قال الباحث التونسي احميدة النيفر إن ظاهر حال المسلمين مأزوم ولا يبشر بالخير للمسلمين أنفسهم أولاً، و للآخرين أيضاً، وأن المجال العربي في عموم هذا الظاهر هو الأكثر إثارة للمخاوف والمخاطر.
و أضاف النيفرفي حواره مع “ذوات” أن وضع العالم العربي الإسلامي يطرح اليوم أكثر من تساؤل، لأن ما حققته عموم الشعوب الإسلامية كان دون طموحها وتضحياتها، في حين استطاعت شعوب أخرى- كاليابان والصين والهند- أن تحقق، بنسب متفاوتة، خطوات على مسار نهضتها.
كما أكد النيفر أن الدين يحمل معنى للإنسانية وللحياة، غيرأن “فهومنا” التاريخية لهذا التجلي هي فهوم تشكلها ثقافتنا الدينية من خلال وعينا وخبرتنا وتموقعنا، كما يمكن أن تكون تقدمية أو يسارية أو ليبرالية، وهي اجتهاد ناتج عن درجة معاصرتنا للواقع ولتطوراته الإنسانية والمحلية.
وأشار النيفر إلى أن التمثل المميز للإسلام اليوم، يتجلى في مكنونات التجربة الإيمانية التي نحيا بها وبما تحتويه من التحديات المختلفة الفكرية والعلمية والتقنية والحضارية وما ننخرط فيه من حوارات مع المختلفين دينياً ومع غير المتدينين، والتي يصبح بها فكرنا الإسلامي معاصراً؛ أي أقدر على تقديم الإجابات المتكاملة والمتماسكة لتلك التحديات.
وأوضح أن اختيار صفة “إسلاميين” في تونس، ويقصد بذلك الأفراد والطاقات المنضوية ضمن تيار يعمل من أجل تقديم جهد بشري في الفهم والتأويل بما يجعل الالتزام بالنص المؤسس ودلالاته ومقاصده ملبياً لمقتضيات الواقع واحتياجاته، عوض “إسلام يساري” يرجع إلى الرغبة في التميز عن الخيار الذي صاغه الدكتور حسن حنفي.
واحميدة النيفر أستاذ جامعي متخصص في أصول الدين والفكر الإسلامي المعاصر، وأحد أعلام الاتجاه الإسلامي المتقدم،حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات اللغوية والإسلامية من السوربون في باريس، ودكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة الزيتونة في تونس. عضو في فريق البحث الإسلامي المسيحي Groupe de Recherche Islamo-Chretien GRIC ، وهو أحد المفكرين التونسيين، ومن أهم منظري التيار الإسلامي اليساري أو ما يعرف كذلك بتيار الإسلاميين التقدميين، له أعمال عدة، منها: “مختصر تفسير المراغي” 3 مجلدات؛ و”التفاسير القرآنية الحديثة قراءة في المنهج بين القصر والجامع: إضاءة على المؤسسة الدينية الأندلسية”، و”الإنسان والقرآن وجهاً لوجه، لماذا أخفقت النهضة العربية” (بالاشتراك)، و”مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي”(بالاشتراك).
وفيما يلي نص الجزء الأول من الحوار:
* أنت أحد أعلام الاتجاه الإسلامي …تنسبك الأدبيات المعاصرة، مثلما تنسب حسن حنفي، إلى ما يمكن نعته بالإسلام اليساري أو التقدمي أو الليبرالي … كيف تتمثل هذا الإسلام اليوم؟ وماهي حظوظه من التقدم في المستقبل، في ضوء التطورات الحالية في العالمين العربي والإسلامي؟
– لا نقرّ، في توجهنا التقدمي، بوجود “إسلامات”: واحد يساري وآخر ليبرالي وثالث تقدمي، بل نعتبر أن الإسلام واحد وأنه دين أي “وضع إلهي يرشد إلى الحق في الاعتقاد وإلى الخير في السلوك والمعاملات” وفق التعريف التراثي، وهو بالتعبير الحديث: تجلي الله المتعالي الذي أظهر نفسه في العالم وفي ضمير الإنسان، الدين بهذا نداء يحمل معنى للإنسانية وللحياة.
مقابل هذا، هناك فهومنا التاريخية لهذا التجلي، وهي فهوم تشكلها ثقافتنا الدينية من خلال وعينا وخبرتنا وتموقعنا، والتي يمكن أن تكون تقدمية أو يسارية أو ليبرالية. هي بذلك اجتهاد ناتج عن درجة معاصرتنا للواقع ولتطوراته الإنسانية والمحلية.
بهذا، فالتمثل المميز للإسلام اليوم نراه فيما نعبّر عنه من مكنونات التجربة الإيمانية التي نحيا بها وبما تحتويه من التحديات المختلفة الفكرية والعلمية والتقنية والحضارية وما ننخرط فيه من حوارات مع المختلفين دينياً ومع غير المتدينين، والتي يصبح بها فكرنا الإسلامي معاصراً؛ أي أقدر على تقديم الإجابات المتكاملة والمتماسكة لتلك التحديات.
لهذا، فإننا لم نرفع مقولة “إسلام يساري”، بل فضلنا في تونس أن نتميّز حتى عن الخيار الذي صاغه الدكتور حسن حنفي، فاخترنا صفة “إسلاميين” ونقصد بذلك الأفراد والطاقات المنضوية ضمن تيار يعمل من أجل تقديم جهد بشري في الفهم والتأويل بما يجعل الالتزام بالنص المؤسس ودلالاته ومقاصده ملبياً لمقتضيات الواقع واحتياجاته. إلى جانب ذلك، فقد أولينا مكانة محورية لقيمة “التقدم” باعتبار ما تختزنه من دلالات الوعي التاريخي والتراكم المعرفي والفكري وما يشتمل عليه مفهوم “التقدم” من قراءة نقدية بنائية للتراث ومن استحضار لما يستجد من قضايا وما يستتبع ذلك من معاناة واختبارات؛ أي ما يتطلبه “التقدم” من حيوية روحية وحراك فكري واجتماعي منبثق من معرفة العصر ومواكب لتلك الحيوية ورافع لها.
* يقترن اسمك عند الكثيرين، في أغلب الأحوال، بمجلة الفكر الإسلامي المستقبلي “15/21” ويعتبرون أن ظهور هذه المجلة كان من أبرز أحداث الثمانينيات الثقافية والفكرية في القرن الماضي …هل لك أن تُحوْصِلَ لنا القضايا والغايات والآثار البارزة التي اقترنت بها المجلة؟ ولماذا توقفت عن الصدور في عام 1990؟
– أصدرتُ مع مجموعة من الأصدقاء والإخوة مجلة “15/21” في سنة 1982 وتواصل نشرها حتى نهاية عام 1990، حيث تأكد لدينا عندها استحالة مواصلة عملنا فيها. للإجابة عن القضايا الدافعة لظهورها أولاً أذكر أن القضية الكبرى التي شغلتنا عند إصدار المجلة نجدها مختزلة في عنوانها الأول: مجلة “15/21″، والتي تعني أنها مجلة تنطلق من وعي بأننا نعيش إيقاعين حضاريين؛ فنحن في ذات الوقت موصولين بالحضارة العربية الإسلامية (التي يشير إليها القرن 15 الهجري) في أكثر من مجال لكننا أيضاً لا نستطيع الفكاك من مقتضيات الحضارة الحديثة في المستويات الفكرية والعلمية والاجتماعية والسياسية (والتي يرمز لها القرن 21 الميلادي). قضية المجلة بذلك هي قضية التموقع الحضاري الجديد الذي ينبغي أن يتأسس عليه وعينا. مجلة “15/21″ كانت مشروعاً للخروج عن وعيين غير مبدعين: وعيٍ مفوَّت عرفناه حين كان عدد منا ضمن التنظيم الإسلامي العامل بمبدإ ” أستاذية العالم”و” جاهلية القرن العشرين” ووعي الاستلاب الذي أرساه التحديث الشكلي العامل وفقنسقمغلقومسقط وبعقلانيةأداتيةغير قادرة على استيعاب ثقافة الجمهور وطاقاته واحتياجاته.
من هنا تصبح قضية التموقع بين سياقين حضاريين أساسُ ثراءٍ ومنطلقُ وعيٍ جديد يرفض أن يكون وعيَ مزامنة ومعايشة الواقع الحاضر بقطع النظر عن الانسجام مع أوضاعه أو عدمه ويرفض في ذات الوقت أن يكون قاعدة نقمة على الأزمنة الحديثة الرافضة لكل إصلاح ديني جدّي.
الوعي الجديد للتموقع المثنّى لمجلة “15/21″ يؤكدها عنوانها الثاني:”مجلة الفكر الإسلامي المستقبلي” الذي يعمل على إرساء منظور مغاير يعاد به بناء المنظومة الثقافية للمجتمع بما يمكّن من ممارسة فكر نقدي للموروث الديني وللمشروع الإصلاحي الحديث في مستوياته الفكرية والسياسية والاجتماعية إسهاماً في جعل نسق المجتمع القيمي والتصوري أقدر على إنتاج متناسب مع مقتضيات العصر في المستويات المادية والعقلية والروحية.
أما الغاية من مشروع المجلة، فيمكن تلخيصها في:
– تضامن النخب مع مجتمعها وثقافته ومطالبه الرئيسة.
– وفي مصالحة المجتمع مع مكوناته المختلفة بشكل يتحول معه الفرد إلى طاقة إبداع وتضامن.
– هي مصالحة تقتضي تأهيل الثقافة الوطنية بما يجعلها في مستوى التفاعل والإضافة للحضارة الإنسانية.
هذا المشروع الذي انطلق أوائل ثمانينيات القرن الماضي وتوقف مطلع التسعينيات الموالية واكب عشرية الحرية في تونس، ليتوقف مع تغوّل السياسات الأمنية وسيادة التعسف القامع للفرد والمجتمع في المستوى الوطني المحلي.
عربياً، زامن توقف مشروع مجلة “15/21” ظهور سياق التدابر العربي مع حرب الخليج الأولى مطلع التسعينيات وما تلاها من رجوع الجيوش الغازية للبلاد العربية وانفراط عقد الدول الوطنية تدريجياً، لتفسح هذه النكسة المجال للغلو والعنف والطائفية التي تؤول بالتدابر العربي إلى تدمير ذاتي.
اليوم حين نتساءل عن آثار هذه المجلة في ضوء ما آلت إليه الأوضاع التونسية خاصة، فإننا نلاحظ أن جانبا مهما من المتعلمين والنخب التونسية ممن عايش هذه التجربة وعرفها منخرط بصورة من الصور ضمن مقولة ” عقلنة المسار الثوري” من خلال أنشطة مدنية وسياسية وفكرية وثقافية ومؤسساتية تفعّل منظومة جديدة من قيم الحرية والحداثة الفاعلة والمثاقفة والتضامن لمنع عودة النظام السلطوي أيا كانت أسماؤه ومضامينه.
لهذا، فإني أعتقد أن مساهمتنا في تركيز ثقافة الحوار والتعدد، كانت مبادرة مقبولة أمس، إذ ساهمت مع أطراف حداثية وطنية في تقديم بديل إصلاحي في مجالي الفكر والتعليم والإصلاح الديني، وهي تجد نفسها اليوم أمام سياق تواصلي داعم يستدعيها ويطلبها، لأنها الأنسب للواقع المحلي والخارجي، ولأنها قادرة على تعميق المسار نفسه لبناء بدائل مستقبلية.
*كيف تصف حال الإسلام والمسلمين اليوم؟ وإلى أين تتجه مصائره ومصائرهم في العقود المنظورة؟
– ظاهر حال المسلمين مأزوم ولا يبشر بخير للمسلمين أنفسهم أولاً و للآخرين أيضاً، واللافت للنظر أن المجال العربي في عموم هذا الظاهر هو الأكثر إثارة للمخاوف والمخاطر. يطرح هذا الانطباع عن وضع العالم العربي الإسلامي اليوم أكثر من تساؤل ذلك أن ما حققته عموم الشعوب الإسلامية كان دون طموحها وتضحياتها، في حين استطاعت شعوب أخرى- كاليابان والصين والهند- أن تحقق، بنسب متفاوتة، خطوات على مسار نهضتها. حصل ذلك رغم أنّ ظروف هذه الأخيرة كانت مشابهة لما عرفه المسلمون، بل كانت أقسى كما تطلّبت فترات زمنية مقاربة أو أقصر مقارنة بانطلاق وعي المسلمين بالحاجة إلى الانبعاث. لذلك قد يصح في شأن ما جرى طوال القرنين الماضيين استحضار المثل القائل: ” كأنك يا أبا زيد ما غزيت”؟
ما أراه يختلف مع هذه النظرة السوداوية لما يجري في العالم الإسلامي، لأني حين أتابع حركة الوعي في العالم الإسلامي، والتي كانت حصيلة جهود ثلاثة أجيال متوالية على الأقل أدركُ أن الأمر ليس كما قد يدل عليه ظاهر مجريات الأحداث. عالمنا الإسلامي ما يزال مأزوماً دون شك لكنه عالم عمل ويعمل على مغادرة الحالة السكونية المقطوعة عن تاريخه وعن عالمه.
إن وعينا المعاصر صار يعمل بصورة أكيدة على تجاوز ما يسميه “مالك ابن نبي” بـ “إنسان ما بعد الموحدين”، وهو إنسان عصر انحطاط المسلمين، من أجل التوصل إلى صناعة الفعل المستقلّ والإنساني في المجالات الحضارية الكبرى: عالم الأشياء وعالم الأفراد وعالم المؤسسات وعالم الأفكار.
لنتذكر أن حديث البعض عن عطالة العالم الإسلامي بهذا الإطلاق غير دقيق، بل غير صحيح، لأن أجزاءً مهمة من هذا العالم، قد خطّت لنفسها خططاً ومشاريع لتحقق بها التحول الحضاري المنشود. لكن القسم المعوّل عليه في عملية التركيب بين تلك الخطط والمشاريع من أجل تركيزها هو المشروع العربي الذي لم يتبلور بعد، وهذا ما يؤدي إلى تواصل تأزم العالم الإسلامي.
على المشروع العربي المنتظر تقع مسؤولية مزدوجة إزاء ذاته ثقافةً ومجتمعات ومؤسسات وإزاء الآخرين الذين يشتركون معه في رهانات البناء الحضاري العالمي من المسلمين ومن غيرهم. من أهم تحديات هذه المسؤولية التي تقع على عاتق المشروع العربي، حسم الصراع على الإسلام الدائر حالياً، وهو الصراع الذي تأكد بصورة غير قابلة للتراجع مع هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة. هذا الصراع الذي صار متمركزاً اليوم في الداخل العربي بأسماء مختلفة وحزبيات متنوعة، والذي يبدو وكأنه تعظيم للشأن الديني في حين أن غالب العاملين فيه يعملون من أجل الإفادة من سلطته سياسياً.
لهذا، فهناك أكثر من احتمال لهذا الحال لكن المرجح هو أن تهميش العالم الإسلامي وإخراجه من حلبة التنافس والإسهام الحضاري أمر مستبعد، وأنه إذا حصل فسيكون ظرفياً ونتيجة إكراهات قوية. ذلك أن منطق التاريخ الحضاري شامل وعالمي لا يسمح بالإقصاء وأنه إذا حصل، فإن للتاريخ “مكراً” لا يمكن أن تخطأه عين المتابع.
“مكر التاريخ” هو الذي كثيراً ما يجعل التقدم الخطي للتاريخ البشري مواجهاً لعوائق صيرورته نتيجة صيرورة أخرى للتاريخ وللعقل المطلق الذي يسكنه وللحرية الحقيقية لروح ذلك التاريخ.
من جهة ثانية، فإن صميم المشهد العربي يعبر عن مخاض المعاصرة الثانية التي يمكن أن تبني الحداثة العربية المنشودة.
هي معاصرة مختلفة في قضاياها وحدتها ومآلاتها عن الأولى التي دشّنتها نخب الإصلاح في البلاد العربية منذ القرن التاسع عشر لكنها متفقة مع سابقتها في خصوصيتها الصميمية، والتي تفرض على النخب والقيادات الفكرية الوصول إلى الالتحام بشروط الوعي العالمي الصاعد.
وخصوص الإجابة عن سؤال: أين تتجه مصائر المسلمين من خلال مخاض معاصرتهم الثانية الحالية؟ يجدر بنا أن نؤكد على أمرين أساسيين؛ يتعلق الأول بخصوصية هذه العقود التي افتتحنا بها الألفية الثالثة وما يوافقها من عقود القرن الخامس عشر هجري. نحن جميعاً نعيش في هذا الطور تغيراً لنظام الحياة الإنسانية بصورة غيرمسبوقة عبر إنشاء عالَم افتراضي قائم علىمنظومات معلوماتية وشبكات رقميّـة تمكّنمن تفعيل العالَم الماديّ المباشر المحيطبنا، وكذلك عالَم فكرنا وتصوّراتنا. معنى ذلك هو أن المسلمين عند الوعي بطبيعة هذا “التحول العولمي” سيدركون أنهم جميعاً أفراداً ومجتمعات ومؤسسات مدعوون إلىمباشرة قضاياهم عبر حضور مكثّف لبُعدٍكونيٍّ تعدّدي بصورة غير مسبوقة ولا تتحمل انتقاءً أو إقصاءً، بل هي مطالَبةٌبالإضافة وقادرةٌ عليها. بهذا، فإن المركزية الثقافية ومعها الــــ”أنا” المحلّي والضيّق محكوم عليه أن يُضحي الـ”نحن” الجديد العابر للثقافاتوالخصوصيات التقليدية، وهذا يقتضي إنتاج وعي جديد مختلف عن شروط الوعي التاريخي السابق لكافة المجتمعات والثقافات.
إن أدرك المسلمون أنهم أمام مجال حيوي جديد ينفتح لهم به أفق حضاري ممتد يمكّنهم من القوة والفاعلية بما يرتقي بهم إلى مكانة إنسانية طالما سعوا إليها، فإنهم ناجون. مقابل ذلك، فإن اندحارهم مؤكَّد إن تواصل الخوف العربي من إنجاز مشروعهم الحضاري بوعي تاريخي معاصر يجيب عن الأسئلة الكبرى: هل نحن اليوم خير أمة؟ كيف نتعاطى مع مجالات الغموض الكبرى في التاريخ الإسلامي؟ أي مدخل ينبغي توخيه لبناء موقعنا الحضاري ضمن المسيرة الإنسانية؟
أما الأساس الثاني، فهو مكمل للأول ويتعلق بطبيعة العلاقة مع الأحداث والتحولات الكبرى التي يعيشها الإنسان اليوم. في هذا الصدد، فمن الضروري التأكيد على أن أهم وأخطر ما في تحولات هذا الطور ليست الأحداث في حدّ ذاتها ولكن في تمثّلها وفي كيفية فهمها وطبيعة الإجابات التي تُقدَّم تصدياً لتبعاتها. ذلك أن أحداث التاريخ مهما عظُم شأنها تبقى “محايدة”، وإنما الذي يجعلها تنحو وجهة دون أخرى هو نوعية الفكر الذي تعالَج به تلك الأحداث والآليات الثقافية والحضارية التي تستعمل في ذلك.
في كلمة، مصائرنا مرتبطة بطرق تكويننا ومناهج تواصلنا مع ذواتنا ومع الآخرين ومنظومة القيم المعتمدة لدينا.
* أنت من المنافحين عن التعددية الثقافية التي يرى فيها خصومها الأشداء مبدأً للتجزؤ والتشظي والانقسام والتفتت في المجتمعات العربية والإسلامية…كيف تُسَوّغ هذه التعددية بأشكالها المختلفة: المذهبية والعقيدية والدينية والإثنية و…؟ وكيف تقيّم المواقف المضادة لها؟
-التعددية الثقافية والدينية والمذهبية واقع تاريخي وموضوعي معيش لا يمكن تجاهله ولا نتوقع أن يختفي. لكن ما يميّز عموم حياة المسلمين اليوم هو اعتبار التعدد مجرد عَـرَض طارئ لا يمكن الرضا به ويجب تجاوزه لا محالة. مسوغ هذا النزوع الشديد لفرض فكر واحد وخطاب واحد ونمط أحادي في الرؤية والسلوك هو أحد أمرين: إما انطلاق من رؤية سكونية ولاتاريخية للهوية، وإما الحرص على توحيد الصف توقياً من الانقسام والتفتت.
ما نراه أن هذا وذاك لن يزيدنا إلا افتراقاً وضعفاً، لأنه نزوع مناقض للتوجه المؤسس الذي نجده في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة والتجربة الحضارية التي بناها المسلمون في مرحلتهم التأسيسية الأولى.
إنه نزوع بعض المسلمين في الأزمنة الحديثة للتعبير عن عدم استطاعتهم أو رفضهم التمييز بين عقيدة “التوحيد” المؤسسة للإسلام وبين مفهوم “التماثل” الذي يُظـَن أنه يجب أن تصطبغ به حياة المسلمين العقدية والفكرية والمذهبية. الصحيح هو أن
لهذا، فإن مسألة التعدد ترد في القرآن الكريم ضمن حقل دلالي واسع تحدده عبارات مرتبطة بمقصد الخلق وما اتصل بمجال الإيمان والكفر من معاني ” التعارف ” و” العفو” وعدم “الإكراه” و “التذكير” وما ارتبط بسنن التاريخ وحراك المجتمعات. وتتدعم قيمة التعدد واحترام الاختلاف في دوائر أخرى، مثل قوله تعالى:” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.
ما ندعو إليه اليوم في خصوص هذه التعددية هو الإعراض عن ” الحصرية” الناشئة عن التمركز على الذات بما يفضي إلى الإيغال في الحرفية واللاتكافؤ و بما يقضي على العلاقة التفاعلية بين الاختلاف والتكامل للاعتقاد أن الخلاص والنجاة حكرٌ لدى فرقة أو طائفة بعينها لا تتجاوزها لغيرها بما يفرغ قيمة الاستخلاف من كل حس تاريخي ومن أية فاعلية تجديدية.
التعاطي المقترح من جهتنا مغاير لما هو منتشر اليوم، إذ إن هناك ضرورة حيوية لتجاوز الإدراك “الممركز على الذات” عند التعامل مع الآخر ومع المختلف وفي معالجة قضايانا ومشاغلنا ومستجدات العالم. ذلك يعني أنه إذا حللنا مشكلة علاقتنا بالآخر سنتخلص من قسم رئيس من قيودنا وعوائقنا. أفق رؤيتنا، أياً كان اعتقادنا ومذهبنا وعرقنا وطائفتنا، ينبغي أن يرتبط بإدراكنا أن سبل معالجة مشاغلنا و مشاكلنا لا بد أن ينطلق من الدائرة الأوسع، دائرة التعدد المحلي والإقليمي والإنساني.
هي دائرة وعي تنطلق من العام إلى الخاص ومن التعدد إلى الذات ومن ” الأطراف” إلى المركز. هي ديناميكية ” الذهاب والإياب” التي تتمثل الاختلاف وخصوصياته بصورة تجعل العود منه إلى ما دونه من اطراد ومن مشاغل ذاتية ومحليّة يكون أكثر نجاعة وفاعلية وسدادا مما لو انزوت رؤيتنا مقتصرة على خصوصيتنا العقدية أو المذهبية أو ما شابهها وما تتوفر عليه من إجابات وتصورات جاهزة. ثم إن الذوات المأزومة لا تتوصل إلا إلى رؤى قاصرة أو معدومة الفاعلية، وهي لن تغادر أزمتها إلا إذا حيّنت رؤيتها للآخر وللعالَم.
ما يلاحظ أن عموم الفاعلين في المجال الديني والثقافي لا يتبعون هذا الخط، بل يعملون في الاتجاه المعاكس المنطلق من الخصوصية العقدية أو المذهبية أو الإثنية التي يعضون عليها بالنواجذ وكأنها في وضع سويٍّ لمعالجة المشاكل القائمة محلياً وعالمياً فلا يصلون إلا إلى حلول منحرفة، لأن الوعي الذي اعتمدته مفوّت.
المواقف المضادة هي مواقف رافضة للمثاقفة التي تعني الحوار بين المختلفين داخل الثقافة الجامعة المشتركة وأساس هذا الرفض للانفتاح على الآخر والعمل على فهمه هو الاعتقاد الخاطئ بأن المكونات الذاتية المذهبية والطائفية مؤهلة لكي تطرح وحدها حلولاً جذرية للمشكلات المستجدة التي تواجه النخب والمجتمعات العربية والإسلامية ومؤسساتها.
حاورته: نزهة صاق: ذوات































