بعد الزلزال الذي أصاب اليسار المغربي عموما سنة 1996 ، من خلال تصويت حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و التقدم والاشتراكية بالإيجاب على الدستور، ومشاركتهما في حكومة عبد الرحمن اليوسفي ؛ كان لزاما على اليسار الجذري أن يراجع حساباته ، و يقدر حجم التأثير السلبي لتجربة يسار المعارضة البرلمانية على مستقبله . خصوصا وأن مواجهة هذا الانقلاب جمعت مكونات الحركة الماركسية اللينينية (النهج الديمقراطي . الحركة من أجل الديمقراطية . الديمقراطيون المستقلون ) التي كانت تعيش مخاض تقييم تجربتها وسبل توحيد مكوناتها بعد استفادة قادتها من عفو 1994 ، وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي الذي وجد حلفاء يتقاسمون معه موقفه، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي انفصل جزء منها للتصويت بنعم على الدستور في أول عملية انشقاق نحو اليمين يعيشها حزب يساري .
بعد البيان المشترك الداعي إلى مقاطعة دستور 1996 ، والذي وقعته الإطارات السالفة الذكر، استمر التنسيق بين هذه المكونات من خلال :
-1 تنسيق حزبي الطليعة والنهج : استمر وتطور عملهما الوحدوي ليصل إلى درجة قيل عنها أنها أرقى من التحالف وأقل من الوحدة، خاضا معارك نضالية واحتجاجية وإشعاعية مشتركة ، وكان لهما دور فعال في فضح مناورات المخزن السياسية ( التناوب والعهد الجديد ..) والحقوقية ( هيأة الانصاف والمصالحة ومدونة الأسرة..) ، من خلال تنظيماتهما الحزبية أو من خلال الأذرع الجماهيرية ( الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنتدى الحقيقة والإنصاف ).
2 – تنسيق منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والحركة من أجل الديمقراطية والديمقراطيون المستقلون والفعاليات اليسارية : انتهى باندماج مكوناته وإعلان تأسيس حزب اليسار الموحد سنة 2002 ، والذي عاش تجربة اندماجية ثانية سنة 2005 بالتحاق جمعية الوفاء للديمقراطية المنسحبة من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للإعلان عن الحزب الاشتراكي الموحد .
3 – تجمع اليسار الديمقراطي 2004 : جمع أحزاب النهج والطليعة واليسار الموحد والمنسحبين من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ( المؤتمر الوطني الاتحادي وجمعية الوفاء للديمقرطية )، و كانت له أجهزته الوطنية وهياكله المحلية والقطاعية وبرنامجه السنوي وآليات تنزيله . لكن تجمع اليسار عكس عمل التحالف من خلال برنامج عمله السنوي، والذي أعطى الأولوية للنقط الخلافية والقضايا الصعبة على القضايا السهلة التي عليها إجماع، وهو ما عسر عمل تحالف مكوناته. فبجعل ملف الإصلاح الدستوري أول نقطة ضمن برنامج عمل تجمع اليسار لسنة 2005 – رغم علم القيادات الحزبية بكونها نقطة خلافية – تسبق ملف توقيف النهب واسترجاع الأموال المنهوبة وعدم الإفلات من العقاب والبطالة والتشغيل والتعليم والتضامن مع الشعوب وهيكلة اللجن المحلية والقطاعية ، كان تجمع اليسار يعلن بطء حركيته النضالية التي شلها الاختلاف أيضا في الموقف من الانتخابات والصحراء المغربية ، والذي سيتجمد بتأسيس تحالف اليسار الديمقراطي .
4 – تحالف اليسار الديمقراطي 2007 : رغم أن التحالف كان انتخابيا ، أملته مشاركة مكوناته الثلاثة في الانتخابات ، غير أنه لم يتمكن من تدبير موحد لكل المحطات . فتنافست لوائحه في بعض الدوائر التي لم يتم الاتفاق فيها على لوائح مشتركة ، وشارك المؤتمر الوطني الاتحادي في انتخابات 2011 التي قاطعها حزبا الطليعة والاشتراكي الموحد ، وقاطع الحزب الاشتراكي الموحد لجنة صياغة الدستور في الوقت الذي جلس حزبا الطليعة والمؤتمر مع اللجنة ، وقدما لها مذكرتيهما الحزبيتين في الوقت الذي قدم الحزب الاشتراكي الموحد مذكرته الدستورية في ندوة إعلامية فقط . والغريب في الملف الدستوري أن أحزاب التحالف كانت تتوفر على مشروع وثيقة مشتركة للدستور ، ورغم ذلك استفرد الحزب الاشتراكي الموحد بموقفه ، وقدم الحزبان الآخران مذكرتين باسم حزبيهما وليس باسم التحالف .
5 – فيدرالية اليسار الديمقراطي 2014 : بدأ الإعداد المادي سنة 2012 لتجاوز نقائص عمل تحالف اليسار ، من خلال توحيد الموقف من قضايا الدستور و الانتخابات والصحراء ، ليتم الإعلان عن تأسيس فيدرالية اليسار الديمقراطي سنة 2014 . تجربة عرفت في السنوات الأخيرة نقاشا حول الارتقاء بعمل الفيدرالية إلى وحدة اندماجية ، نقاش كان يتحمس له حزبا المؤتمر والاشتراكي الموحد ويتحفظ عليه حزب الطليعة زمن تحالف اليسار ، ويتحمس له اليوم حزبا الطليعة و المؤتمر ويتحفظ عليه الحزب الاشتراكي الموحد في زمن الفيدرالية ، مع استناد الطرف المتحفظ دائما على نفس مبررات الوحدة الإديولوجية والتنظيمية والهيكلة المحلية والقطاعية …(إنضاج الشروط ) .
إن هذا الزخم الذي عاشته مكونات اليسار طيلة 25 سنة الأخيرة ، وإن كان قد حقق تراكما فكريا وسياسيا ونضاليا وجماهيريا بين وداخل مكوناته ، فهو لم يسلم من مجموعة من الكبوات . اختلفت مسبباتها بالنسبة لكل مكون من مكوناته ، لكنها تتوحد في نتائجها السلبية سواء على الذات الشخصية أو الجماعية لليسار . فالنهج اليمقراطي فقد العديد من مناضليه الذين اعتبروا عمل الحركة في حزب من خلال الشرعية القانونية مساومة، واعتبروا التحالف مع مكونات تجمع اليسار انتهازية وتحريفا لمسار استمرارية منظمة إلى الأمام . وحزب الطليعة فقد العديد من مناضليه الذين اعتبروا مشاركة الحزب في الانتخابات انحراف عن مسار خط النضال الديمقراطي ، كما اعتبروا الوحدة الاندماجية مع مكونات الفيدرالية تصفية للحركة الاتحادية الأصيلة . وتجربة المؤتمر الوطني الاتحادي تأثرت بانسحاب مؤسسي الحزب الاشتراكي (بوزوبع) ، زيادة على الانشقاقين اللذين عاشتهما الكنفدرالية الديمقراطية للشغل . وتجربة اليسار الموحد غادرها العديد من الديمقراطيين المستقلين نحو حركة لكل الديمقراطيين وحزب الأصالة والمعاصرة ، كما غادر رواد الحركة من أجل الديمقراطية نحو حزب الخضر ، وغادرتها رموز الفعاليات اليسارية نحو هيأة الإنصاف والمصالحة و “السدة العالية”. وهذا ما جعل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي باعتبارها الحزب الأكبر من بين مكونات اليسار الديمقراطي، تغطي عن فشل الاندماج الأول باندماج ثان .
هذا الاندماج خلق توازنا بين مكون منظمة العمل الديمقراطي الشعبي ومكون جمعية الوفاء للديمقراطية داخل الحزب، والذي بدا جليا خلال المؤتمر الأخير للحزب الاشتراكي الموحد ، مما عجل بانفجار الحزب لخلافات سياسية وتنظيمية ( الموقف من الاندماج . التنافس على اللوائح الانتخابية ….) . وهو ما يؤكد أن تجربة اليسار الموحد والحزب الاشتراكي الموحد لم تدمج مكونات اليسار، بل لا زالت المكونات الأولى محافظة على وجودها من خلال التيارات الحزبية . فتحول حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي من حزب محوري داخل اليسار الديمقراطي باعتبارها الحزب الأقوى ضمن مكونات الحزب المندمج، إلى حزب حبيس الإقصاء والهيمنة في وجه مكوناته وحلفائه، وهو يحاول فرض رأيه على الجميع، رغم أن قوته الداخلية متكافئة مع تيار آخر داخل حزبهم، وقوته الخارجية متكافئة مع قوة حلفائه . بل ما يثير الاستغراب حقا هو ترحيب بعض المناضلين بهذا الانشطار الذي يعرفه الحزب الاشتراكي الموحد ، منتشين بالعودة لرمز الشمعة والحزب الأم والحسم مع من يخالفونه الرأي ، وفي أحيان كثيرة بنرجسية نضالية وعنف لغوي لا يخلو من تجريح .
إن هذه الحركة والدينامية الداخلية التي تعيشها مكونات اليسار لم ترق إلى أن يكون لها صدى على المستوى الجماهيري ، حيث لازالت عاجزة عن التأثير والفعل في ثورة اجتماعية ، كما كانت عاجزة عن التأثير والفعل في ثورة وطنية ديمقراطية . فبقيت الجماهير وحيدة في دفاعها عن حقوقها وكرامتها وحريتها ، من خلال مواجهة المخزن والرجعية المهيمنان على مجريات الصراع ، في غياب اليسار كمكون تاريخي وطبقي وسياسي بمشروعه المجتمعي . والغريب أيضا أن كل الشروط الموضوعية تبوئ اليسار موقعا يسمح له بالتأثير في ميزان القوى ، بدء من تآكل أسطوانات وأحاجيج وأكاذيب المخزن ، مرورا باستفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتغول وتجبر أنصار المقاربة القمعية ، وصولا إلى فشل ذريع لتجارب الأحزاب الإدارية واليسار الملكي والإسلام السياسي . ليستمر الشرط الذاتي في معاكسة الشرط الموضوعي ، ويستمر التجريب و التخريب في فكر اليسار وقيمه ومبادئه .
وكما يقول المثل المغربي ( البكا من ورا الميت خسارة) ، لذلك لا يمكن الرجوع بالزمن إلى الوراء لاختيار تحالف جبهوي بدل اندماج تنظيمي ، أو اختيار التحالف مع هذا المكون بدل ذاك . لذلك لا بد من التطلع إلى المستقبل ، بتمحيص الحاضر دون نسيان أو إهمال الماضي ، من أجل استثمار كل التراكمات التي حصلت خلال هذه المسيرة رغم سلبياتها ، لتحقيق مزيد من العمل الوحدوي سواء بالتنسيق أو التحالف أو الاندماج ، بما يخدم موقعة اليسار ضمن القوى الفاعلة والمؤثرة والصانعة لقرار الدولة والمجتمع . ففي ظل غياب هبة ودعم عالميين ، وبسبب ضغط التحولات الاجتماعية وحجم المهام النضالية المطروحة على جدول أعمال اليسار ، لا مفر من وحدة مكوناته من أجل تحقيق ديمقراطية حقيقية وتحديث المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا . وحدة مدركة للوضع الطبقي وحركة تناقضاته ، واعية بالأعداء والأصدقاء والخصوم مرحليا واستراتيحيا ، موفقة في تحديد مكوناتها وأهدافها وآليات تحقيقها . لتقديم عرض سياسي مقبول للجماهير ، يمكنه أن يستقطب قاعدة عريضة من الطبقات الاجتماعية التي يدعي اليسار الدفاع عن مصالحها ، والتي صدمتها الممارسة السياسية ﻷحزاب الكتلة ولحزب العدالة والتنمية ، ونفرتها في النضال السياسي و العملية الانتخابية والمؤسسات الدستورية .
مراد بلميلود
إمزورن يوم 13 يوليوز 2021































