بقلم : خالد البوهالي
باحث في العلوم السياسية
عندما وضعت الحرب العراقية – الإيرانية أوزارها، خرج العراق و إيران منهكين، اقتصاديا، و عسكريا، و بنيتهما التحتية شبه مدمرة، و هذا ما أُريد لهما من طرف صناع القرار السياسي الدولي لفسح المجال أمام إسرائيل للعربدة في المنطقة كما يحلو لها في إطار سياسة الاحتواء المزدوج للدولتين.
و لم يكد ينتهي العراق من هذه الحرب حتى دخل في أتون حرب أخرى مع أمريكا و حلفائها عقب أزمة الكويت 2 غشت 1990 انتهت بحصار العراق اقتصاديا، و تجريده من أسلحته الكيميائية، و البيولوجية، و الجرثومية، و الصاروخية، و كان الغرض من هذه الحرب هو تدمير العراق، و إعادته إلى العصور القديمة، و تحطيم كليتي صدام حسين حسب تصريح رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة آنذاك مارغريت تاتشر.
غير أن إيران بذكائها، استغلت الوضع في منطقة الخليج، و الشرق الأوسط، و أعادت رسم إستراتيجية طويلة المدى تجعل منها دولة إقليمية فاعلة يصعب تجاهلها مستغلة عدة عوامل عملت على استثمارها بشكل جيد نذكر منها :
العامل السياسي :
سعت إيران بعد حرب الخليج الثانية 1991 إلى التطبيع مع الدول العربية المجاورة مستغلة حالة القطيعة مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، – باستثناء الأردن الذي ظل على علاقة وطيدة مع العراق لأسباب سياسية و اقتصادية – خصوصا خلال فترة تولي فترة الرئيس محمد خاتمي لإيران، بالإضافة إلى توطيد علاقتها مع جمهورية روسيا الاتحادية على مختلف الأصعدة التي كانت ترى في إيران الحليف الأوثق الذي يمكن الاعتماد عليه.
العامل العسكري:
في الوقت الذي انشغل الغرب بتفكيك و مراقبة برنامج التسلح العراقي، انتهزت القيادة الإيرانية الفرصة و عملت في صمت على إعادة بناء القوات المسلحة الإيرانية بكافة أفرعها العسكرية، خصوصا وسائل الدفاع الجوي، وفق أساليب و معايير علمية دقيقة تستجيب لمتطلبات العصر، و للتطورات التي بات يعرفها ميدان التكنولوجيا العسكرية، مرتكزة على عقيدة عسكرية قتالية يشكل البعد الديني أهم ركائزها، مستفيدة من حربها مع العراق، و من الحروب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على هذا الأخير، أدركت معها أن القوة العسكرية هي أهم الأسس التي تنبني عليها العلاقات الدولية و أنها قد تؤكل يوما كما أكل العراق.
بيد أن هناك ثمة عامل آخر هو انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، و ما ترتب على ذلك من أزمات اقتصادية، و اجتماعية خصوصا روسيا الشيء الذي نتج عنه تسريح العديد من العلماء، و الخبراء الروس المتخصصين في الصناعات العسكرية التقليدية، و غير التقليدية، و الحرب الالكترونية الذين أصبحوا يعانون من العطالة في بلادهم، فاستقدمتهم إيران لتطوير صناعتها العسكرية و كذلك تأهيل و تكوين الكوادر العسكرية الإيرانية، حتى باتت إيران كل سنة تظهر آخر ما أنتجته مصانعها الحربية آخرها منظومة الدفاع الجوي باور 373 الذي يضاهي منظومة اس 300 الروسية حسب الخبراء الإيرانيين مع كفاءة عالية في ميدان الحرب الالكترونية.
العامل الاستراتيجي :
بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي حيث تقع إيران حسب موقع ويكيبيديا في غرب آسيا بين دائرتي عرض 29°،40° شمالاً، وخطي طول 40°،°60 شرقاً تقريباً، ويحدها تركمانستان، وأذربيجان من جهة الشمال، و تركيا و العراق من جهة الغرب، و أفغانستان و باكستان من جهة الشرق ، والخليج العربي من جهة الجنوب حيث تطل عليه إيران بجبهة بحرية طولها 1660 كم تقريباً، ولها جبهة بحرية أخرى شمالاً على بحر قزوين طولها 800 كم، وتبلغ إجمالي مساحة الدولة 1648 ألف كم²، وهو ما يعادل 634 ألف ميل تقريباً. فقد منحت حرب العراق سنة 2003 و كذلك الأزمة السورية التي اندلعت على خلفية ما سمي بالربيع العربي بالإضافة إلى حرب اليمن موقعا سياسيا مؤثرا في الوضع الإقليمي دون نسيان لبنان و فلسطين. حيث أصبحت لها قواعد متقدمة و قوات عسكرية و مليشيات تابعة لها تأتمر بأوامرها مما يمكنها من حصار إسرائيل، و إحراج الولايات المتحدة.
هاته العوامل جاءت بسبب سوء تقدير الإدارات الأمريكية المتعاقبة، و سياستها الخاطئة التي انتهجتها في كيفية التعامل مع القضايا الإقليمية، و بالتالي ساهمت إلى حد كبير في إعطاء إيران هذه المكانة الإقليمية، دون إغفال دهاء القيادة الإيرانية التي استثمرت بشكل جيد كل الفرص الذهبية التي أتيحت لها، مما حذا بأمريكا إلى طلب الحوار عدة مرات مع إيران لدرجة استعداد وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو لزيارة طهران لحل جميع القضايا العالقة و الشائكة، لكن هذا المقترح قوبل برفض إيران التي تريد الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية وفق الشروط الإيرانية، و على ما يبدو أنه لا حوار على الأقل في المستقبل القريب بين الجانبين لكن يبقى كل شيء واردا، لأن السياسة كما عودتنا دائما على أنها فن الممكن.































