التبريس.
بداية نرحب بالسي عبد الحميد توفيق، ونطلب منه بإيجاز إعطاء نظرة عامة حول الوضع البيئي بالريف،
كمتتبع وفاعل على أكثر من مستوى في المجال البيئي، هل الوضع مقلق حقا؟
بداية أشكر موقع ألتبريس على اختيار هذا الموضوع الحساس، و الذي للأسف لا يأخذ حقه في النقاشات العمومية، بالرغم من أن الموضوع يتعلق بمستقبل الحياة بشكل عام.
الوضع البيئي بالريف لا يختلف كثيرا على الوضع البيئي العام في المغرب، فإذا كان التلوث الكيميائي للهواء و الماء بالمنطقة، ليس بالشكل الذي نرصده في بعض المناطق الصناعية المغربية، فإن دعامات الإنتاج، من تربة و غابات و موارد بحرية، قد تم تدميرها بشكل فضيع و لا يزال هذا التدمير مستمر.
و من أهم الأضرار البيئية التي يعاني منها إقليم الحسيمة نذكر:
– فقدان التربة: تعتبر التربة دعامة حيوية لكل إنتاج فلاحي و غابوي، كما أنها تقلل من السيلان السطحي لمياه الأمطار مما يقي من الفيضانات. وتعرف سلسلة جبال الريف أعلى نسب تعرية التربة على المستوى العالمي، بحيث تتجاوز 2000 طن في الكيلومتر المربع خلال السنة الواحدة، الشيء الذي يمكن اعتباره كارثة طبيعية بمعنى الكلمة، ويعود سبب ذلك إلى طبيعة التضاريس المهيمنة على المنطقة، و التي تتميز بكثرة المنحدرات – %90 من أراضي الريف الأوسط عبارة عن تلال و جبال- بالإضافة إلى خصوصيات التساقطات المطرية و التي تكون، في الغالب، قوية بالرغم من قلتها. لكن الإنسان فاقم و سرع من وتيرة هذه الآفة، بتدميره للجهاز الواقي للتربة، ألا و هو الغطاء النباتي، خاصة الغابوي منه، و ذلك بفعل الاجتثاث و عدم التخليف و الرعي المكثف و الحرائق و التعمير غير الذكي بالإضافة لطرق إنتاج غير ملائمة كزراعة الحبوب في الأراضي المنحذرة، الشيء الذي تحاول أن تحاربه وزارة الفلاحة و الصيد البحري، من خلال مخطط المغرب الأخضر، بتعويض زراعة الحبوب بغرس الأشجار المثمرة.
-تراجع الغطاء الغابوي، فإذا كان الغطاء الغابوي يمثل وقاية طبيعية للتربة و مصدر للعديد من الموارد الطبيعية، فإنه تعرض، في الماضي، و لازال يتعرض للتدمير المستمر، خاصة في المناطق التي تعرف زراعة القنب الهندي، كما أن حمايتها و تخليفها من طرف مندوبية المياه و الغابات و محاربة التصحر لم يكونا ناجعين، لأسباب مختلفة من بينها الفساد و غياب المحاسبة التقنية و المالية.
– تعمير المجالات الصالحة للإنتاج: لقد كان أجدادنا أكثر فطنة و ذكاء منا فيما يخص استغلال المجال، و يمكن اكتشاف ذلك عندنا بسهولة عند إمعان النظر في الأماكن التي كانوا يشيدون فيها سكناهم، فغالبا ما تكون هذه الأماكن ضعيفة الإنتاج و محمية من كل الأخطار، أ كانت هذه الأخطار طبيعية أم بشرية، لكن نحن و ببلادتنا أصبحنا ندمر كل الأراضي، التي كان من المفروض أن تخصص لإنتاج تغذيتنا، بالتعمير العشوائي ، ولنا خير مثال في سهل النكور ومنطقة آيت قمرة ، و الدور آت على حوض بني بوفراح، و هنا أستحضر مقولة تستحق التأمل “ إن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعله العدو في عدوه”
– تدمير الحياة البحرية : عان الوسط البحري بالمنطقة، و لا يزال يعاني من التدمير المستمر، نتيجة غياب التدبير المعقلن لهذا المورد الطبيعي و اعتماد تقنيات صيد لم تعد مقبولة نظرا للأضرار التي تسببها للمنظومات البيئية البحرية، الشيء الذي ينعكس سلبا على المخزون السمكي. و هنا أود أن أثمن العمل الذي قام به النسيج الجمعوي المحلي في الضغط على الجهات المسؤولة التي بدأت تتفاعل مع الإجراءات الوقائية كمحاربة الصيد بالمتفجرات و استعمال الشباك العائمة، و تجهيز قوارب الصيد بالجر بجهاز VMS لتحديد مواقعها قصد منعها من الصيد في المناطق المحظورة عليها.
أما فيما يخص التلوث البحري وإن لم يكون خطيرا نظرا لعدم و جود مناطق صناعية، لكن تبقى النفايات الصلبة ، من أكياس بلاستيكية و قنينات و بطاريات …و المواد الكيميائية الفلاحية التي تحملها مياه الأمطار إلى البحر من أهم الملوثات البحرية في الوقت الحالي، بالإضافة إلى تصريف المياه العادمة ، كحالة شاطئ صباديا و تلا يوسف انطلاقا من مركب تشافارينا, و شاطئ كلابونيطا.
– تدمير المجال الساحلي: يعتبر الساحل وسط طبيعي مستقل و جد حساس للتأثيرات البشرية، و هو يدمج خصوصيات بحرية و أخرى برية، ومن أهم مشاكل الوسط الساحلي: التعمير،نهب الرمال، النفايات الصلبة و السائلة، الاصطياف غير المنظم.فقانون الساحل الذي صودق عليه مؤخرا، و الذي ظل لسنوات في” ثلاجة القوانين” يجب أن يفعل في أقرب الآجال، عبر استصدار المراسيم التطبيقية الخاصة به، لحماية ما يمكن إنقاذه من قبضة سماسرة العقار السياحي. و هنا نحي الضغط الذي مارسه المجتمع المدني المحلي في التخفيف من أضرار” المشروع السياحي” بالموقع السابق لنادي البحر الأبيض المتوسط،، لكنه لم يتوفق من إيقاف مهزلة شاطئ ماطاديرو.
– تراجع التنوع البيولوجي و هذا له علاقة بالعوامل السالفة الذكر، فمع تدمير المنظومات البيئية ندمر مساكن الحيوانات و مصادر غذائها . هكذا نسجل اختفاء بعض الأنواع منها ما هو بري وما هو بحري كحالة اختفاء الفقمة المتوسطية من الساحل المتوسطي المغربي و تراجع أعداد أنواع أخرى كحالة بعض الكواسر كالسرنوف العركي و العقاب الملكي.
لكن لا يجب إغفال تراجع ما يسمى بالتنوع البيولوجي الوراثي، فمع إدخال بذور جديدة، بدعوة أنها أكثر مردودية، تم التخلي عن البذور التي تم انتقاؤها من طرف السلف و التي، و إن كانت مردوديتها متواضعة، لكنها أكثر تكيفا مع مميزات المنطقة و لا تحتاج إلى مياه كثيرة و لا لمبيدات أو أسمدة كيماوية.يمكننا اعتبار فقدان البذور المحلية ( الذرة، القمح, الشعير…..) من بين الكوارث البيئية التي لا يعيها إلا القلة.
ما حجم تدخل الجهات المعنية لحماية البيئة في الريف؟
المقلق في هذا الشأن هو أن الوعي البيئي لدى الجهات المعنية يتسم بالتواضع اولقصور في إدراك الخسائر الحالية و المستقبلية والتي قد تنتج عن عدم حماية البيئة. لقد خلصت دراسات أجرتها كتابة الدولة المكلفة بالماء والبيئة سنة 2010، إلى أن التكلفة السنوية لتدهور البيئة بالمغرب، تصل إلى حوالي 13 مليار درهم؛ أي ما يعادل 3,7 في المائة من الناتج الداخلي الخام، كما أن تكلفة استصلاح البيئة تعادل 1,8 في المائة من هذا الناتج، في حين تبقى النفقات العمومية في مجال البيئة جد محدودة ولا تتجاوز 0,7 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
فالقضية البيئية هي أعمق بكثير مما يتصورها الكثيرون، و رهاناتها تطمح إلى مراجعة أنماط الإنتاج الحالية لتتماها مع الدورات الطبيعية و المنظومات البيئية بهدف الحفاظ على استمرار الحياة على هذا الكوكب.و انطلاقا من هذا التصور يمكننا إنتاج ثقافة جديدة للتنمية، توفر نمط حياة سليم للأجيال الحالية و لا تمس بمستقبل الأجيال اللاحقة.
أمام هذا الواقع يمكن القول بأن تدخل الجهات المعنية لحماية البيئة في الريف هو شبه منعدم، باستثناء بعض التدخلات المعزولة و المنسباتية و التي لا تندرج في إطار إستراتيجية واضحة المعالم.
كأحد رواد العمل البيئي في مجال المنتزه الوطني للحسيمة، هل يمكن أن تلخص بإيجاز مشاكل هذه المحمية الطبيعية بحريا وبريا؟
كي لا أدخل في التفاصيل ، فإننا نعتبر الإشكالية الأساسية التي تعاني منها المناطق المحمية في المغرب و من ضمنها المنتزه الوطني للحسيمة هي الغياب الشبه التام للتدبير و التسيير، و هذا ناتج عن الأسباب التالية:
الخصاص التشريعي لتدبير المناطق المحمية، فبالرغم من صدور قانون المناطق المحمية بالمغرب سنة 2010 ، إلا أن المراسيم التطبيقية التي ستفعله لازالت لم ترى النور. كما أن هذا القانون لم يشر إلى المجالات البحرية ، خاصة أن ما يقارب % 40 من مساحة المنتزه الوطني للحسيمة هي وسط بحري. و هذه إشكالية كبرى، فكيف ستدبر المندوبية السامية للمياه و الغابات و محاربة التصحر مجالا ليس من اختصاصها ؟ و لا تتوفر على الموارد البشرية المؤهلة، من متخصصين في العلوم و التقنيات البحرية، للقيام بذلك.
المستوى الثاني من المشاكل هي التدبير الإداري و التقني و المالي للمنتزه، و هذا المشكل مرتبط بالمراسيم التطبيقية لقانون المناطق المحمية، ففي غياب إدارة مستقلة بأطرها الإدارية و العلمية، و مجلس تدبير يظم كل المتدخلين، و مخططات تدبير واقعية و محينة، لا يمكننا أن نتحدث عن منطقة محمية بالمعنى المتعارف عليها دوليا.
المستوى الثالث : مرتبط بالكثافة السكانية داخل المتنزه الوطني للحسيمة و التي تقدر بأكثر من 15000 نسمة ، هذه الساكنة تعاني من الهشاشة على كل المستويات، و بالتالي تصبح المعادلة جد صعبة ، فكيف يمكن حماية الأوساط الطبيعية في هذا المنتزه و في نفس الوقت العمل على التنمية السوسيواقتصادية لساكنته الهشة؟ لذا لابد من صياغة استراتيجيات تنموية مندمجة و مستدامة لفائدة ساكنة المناطق المحمية، ترصد لها الدولة ميزانية خاصة و تسهر على تتبعها و تقييمها بشكل علمي.
ما هو الرهان في نظركم لتجاوز الوضع البيئي المتردي في المنطقة؟
لتتجاوز الوضع البيئي المتردي في المنقطة يجب إصلاح الكثير من الأعطاب ، و طنيا و محليا:
على المستوى الوطني
إخراج المراسيم التطبيقية المتعلقة بالبيئة إلى الوجود، خاصة المراسيم التطبيقية لقانون المناطق المحمية و لقانون الساحل، و إغناء الترسانة القانونية البيئية المغربية.
إنشاء وزارة للبيئة مستقلة و لها مصالح خارجية تغطي كل جهات البلاد، تعمل على صياغة الاستراتيجيات البيئية للبلاد، بالتشاور مع كل المتدخلين، و تتبع الوضع البيئي بطرق علمية، و تنسق بين المتدخلين، بالإضافة إلى العمل على ضمان الاستدامة في كل المشاريع التنموية.
تفعيل المجلس الوطني البيئي و المجالس الجهوية و المحلية للبيئة
مراجعة المقاربة التربوية التي تعالج القضية البيئية في المدرسة المغربية.
إدماج مصوغات البيئة في تكوين الأطر و المنتخبين.
على المستوى المحلي
تفعيل المرصد الإقليمي للبيئة
إنجاز دراسة علمية شاملة لتشخيص الوضع البيئي بالإقليم
وضع إستراتيجية متكاملة حول كيفية التدخل لتصحيح الأوضاع البيئة بالإقليم
تنظيم دورات تكوينية لفائدة المسؤولين المحليين و المنتخبين.
تقوية النسيج الجمعي الذي يشتغل في المجال البيئي,
هل كان العمل المنجز في المنتزه الوطني للحسيمة، كافيا للحفاظ على الارث الايكولوجي للمنطقة؟
حسب تقييمي الشخصي ، فواقع العمل الذي أنجز في المنتزه الوطني للحسيمة هو متواضع، و لم يكن كافيا و لا منسقا بين مختلف المتدخلين ، للارتقاء بالوضع البيئي للمنطقة و لا لتحقيق تنمية مستدامة، و هذا راجع بالأساس إلى المعيقات السالفة الذكر. لكن كي لا نكون مجحفين في حق بعض الأطراف ، خاصة الجمعوية منها، التي كان لها دور مهم في التحسيس و التعريف بمفهوم المنتزه الوطني، بالإضافة إلى النضال الذي خاضته، و لا زالت تخوضه، من أجل حماية ما يمكن حمايته في الوقت الراهن.
كلمة أخيرة:
هذه الأرض لم نرثها عن آبائنا وأجدادنا … وإنما نستعيرها من أحفادنا …. فهي أمانة في أعناقنا.
إذا لم نقتنع، كمجتمع، بأهمية إدماج البعد البيئي في ثقافتنا ،فإننا لن نضمن حقوق الأجيال اللاحقة في العيش. وهذا الاقتناع يأتي بتربية المواطن، أكان مواطنا عاديا أو مواطنا مسؤولا، تربية بيئية صحيحة تجعله قادرا على ترجمة وعيه البيئي إلى مواقف و سلوكيات تصالح بين دورتي الإنتاج والاستهلاك و الدورات الطبيعية لكوكبنا.
عبد الحميد توفيق: أستاذ علوم الحياة والأرض، وفاعل جمعوي في المجال البيئي، عضو شبكة الجمعيات التنموية العاملة بالمنتزه الوطني.
المصدر: حاوره: خالد الزيتوني: التبريس































