤال حول ما إذا كان هذا الذوق الثقافي ما يزال يمارس حضوره الفعلي في ظل الاجتثاث العام وهيمنة العولمة الثقافية عبر اكتساح لأنماط عيش جديدة ؟
ونظرا لكون اللقاء حضره مناضلون لكن بقبعة مغايرة اهتدى أصحابها بتخصصات متنوعة في الفلسفة، التاريخ، علم الاجتماع، القانون وإعلاميين بالإضافة إلى أساتذة ومدرسين للأمازيغية فضلا عن مشاركة بعض التلاميذ، وهي عينة تم اختيارها لكي تساهم في هذا النقاش للخروج من العموميات والذهاب إلى فهم عمق الأشياء..
وفي سياق استحضار الهوية في علاقتها بعلم الذوق والاستهلاك الثقافي كما طرحه بيير بورديو ، حذر البعض من ثقافة تمجيد ذوق الإحساس والمتعة على حساب ذوق التفكير من أجل التغيير نحو الأحسن، فالذوق العام أصبحت له وسائل فتاكة لفرض الهيمنة الطبقية على اختيارات الفئات الاجتماعية، فمثلا التين الذي كان يشكل غذاء أساسيا للريفيين في وقت ما لم يعد قائما اليوم بسبب اجتثاث الأشجار التي كانت تنتج هذه الثمرة وتعويضها بالزيتون مما جعل أثمنة هذه الفاكهة ترتفع بشكل صاروخي نظرا لندرتها.. نتج عنها قلب شامل لمنظومة ثقافية بأكملها لم تصمد أمام غزو كاسح لأنماط ثقافية استهلاكية أخرى.
كما انتبه المتناقشون إلى ضرورة تدقيق ما المقصود بالهوية، فالأمر يتعلق بهويات وليس هوية واحدة، وهو مفهوم خضع لسيرورة تاريخية ولا شيء ظل جامدا ، فليس هناك تنافر بين تعدد الهويات الثقافية عندما تمتزج في هوية واحدة دون اجتثاث الهويات الجهوية والإقليمية باعتبارها شخصيات متميزة، وهذا ما أكد عليه النهج الديمقراطي في وثائق متواترة منذ تأسيسه عبر التنصيص على إعطاء للمناطق ذات الخصوصيات الثقافية والإقليمية أقصى حد ممكن من التسيير الذاتي.
فأهم شيء تتسم به الهوية هي التلازم والاستمرارية في إطار التغيير، ولعل تعدد الهويات التي شكلت هوية الشعب المغربي لا تخرج عن اللغات، هكذا بالتعدد وليس المفرد، باعتبارها أهم ما في الهوية، وقد اعتبر بعض المتدخلين أنه بعد جريمة التعريب جاءت جريمة أخرى تربص بها المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لما سعى إلى دمج ثلاث لغات أمازيغية في لغة واحدة بشكل متنافي مع العلوم الاجتماعية ومع الواقع الفعلي لهذه اللغات، غير أن المناقشات افترقت في تقدير الحرف المناسب لكتابة اللغات الأمازيغية، بين رأي يؤكد على ضرورة مسايرة التطور عبر تصحيح الخطأ المتعمد لبعض الأصوليات الأمازيغية التي انتهجت حرفا من أجل تجهيل الشعب وجعل الأمازيغية غير قابلة للتفعيل بالسرعة اللازمة حتى تواكب التطور واعتبر هذا التدخل أن الحرف اللاتيني باعتباره خطا عالميا ومتطور يشكل الحد الأدنى بين الحرف العربي وحرف تيفيناغ، غير أن متدخل آخر وهو مدرس للأمازيغية كشف أن التلاميذ يقبلون على تعلم حرف تيفيناغ بالسرعة اللازمة. ( لكن هذا الدليل لا يقوى على تأكيد صحة الأطروحة لكون التلاميذ في المستويات الأولى من تعلم اللغة يمكن لهم أن يتعلموا بسهولة أي حرف آخر)
ولعل التخبط الذي تعرفه اليوم سياسة تفعيل الأمازيغية مرده أساسا إلى وجود تصميم سياسي على استبعاد الأمازيغية من أجل ضمان تغلغل العربية والفرانكفونية وهو ما يصادر أهم هوية للشعب المغربي ويعرضها للتهديد بالزوال، في سياق ذلك تم استحضار البند الخامس من دستور 2011 وما يتضمنه من كوابح وتعويم لمطلب الترسيم يؤكد فشل نمط من المعارضات الجمعوية التي انتهت إلى الباب المسدود نظرا لرهان بعض الأطراف على استراتيجيات أبانت التجربة أنها مفلسة ، واستعرض في هذا الصدد بعض الدعاوى التي تغالي في تمجيد العرق والسقوط في نوع من الشوفينية والتعصب نظرا لسهولة ترويج أفكار لم يجر تمحيصها علميا والمصادرة على شعارات بناء الدولة الأمازيغية بصرف النظر عن طبيعتها، وهو نوع من الرغبة في قبول التسوية ولو على حساب الديمقراطية )
وخلص المتناظرون أن النهج الديمقراطي يجب أن يلعب دور محوري في التحالفات مع الإطارات الجمعوية الأمازيغية ذات التوجه التقدمي والعلماني من أجل إخراج مطلب تفعيل الأمازيغية من البلوكاج السياسي، وهذا لن يتحقق بالنسبة لكل المتدخلين دون النضال من أجل فرض تغيير جذري للأوضاع ودمج النضال من أجل فرض الأمازيغية في هذا المسار وفي مقدمة ذلك فرض وضع دستور ديمقراطي يحترم خصوصيات الشعب المغربي في تنوعه ويقر قولا وفعلا بالحق في الخصوصيات الإقليمية والجهوية ويعيد الاعتبار للإنسان الأمازيغي جنبا إلى جنب مع كل المهمشين والمستغلين طبقيا وثقافيا.
النهج الديمقراطي بالحسيمة: تقرير عن ندوة تخليد السنة الامازيغية الجديدة

































