الغبزوري السكناوي
وفاة عبدو نغوم أعادت إلى الواجهة صورة لم تُمحَ من الذاكرة الجماعية، شاب إفريقي تحتضنه ذراع متطوعة من الصليب الأحمر على شاطئ سبتة سنة 2021، هذه الصورة التي اجتاحت وسائل الإعلام وقلوب الرأي العام في أوروبا والعالم، عادت مؤخرا بتفاصيل أكثر وجعًا، بعدما فارق عبدو الحياة في مركز مؤقت للإيواء بمدينة مالقة، حيث كان يقيم في وضع هش وغير مستقر.
فقد أوردت مصادر إعلامية إسبانية أن عبدو، الشاب السنغالي البالغ من العمر 29 سنة، تُوفي دون أن يحصل على تسوية لوضعيته القانونية، بعدما رُحّل من سبتة في إطار ما يُعرف ب”عمليات الإرجاع الفوري”، التي طالما أثارت انتقادات منظمات حقوق الإنسان، حيث أشارت تقارير إلى أن عبدو لم يتلقَّ أي دعم حقيقي، رغم ما مثّلته صورته من رمزية إنسانية قبل أربع سنوات.
القضية، كما تناولتها عدة صحف إسبانية، أبرزت التناقض الصارخ بين زخم التعاطف الرمزي من جهة، والخذلان المؤسساتي من جهة أخرى، فالشاب الذي أثار تعاطف الملايين لم يكن أكثر من رقم في ملفات إدارية منسية، ومثاله يعكس، بحسب مراقبين، إخفاقًا أخلاقيًا وسياسيًا في بناء مقاربة أوروبية عادلة وإنسانية في التعامل مع الهجرة.
وتطرح وفاة عبدو اليوم تساؤلات عميقة، هل تغيرت أوروبا؟ وهل استفادت من دروس أزمات الهجرة المتكررة؟ أم أن مشاهد الحزن والتعاطف لا تعدو أن تكون لحظات عابرة، تُطوى بمجرد انتهاء دورة الأخبار؟ الجواب، حتى الآن، يرشح مزيدًا من القلق، ويعيد سبتة ومليلية إلى دائرة الضوء لا كحدود جغرافية فقط، بل كمساحات لامتحان القيم والمبادئ في عالم يزداد انغلاقًا.
وتظل سبتة ومليلية، بصفتهما المعبرين البريين الوحيدين الفاصلين بين القارتين الأوروبية والأفريقية، نقطتين بالغتي الحساسية في خريطة الهجرة غير النظامية، حيث تتقاطع الأحلام الفردية بالجدران الحديدية للسياسات الأمنية، حيث يحاول مئات الأشخاص سنويًا اختراق هاتين البوابتين في رحلة محفوفة بالمخاطر، مدفوعين بيأس العيش في الضفة الأخرى وأمل النجاة في الضفة المقابلة.
هكذا أعادت قضية الشاب عبدو، الذي توفي بعد معاناة طويلة مع التهجير والإقصاء، تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة لسياسات الهجرة الأوروبية، فرغم تدخل منظمات حقوقية، من بينها اللجنة الإسبانية لمساعدة اللاجئين (CEAR)، التي رفعت قضيته إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إلا أن الدعوى رُفضت سنة 2023، ما أغلق في وجهه كل السبل القانونية.































