يسعى كثير من مثقفينا اليوم إلى بعث فلسفة إسلامية؛ أي فلسفة تستمد مرجعيتها من الروح الكامنة في التعاليم والمقاصد التي استبطنها الدين الإسلامي، لكنهم غالباً ما يصطدمون بشبح الإسلام الكلاسيكي الذي امتزج بروح الإسلام، امتزاج من هذا النوع لا يمكن أن ينجر عنه سوى تاريخ راكض آسن، يتمرغ فيه مسلمون يمتلكون ذهنا عاجز ا عن التمييز بين التحقيب والتزمين، بين روح الإسلام وحضارة الإسلام. ومن ثم، نجد الدعوة إلى العودة إلى الإسلام كما يقول الدكتور عز الدين عناية ” غير مدركة للتاريخانية، حيث تتمثل الذات التاريخية بشكل كتلوي غير قابل للوعي والاختراق الداخلي، المولد للوعي، فأنشأ الأمر عياء في رسم سبل عودة حضارة القرآن، التي تستلزم الانبعاث ضمن تأويلية مستجدة تتحقق فيها المعادلة بين الروح القرآنية الخالدة والمتطلبات التاريخية المبتذلة“.
نحن اليوم أكثر مما مضى في مسيس الحاجة إلى تجاوز ترديد المناهج القديمة، وتحويل البحث نحو مورفولوجيا عقدية اجتماعية، وفق فهم إنساني متأن ، بعيدا عن اجترار الطروحات المتقادمة وتوسيع دائرة فاعليتها وأثارها لتشمل واقعنا الحالي، وذلك بعدم إظهار الموالاة لا للتسنن ولا للتشيع ، لا للمعتزلة ولا للأشاعرة، لأن أفكار تلك الفرق والمذاهب منبثقة من ظروفها التاريخية والمعرفية، فهم إنساني يمكننا من الوعي بإشكالاتنا، انطلاقا من رؤية مستقلة منبعثة من واقعنا ضمن تأويلية مستجدة.
تواجه مجموعة من المحاولات العلمية التي أدركت ركوض العقل الإسلامي، رغم قلتها حربا ضروسا تقوضها المؤسسات والقنوات التي تستحكم بالمعرفي، ونذكر منها أعمال محمد أركون، نصر حامد أبو زيد، كمال سليمان الصليبي، عز الدين عناية، عدنان المقراني وحسن سعيد جالو وعامر الحافي… .
يؤدي هذا الانغلاق اللاهوتي الذي يطبع الفكر الإسلامي إلى تشكيل إكليروس ديني مضمر يتحكم بالإسلام ويرفض أية تأويلية مستجدة له، بل ويظهر عداوة مقيتة للعلوم الحديثة التي ليس له أدنى دراية بتخصصاتها، ورغم ذلك نجد الشيخ الهمام يفتي في كل المجالات، بدءا من السياسة والاقتصاد وصولا إلى الفن والاستنساخ… ويظهر فهمه على أنه حكم القآن والإسلام. هل يمكن لفهم غبي ساذج لا منطقي أن يقنع مثقفا مشبعا بالعقلانية والحداثة والصرامة المنهجية؟
يؤدي الانغلاق اللاهوتي الذي يطبع الفكر الإسلامي إلى تشكيل إكليروس ديني مضمر يتحكم بالإسلام ويرفض أية تأويلية مستجدة له.
لا يمكن لوضع مركب كهذا، إلا أن ينتج مسلما مقلوبا يعاني من تبعية تفسير القرآن لا نص القرآن، مسلم لا يقوى على التمييز بين الكلمة الإلهية ( النص) والكلمة البشرية( التفسير). مسلم ذو ذهنية أسطورية متينة يصعب احتراقها، إذ سرعان ما تظهر أنيابها لكل محاولة تسعى إلى إنتاج تفسير تحليلي بنيوي يزاوج بين علوم العصر والقران الكريم. مثل ما تعرض له الشيخ محمد عبده، عندما ذهب مذهبا مغايرا في تفسير معنى بعض آيات الكتاب، المتعلقة بطير الأبابيل وحجارة السجيل، الواردة في سورة الفيل، بصفتها آفات جرثومية يمكن أن تكون ناشئة عن حشرات من جنس الباعوض أو الذباب الحامل لبعض الأمراض، فتكون الحجارة من الطين الممسوس اليابس الذي تحمله الرياح، يعلق بأرجل الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، حتى يثير فيه القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه… وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصى عددها ولا بارئها.
يبدو أن كل أرثوذكسية عقائدية تؤدي إلى تشكيل مثل هذا السياج حول نفسها، وحول عقيدتها وأفكارها ويقينياتها ومسلّماتها، وتعمل على حصرها و حصر أتباعها في تلك المنطقة المسوَّرة والمسيجة والمغلقة من كل الجهات الشيء الذي يؤدي إلى الانقطاع والانعزال، السياج الدوغمائي يضع حدودا بين المفكر فيه والمستحيل التفكير فيه، ومن جهة أخرى يؤدي إلى الاعتقاد بامتلاك الحقيقة دون الغير واتخاذ مواقف مسبقة وإصدار أحكام جاهزة تؤدي إلى تكفيره وبالتالي إلى استباحة دمه. لكن أليس كل مجتمع عقائدي يحيط نفسه بسياج رمزي,
يتعلق المفكر فيه بما يسمح به الفكر والتصوُّرات والعقائد والنظم الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها أو يخاطبها المتكلم، وبالفترة التاريخية من فترات تطوُّر تلك الجماعة. ثم إنه يتعلَّق كذلك بما تسمح به السلطة القائمة في المجتمع أو الأمة اللذين يتضامن معها المتكلم.
أما ما لا يمكن التفكير فيه، فيعود إلى ما تمنعه السلطة السياسية أو الرأي العام، إذا ما أجمع على عقائد وقيم مقدسة وجعلها جوهراً مُؤسِّساً لكينونته ومصيره وأصالته.
ما الحل؟
من أجل تجاوز كل هذا، لا بد من إحلال الرؤية الإنسانية العقلانية للعالم والإنسان بدل الرؤية اللاهوتية المغلقة، وهذا يقتضي إعطاء قيمة للإنسان واعتباره غاية ومصدرا للمعرفة يفتح آفاقا جديدة لمعنى السعي البشري لإنتاج التاريخ. هذا هو الشرط الأساس لتحرير العقل من القيود التي كبلته على مر العصور، وبالتالي فتحه على التأويل الحر لذاته وللعالم.
لقد أصبح العرب كما يقول الدكتور فتحي المسكيني، اليوم جزءا من العولمة وبالتالي فإن مشاكلهم تحولت إلى مشاكل عالمية، وهذا ما يسوغ التعامل مع أدوات التفكير الغربي من أجل فهم واقع هذه المجتمعات وسكانها، كما أن هذه التحولات هي التي تجعلنا على بينة من نهاية العصر الهووي على جميع الأصعدة .
وإذا كانت الفلسفة هي نمط نادر من إنتاج الحقيقة، وإعدادا للعقول الحرة والتزام مدني بقيم المعرفة، فإنها ستكون بالفعل كما صرح نيتشه فنا للبحث عن أنوار جديدة ؛ أي انوار حقيقية وليست مستعارة أو استهلاكية دعوية، أنوار تنهض على العقل الحر لكن شريطة أن تكون الحرية مشتركة بين هذه العقول.
العالم العربي اليوم في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الإجابة عن السؤال”من نحن؟“.
فنحن في حاجة اليوم أكثر من أي وقت آخر إلى إعادة إنصات شديدة لأنفسنا المحسوسة واليومية كما تعبر عن نفسها في بعدها البشري والكوني، بعيدا عن أية أجوبة ثقافية نهائية حول من نكون أو ما يجب علينا أن نفعل؟
إن الإجابة الهووية عن السؤال المرير “من نحن؟” قد انقلبت اليوم إلى عائق أخلاقي أمام التجربة الحرة لأنفسنا بأنفسنا، وهي عائق من فرط أنها لا تعدو أن تكون دفاعا عدميا عن إجابة فقدت كثيرا من أصالتها؛ فالإنسان في أفقنا الروحي لم يعد بعد إلى ذاته كما فعل في أماكن أخرى من القرية الروحية التي تمثلها الإنسانية حاليا. إنه مازال مطالبا باقتناء هويته من خارج ذاته ككائن ممنوع سلفا من أي اختراع حيوي لمرجع وجوده. فنحن نعاني من فائض هوية لم يجد بعد الأفق الملائم لبلورة تجربة الذات التي تؤسسه. ويبدو أن العائق الأكبر أمام التحول من نموذج الهوية إلى نموذج الذات هو غياب الإمكانية الجذرية للحوار.
إن الانخراط في عصر الحرية لا يمكن أن يتم إلا إذا انتقلنا من ثقافة الأصالة إلى ثقافة الحرية وأسسنا حداثتنا على ذات بدون هوية مهما كانت طبيعتها عرقية أو دينية أو سياسية. كما أن حوار الهويات غير ممكن لأن الأفق الوحيد للحوار هو الحوار بين الذوات الحرة.































