محمد لمعيز
تظل الحسيمة، رغم توسعة مطار الشريف الإدريسي ورفع قدرته على استقبال طائرات أكبر، تعيش مفارقة صارخة: مطار مجهز، وخطوط جوية شبه معدومة أو موسمية لا تلبي حاجيات الجالية المغربية المقيمة بالخارج ولا تواكب متطلبات التنمية السياحية والاقتصادية. هذا الواقع يكشف ثغرة كبيرة تحول دون دمج الحسيمة في الدينامية الوطنية، ويحدّ من فرص الاستثمار في المدينة.
لطالما انتظر السكان والفاعلون المحليون أن يواكب القطاع الجوي تطلعات الإقليم، غير أن المطار لا يزال يشتغل بأقل من طاقته بسبب غياب خطوط ثابتة ومنتظمة تربط الحسيمة بالدول الأوروبية وباقي المدن المغربية على مدار السنة.
وتؤكد فئات واسعة من الجالية المغربية المقيمة بالخارج أنها ترغب في زيارة وطنها خلال فصل الشتاء أيضًا، وليس فقط خلال العطل الصيفية الطويلة. غير أن الرحلات الجوية نحو الحسيمة تحولت بالنسبة لهم إلى “عقوبة” حقيقية؛ فالرحلات قليلة، التذاكر مرتفعة، والمسارات غالبًا غير مباشرة، ما يجعل السفر لفترات قصيرة شبه مستحيل. وهكذا يصبح الربط الجوي، بدل أن يقرب المسافات، حاجزًا يعمّق القطيعة ويحرم المدينة من انتعاشة اقتصادية كانت ممكنة خلال زيارات قصيرة ومتكررة طوال السنة. وبدل أن يشكل الخط الجوي محركًا للتنقل والتنمية، أصبح نقطة ضعف تفضح عجزا هيكليا في مقاربة الدولة والفاعلين للحسيمة، رغم كل الإمكانات السياحية والبشرية التي تزخر بها المدينة.
وليس خافيا أن موضوع الربط الجوي نحو الحسيمة طُرح مرارا داخل البرلمان عبر أسئلة شفوية وكتابية تقدّم بها برلمانيون من مختلف الأطياف. لكن هذه المبادرات – رغم أهميتها – لم تترجَم إلى إجراءات عملية ملموسة، ولم تُقنع شركات الطيران بتحمل مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية تجاه المدينة.
المشكل أعمق من مجرد نقص في الرحلات؛ فالمسؤولية موزعة بين الحكومة، ووزارة النقل، والمكتب الوطني للمطارات، وشركات الطيران، ثم المنتخبين المحليين الذين لم يحوّلوا هذا الملف إلى ورش حقيقي. كما يتحمل المستثمرون السياحيون وغرفة التجارة والصناعة والخدمات جزءًا من المسؤولية، لأن تطوير القطاع السياحي لا يقوم على منشآت فندقية جميلة فقط، بل يحتاج إلى وصول سهل وسريع ومباشر للحسيمة.
إن إنعاش الخطوط الجوية نحو الحسيمة ليس مطلبا فئويا، بل رافعة تنموية حيوية ستنعكس إيجابا على كل القطاعات: السياحة، التجارة، الخدمات، الاستثمار، وحتى صورة المدينة. فالمدينة لا يمكن أن تظل رهينة موسم واحد في السنة، بينما يُفترض أن تتحول إلى وجهة شتوية بامتياز بفضل مناخها المعتدل وطبيعتها الفريدة.
اليوم، تحتاج الحسيمة إلى قرار اقتصادي جريء، ورؤية واضحة، وشراكات حقيقية بين الدولة والمستثمرين وشركات الطيران من أجل إنشاء شبكة ربط جوي منتظمة وقابلة للاستمرار. فبدون هذا الشرط الأساسي، ستظل المدينة تعيش في عزلة غير مفهومة، وسيظل مطارها مجرد بناية حديثة بهبوط محدود، بدل أن يكون بوابة حقيقية للتنمية والازدهار.
الربط الجوي ليس ترفا؛ إنه حق تنموي مشروع، وبدونه ستبقى الحسيمة خارج الخارطة الاقتصادية والسياحية، رغم كل ما تملكه من إمكانات.































