سؤال: في ظل الحراك السياسي والاجتماعي الذي يعيشه المغرب في الشهور الأخيرة، هناك نقاش واسع حول الجهوية والتقطيع الترابي، بداية هل قدمتم للقراء موقف منتدى شمال المغرب لحقوق الإنسان من هذا التقطيع؟
أعتقد بأننا في منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب عبرنا عن موقفنا من الجهوية والتقطيع الترابي المطروح حاليا للتنفيذ أكثر من مرة، فالبيان الختامي لمؤتمرنا الأول مثلا المنعقد بمدينة الشاون أيام 22-23-24 أبريل الماضي تحت شعار “من أجل دستور ديمقراطي يقر بحق الجهات في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي والثقافي” كان أكثر وضوحا وحزما في هذا الصدد، إذ جاء فيه “ يؤكد المؤتمر على حقه المبدئي في إطار تصفية الاستعمار، في استكمال تحرير الأجزاء المحتلة من تراب منطقتنا الشمالية/الريف الكبير ومن ضمنها سبتة ومليلية وجميع الجزر المحتلة من طرف الدولة الإسبانية، وذلك في إطار جهوية حقيقية تضمن لمنطقتنا الجغرافية الممتدة من حوض اللوكوس غربا إلى حوض ملوية شرقا ووادي ورغة جنوبا حقها في تقرير مصيرها في إطار الأطونوميا” كما عبرنا على نفس الموقف في الرسالة التي سبق أن أرسلناها للجنة المانوني التي كانت مكلفة بصياغة ” مشروع دستور جديد”، عندما رفضنا تلبية الدعوة التي وجهت إلينا لإبداء وجهة نظرنا المتعلقة بالموضوع، حيث أكدنا فيها: ” كون أن المنتدى إطارا جهويا لعموم الريف الكبير، من حوض الكوس غربا إلى حوض ملوية شرقا ووادي ورغة جنوبا، وكون أن مشروع التعديل الدستوري الذي تنوون القيام به، قائما على مشروع للجهوية عمل على تقطيع أوصال هذه الجهة الذي يعد جرما حسب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في حق الذاكرة الجماعية والتاريخ المشترك لأهالي المنطقة الشمالية، ولما يشكله كذلك هذا التقطيع-الجريمة- من تزييف للحقائق التاريخية وطمس للذاكرة المشتركة“ وهذا الموقف نكرره كلما أتيحت لنا الفرصة سواء تعلق الأمر في وسائل الإعلام أو في الندوات التي نشارك فيها في داخل المغرب وخارجه، مقابل ذلك أصبحنا نرى ظهور فئة عريضة من النخبة المثقفة بالريف الكبير تتقاسم معنا نفس الأفكار والتوجهات بخصوص تصورنا لمفهوم ” دولة الأوطونوميات الجهوية” وفي هذا الصدد يكفي الإشارة بعجالة لا الحصر إلى ضرورة الرجوع إلى توصيات وخلاصات أشغال الندوات الأكاديمية والعلمية المتميزة التي دأب المنتدى على تنظيمها وعبر إشراك النخب الأكاديمية والعلمية بالريف الكبير وفي هذا الإطار أنوه بالعمل المشترك المتميز وبالدور الذي قام به المنتدى المتوسطي من أجل المواطنة وهنا ضرورة إحالة القارئ إلى توصيات وخلاصات أشغال الندوات الأكاديمية والعلمية نذكر منها هنا: ندوة ” موقع الجهوية السياسية في الإصلاحات السياسية والدستورية بالمغرب” المنظمة بطنجة بتاريخ 17/04/ 2010 وندوة “الخصوصيات السوسيو-ثقافية، والتاريخية والأنتروبولوجية للمنطقة الشمالية/الريف” المنعقدة بتاريخ 15ماي 2010 إضافة إلى العشرات من اللقاءات التواصلية من القصر الكبير إلى أقصى الشرق.
سؤال: هناك تقريبا شبه إجماع من طرف كل الحساسيات السياسية والمدنية بالريف على رفض هذا التقطيع الذي ألحق جزء من الريف بالمنطقة الشرقية، ولكن في المقابل نلاحظ غياب مبادرات تنسيقية بين هذه الحساسيات لإسماع هذا الرفض الجماعي؟
هنا أيضا وجب تذكير القراء عبر منبركم الإعلامي الذي ومن خلال الاسم الذي يحمله ” أصوات الريف” أنه بالفعل ما يميز الفعاليات المدنية والسياسية بالريف الكبير في حركيتها ودينامكيتها المجتمعية : تنوعها واختلاف أساليب ومجالات انشغالاتها من جهة، ووجود معيقات وإكراهات ذاتية وموضوعية تطغى للأسف أحيانا دون تحقيق مبتغى سؤالكم أعلاه، بالنسبة لنا كما تعرفون وكإطار حقوقي نشتغل ونؤطر عملنا المشترك من منطلق القطع الكامل والايجابي مع الفكر المركزي، لذلك فتواجدنا التنظيمي بأغلبية مدن الريف الكبير يعكس المنحى الايجابي الذي سطرناه منذ التأسيس كإطار حقوقي يشتغل ضمن مبدأي الحق في الاختلاف والاستقلالية الكاملة بين مختلف هاته الحساسيات على مختلف مشاربها. لذلك فبالنسبة لنا في منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب لم ولن نكون طرفا في إضعافها والذي سيخدم بالجوهر أجندة الأطراف النقيضة لمشروعنا، الأطراف التي ما زالت تسعى إلى إضعاف الأصوات الممانعة بالريف الكبير وتقطيع أوصاله التاريخية وفرض جهوية إدارية وظيفية سوف لن تخدم التنمية الحقيقية بالريف الكبير، وبهذا الصدد اشتغلنا أكثر من مرة على خلق قنوات التواصل مع الجميع، باعتبارنا إطارا حقوقيا، ونحن مطالبون بالانفتاح على جميع مبادرات الحساسيات السياسية والنقابية والجمعوية بالريف الكبير والتعاون مع كل الأطراف التي تتقاسم معنا نفس الأهداف من منطلق الريف للجميع وهنا أود الإشارة إلى مشاركتنا الفعالة في “قافلة تحالف الشمال” التي نظمت على مرحلتين: الأولى في اتجاه القصر الكبير و الثانية في اتجاه الحسيمة. هذه القافلة عرفت استحسانا من طرف العديد من الفعاليات السياسية والنقابية والجمعوية بالريف الكبير. ويشار بان أرضية تحالف الشمال وقع عليها أكثر من 100 منظمة.
هذا دون نسيان بعض اللقاءات الثنائية التي نظمناها مع بعض الإطارات بالريف الكبير. لذلك نؤكد لكم بأن طموحاتنا كبيرة ونتمنى أن تصطف كل الإرادات الحرة في إطار جبهة عريضة لأبناء الريف الكبير بالداخل والشتات.
سؤال: في نظركم ما الذي كان يمنع صراحة من إنجاز مثلا مذكرة جماعية تحمل مقترحات مختلف الفعاليات بالريف فيما يتعلق بالنموذج الجهوي المأمول فيه وعرضها على لجنة عزيمان؟
أعتقد أنكم تتبعتم مجمل الردود والمواقف التي عبرت عنها الإطارات المدنية المختلفة بالريف الكبير بخصوص تصوراتها لنموذج الجهوية المطلوب، دون إغفال الطريقة الإقصائية التي اشتغلت بها لجنة عزيمان بخصوص الاستماع لوجهات النظر المختلفة حول مسألة الجهوية.
بالنسبة لنا عبرنا بصريح العبارة من خلال ردنا المؤرخ بتاريخ 5 أبريل 2011 تحت رقم 092 أن أي تعديل دستوري ديمقراطي في المغرب بخصوص الجهوية يجب أن يعترف بالطابع التعددي للمجتمع المغربي وبخصوصياته الجهوية مما يقتضي إقرارا بحق الجهات التاريخية في نظام الأطونوميات وذلك لما يشكله هذا الحق من ضمان لمجمل الحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية، ومدخلا أساسيا لإحقاق عملية الانتقال الديمقراطي بالمغرب وفصلا حقيقيا للسلط، وتقسيما عادلا للثروة والسلطة بين الجهات والمركز، وهو ما يتنافى مع مضمون الجهوية الذي يستند عليه التعديل الدستوري الذي لم يتجاوز سقف الجهوية الإدارية
لذلك فالمطلوب اليوم ليس صياغة مذكرة جماعية تكون جامعة ومتوافق عليها بين كل هاته الإطارات المدنية وحسب، بل نحن أمام رهان يمكن تأطيره ضمن سؤال كيفية الرد على المرحلة الجديدة؟ والتي تتسم حسب رأيي بإعادة هيكلة وضبط آليات ومسارات الولاءات الوظيفية ب – المركز المتعدد- وإعادة إلحاقها بالنخب المركزية.
لقد جاء تشكيل لجنة عزيمان في ظروف كانت تتسم بمحاولة بعض الأطراف العمل على تشتيت كامل للنخب الريفية، وبالتالي سعيها الحثيث على إلحاقها بمشروع الدولة الجديد، بدءا بزلزال 2004، مرورا بموضوع المصالحة مع الريف وصولا إلى ظهور جماعات اللوبي السياسي من الرباط وما أسفر عنه من اصطفافات، كان آخرها تشكيل حزب سياسي هيمن على المشهد السياسي للريف إلى حين.
أما في ما يتعلق بالمنتدى فأعترف بأننا كنا نجتاز مرحلة غير مريحة، بحيث أن كل اهتماماتنا كانت منصبة على تصحيح وضعنا التنظيمي الداخلي والتحضير لعقد مؤتمرنا الأول في ظروف أفضل، وبفضل عزيمة وثبات مناضلينا في الداخل والخارج أصبحنا اليوم أكثر مستعدين ومصممين على تفعيل المبادرات المشتركة بين التنظيمات المدنية بالريف الكبير التي تقاسمنا نفس الأهداف والطموحات.
سؤال: المتتبع للنقاش الدائر بالريف حول الجهوية والتقطيع الترابي يلاحظ طغيان البعد الثقافي أو الحضاري بصفة عامة ضمن مبررات الرفض، في الوقت الذي ترى بعض الدراسات الأكاديمية أن اعتماد “النموذج الاقتصادي” هو العمود الفقري لنجاح أي تقطيع ترابي؟
أكيد أن سؤالكم لا يعكس منطلقاتنا وكذلك موقفنا بالنسبة لهذا المشروع الذي أتت به لجنة عزيمان فكما أشرت، فإن مؤتمرنا الأول تشبث بجهة بأبعادها التاريخية والثقافية والاقتصادية. لذلك نحن واعون كل الوعي بالإمكانيات المالية والاقتصادية والقدرات البشرية التي يتمتع بها الريف الكبير. فلا أحد يمكن له أن ينكر اليوم بأن الريف الكبير يتمتع بإمكانيات في غاية الأهمية والتي ستجعل منه جهة لديها كل مقومات التنمية والتطور، ويمكن حصر بعض نقاطها فيما يلي:
1- عائدات أبناء الريف المقيمين بالخارج
في سنة 2010 تم التصريح بما يناهز أكثر من 33 مليار درهم كتحويلات نقدية لمغاربة العالم ووجبت الإشارة بأن 80 في المائة من المغاربة المقيمين في الخارج أصلهم من الشمال المغربي. لكن للأسف هذه التحويلات لا تستفيد منها جهة الشمال، بل تحول من الريف الكبير إلى أبناك متروبول المغرب النافع، دون إغفال ديناميكية وقدرات الطاقات البشرية التي تميز أبناء المنطقة الشمالية بالشتات،
2- الثروات البحرية، باعتبار الشمال المغربي يطل على بحرين، البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، إلا أن المنطقة لا تستفيد إطلاقا من هذه الثروة لا من حيث مناصب الشغل ولا من حيت الصيد في أعالي البحار، ولا حتى من أموال الاتحاد الأوروبي التي تضخ مباشرة بالأبناك المركزية بالدار البيضاء كما هو متفق عليه في اتفاقيات الصيد البحري المبرمة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
3– الموانئ التجارية والسياحية الموجودة على طور الساحل المتوسطي أبرزها الميناء المتوسطي بطنجة وميناء بني انصار بالناظور.
4– الإمكانيات السياحية، والتي لم تستثمر بعد سواء منها السياحة الجبلية والساحلية أو التراث والمآثر التاريخية الغنية التي تدمر أمام أعين الجميع من طرف السلطات المركزية.
5- الفلاحة: أراضي فلاحيه بجودة عالية في ناحية العرائش والقصر الكبير بالإضافة إلى الأراضي المحيطة لنهر ملوية، دون نسيان الثروات الغابوية وتنوع الأشجار وتربية الموشي…الخ.
سؤال: هل في نظركم التركيز على الأبعاد الثقافية والحضارية – بل القبلية أحيانا – في التقسيم الترابي يستقيم مع المطالبة بدولة المؤسسات والمواطنة التي من شأنها أن تحمي هذه الأبعاد التي تبقى في الأول والمنتهى هوية شخصية وذاتية لكل مواطن أينما كان تواجده؟
نحن كمنتدى حقوق الإنسان، لم نتأسس على أي بعد لغوي أو إثني أو قبلي، بل نناضل من أجل حماية الفكر المتعدد لأهل الريف والدفاع عن حقوقهم كاملة، كما هي مكفولة بالمواثيق العالمية لحقوق الإنسان، وبالتالي فنحن نرى أن شرعية أي سلطة سياسية تنبع أولا وأخيرا من مدى التزامها واحترامها لمبادئ وقيم المواطنة، ومدى المجهود المعمول لتوفير شروطها، على اعتبار أن المواطنة هي الضرورة الحتمية للديمقراطية وقاعدتها الأساسية بما أنها تعني ضمان الحقوق القانونية – السياسية –الاجتماعية والثقافية لكافة المواطنين بغض النظر عن الاعتبارات التحكمية المرتبطة بانتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الاجتماعية أو الرأي السياسي أو اللون أو الجنس، والمواطنة لا تقف عند حدود الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل تتعداها لتشمل البعد الثقافي الحضاري الذي من خلاله يمتد مفهوم المواطنة للاعتناء بالجوانب الروحية والمعنوية للأفراد والجماعات على أساس احترام خصوصية الهوية الثقافية والحضارية للجماعات المشكلة للشعب. رافضة بذلك كل محاولات الاستيعاب والتهميش والاختزال الممارس من طرف المجموعة الحاكمة. وهكذا فلا يمكننا الحديث عن مفهوم وقيم المواطنة في المغرب دون توفر شرط إعادة صياغة مفهوم الوحدة والهوية المغربية، حيث تصبح الوحدة مشكلة على قاعدة تكامل وتضامن الوحدات الجهوية بما تعنيه من تنوع مرتبط بالإنسان ومجاله. كما أن الهوية الوطنية يجب أن تكون محصلة لتكثيف مجموع الثقافات التاريخية للإنسان المغربي، وبهذا المفهوم فالمواطنة بالإضافة إلى كونها منظومة للحقوق والواجبات فهي هي نفس الآن أداة لبناء شخصية المواطن المغربي القادر على العيش بسلام وتسامح مع غيره على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والعدل بغرض المساهمة في بناء وتنمية الوطن باعتباره فضاءا للعيش المشترك، لذلك فنحن في منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب نرى أن حق المواطنة والمساواة في الحقوق المتعلقة بحق التعليم والصحة والشغل والسكن، لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل دولة الحق والقانون. دولة تقوم على فصل حقيقي للسلط وتقر بتعددية جهات ولغات وثقافات المغرب. ويتمتع فيها المواطن بمواطنة كاملة وغير منقوصة تضمن له حق المساهمة في تقرير مصيره ومصير بلده وتنميته.
أجرى الحوار: الغلبزوري السكناوي































