وضع الإعلام الإسباني تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة المغربية في سياق يتجاوز رمزية وصول أول امرأة إلى هذا المنصب، رابطا الحدث بالمرحلة الجديدة التي تدخلها العلاقات بين الرباط ومدريد. وبرز في هذا التناول سؤال المصالح الإسبانية في المغرب، خصوصا في ملفات سبتة والهجرة والتعاون الاقتصادي، إلى جانب الاستحقاقات المشتركة التي تجعل استقرار العلاقة الثنائية مصلحة مباشرة لإسبانيا.
وفي قلب هذه القراءة، حضرت سبتة باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة مع الرباط. فقد أعادت التغطية الإسبانية ربط صعود المنصوري بالأزمة التي عرفتها المدينة خلال الأشهر الأخيرة، وبملف القاصرين المغاربة الموجودين فيها، مستحضرة موقفها الداعي إلى العمل مع إسبانيا من أجل عودتهم إلى المغرب. وبهذا، بدا التعيين في الإعلام الإسباني مرتبطاً منذ بدايته بملف يتجاوز السياسة المغربية الداخلية إلى قضية تمس مباشرة تدبير الهجرة والحدود بالنسبة إلى مدريد.
ولم تقتصر القراءة الإسبانية على الجانب الأمني والهجري، إذ حضرت المصالح الاقتصادية والتجارية باعتبارها جزءا من معادلة العلاقة مع الرباط. وأعادت عدد من وسائل الإعلام التذكير بموقف المنصوري من ضرورة إبقاء العلاقات المغربية الإسبانية في مستوى مرتفع، اقتصاديا وتجاريا ودبلوماسيا، رغم الخلافات القائمة. كما حضرت في خلفية التناول الاستحقاقات المشتركة المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، بما يحمله من مصالح وتنسيق بين البلدين.
وفي الوقت نفسه، لم يقدّم الإعلام الإسباني المنصوري باعتبارها مجرد وجه جديد في السلطة المغربية، بل توقف عند تجربتها السياسية وقدرتها على إدارة الملفات التي ستكون لها امتدادات خارجية. فالإعلام الإسباني أبرز مسارها من رئاسة جماعة مراكش إلى الحكومة وقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وربطت ذلك بالتحديات التي ستجد نفسها أمامها، سواء في الداخل أو في إدارة العلاقات مع الشركاء الخارجيين. وفي هذا السياق، بدا صعودها بالنسبة إلى مدريد مسألة تتعلق بما ستفعله في الملفات المشتركة أكثر مما تتعلق بالرمزية التاريخية للتعيين.
وتكشف هذه التغطية أن تعيين المنصوري حُضر في الإعلام الإسباني بوصفه تطورا سياسيا مغربيا له امتدادات مباشرة في الضفة الأخرى من المتوسط. فإسبانيا معنية باستمرار التعاون مع الرباط في الهجرة والتجارة والاقتصاد، لكنها معنية أيضا بكيفية تدبير الملفات التي ما تزال موضع تفاوض أو خلاف، وفي مقدمتها سبتة. ومن هنا جاء الاهتمام بالمنصوري: ليس فقط لأنها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية، وإنما لأنها ستدير، من موقعها الجديد، جزءا مهما من العلاقة التي تتقاطع فيها مصالح مدريد مع حسابات الرباط.
وفي المقابل، لم يحمل التعيين في نظر الأوساط الإسبانية مؤشرا على تغيير في السياسة الخارجية المغربية تجاه مدريد، باعتبار أن العلاقة بين البلدين وملفاتها الاستراتيجية تتجاوز صلاحيات الحكومة، وتظل في جوهرها ضمن مجال القرار الملكي. لذلك يُفهم انتقال رئاسة الحكومة باعتباره تغييرا في مستوى التدبير الحكومي، لا في الاتجاه العام للعلاقات المغربية الإسبانية، التي تستند إلى مسار استراتيجي يتولى القصر تحديد مرتكزاته الكبرى.































