أديب عطا الله : هل من الممكن مستقبلاً أن نري إرهاصات الحرية في بلادنا العربية ويشعر غير المسلم أنه سيكون آمناً على غده وأولاده من التفرقة التي جعلتني أهرب من بلادي إلى آخر العالم خوفاً مما سيعانيه أولادي من آلام واجهتني؟؟ ببساطة هل يحمل لنا المستقبل أي بارقة أمل نحن غير المسلمين في بلاد المسلمين أم علينا أن نتركها غير مأسوف عليها؟
– أخي أديب، بعد سقوط بغداد دون قتال واستسلام صدام دون مقاومة بدأت تباشير تاريخ جديد في الشرق الأوسط. أي أن هذه المنطقة من العالم لن تكون بعد هذا الحدث التاريخي كما كانت قبله. سقوط بغداد دون قتال مماثل في مغزاه التاريخي لسقوط جدار برلين. يمر العالم العربي والشرق الأوسط الكبير بأزمة حداثة عاصفة تشير مؤشرات عدة إلى أنه سيخرج منها سالماً إلى الحداثة . لماذا؟ تحديث الحداثة في البلدان المتقدمة والدخول إلى الحداثة في البلدان المتأخرة هو الاتجاه التاريخي اليوم. الاتجاه المضاد الذي يقوده الإسلام السياسي والإرهابي الهادف إلى العودة إلى عصر ذهبي موهوم في ماضيه السحيق لا يبدو أنه يمتلك زمام المستقبل. إذا كان هذا التحليل صحيحاً فالحرية قادمة إلى البلاد العربية وسيشعر غير المسلم فيها في مستقبل منظور أنه آمن على غده وأولاده من التفرقة التي جعلتك تهرب من بلادك إلى آخر العالم. فلم يعد روح عصرنا يقبل باضطهاد النساء أو الأقليات. تفكيرك في الهجرة مفهوم إنسانياً ولكنه مرفوض سياسياً، هجرة المسيحيين كارثة بجميع المقاييس: هي أولاً تحقيق لهدف الحركات الأصولية الإسلامية المتعصبة التي تعمل كل ما تستطيع في سبيلها. فحزب الله هجّر معظم المسيحيين من جنوب لبنان فقد كان يعدم في محاكمات هزلية بعض المسيحيين بتهمة العمالة للعدو. والجهاد الإسلامي وحماس هجرتا نصف المسيحيين والفلسطينيين خلال الانتفاضة لأنها كانت تطلب منهم الجزية لتجهيز إنتحارييها. أقترح على جميع الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط أن تعقد مؤتمراً مشتركاً تتدارس فيه وسائل منع نزيف المسيحيين. قلت إن هجرة المسيحيين كارثة عليهم وعلى المسلمين أيضاً. عليهم لأن ذلك يجعل من تبقي منهم أقلية ضعيفة بشرياً ومادياً وسياسياً، والذين هاجروا منهم سيظلون لجيلين أو ثلاثة على الأقل يشعرون بالذنب من مغادرة مسقط الرأس الذي يكاد يكون رمزاً لرحم الأم. وكارثة على المسلمين لأن المسيحيين بينهم هم خميرة الحداثة أي العلمانية والديمقراطية والمساواة بين الجنسين والمساواة بين المسلم وغير المسلم
د. مجيد فلوح: مقالاتكم وأطروحاتكم في الإصلاح الديني وضرورة إعادة قراءة الفكر الديني مع منطقيتها وعلميتها، تبقيني متأكداً من أنه لا مهرب من العودة في كل شيء إلى الدين وفي هذا سلفية واضحة وهي أكبر الآمال ستخضع إلي بعض التنقيح أو التفسير على ضوء الواقع الحالي.
أري أن الفكر الديني عبر التاريخ كان معادياً دوماً للفكر العلمي ومثبطاً لوتائر التطور وللطاقات الإبداعية عند البشر كما كان الانتماء سبباً في التعصب والفوقية وحب السيطرة والتسلط والاستهتار بالآخرين مما تنتفي معه أية فرصة للحرية والعدالة والمساواة وازدهار العلم والمعرفة وتطوير الطاقات البشرية وتكريس السلم وروح التعاون بين الشعوب وتبادل خبراتها .. إنني أخص بالتحديد ما سمي بالديانات السماوية التي تشغل العالم بصراعات المؤمنين بها مع بعضهم وعرقلت مسيرات الحضارة .. لا شك أن أيديولوجيا الدين استخدمت لضمان المصالح الطبقية ولكنني أتحدث عن الناس المستغلين (بفتح الغين) لا عن الطبقة الحاكمة ..
كيف يرى المفكر العفيف الأخضر مستقبل الصراع الجدي بين العلم والفكر الغيبي ومتي تبدأ حلقات البحث والحوار في الإصلاح المنطقي الإنساني الشمولي في جو يعترف لمن لا يريد الإقرار بمسلمات الأجداد الجهلة أولويات لمنهج معيشتنا بفاصل يتعدى عشرات القرون !! بدلاً من التناطح في حلبات التفسير والتأويل والاجتهاد الديني في بيئة سفسطة مقيتة لم يعد أحد بحاجة إليها ؟!!
– أخي د. مجيد سواح، سؤالك أيديولوجي إلى حد كبير لأنه تضمن جوابه. إذن سأحاول أن أناقش بعض ما طرحته من قناعات في شكل تساؤلات، مشروع تحديث وترشيد الإسلام، عبر تحديث وترشيد التعليم وخاصة التعليم الديني والخطاب الديني، بالعقلانية الدينية التي لا تقبل من الدين خاصة في المعاملات والعلاقات الإنسانية ومنظومات القيم إلا ما يتفق مع العقل أي المصالح وحاجات الناس، ضرورة تاريخية لا بديل لها إلا استمرار إسلام القرون الوسطي يصول ويجول في الإعلام والتعليم والخطاب الديني. التناقض التقليدي بين الدين والعلم قضية فيها نظر لأن ذلك يعني شطب الدين لحساب العلم في نظرك وشطب العلم لحساب الدين في نظر الأصولية الدينية وكلا الحلين عبثي ومستحيل.
أخي د. مجيد، العداء بين الدين والعلم الذي استفحل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لم يعد اليوم مطروحاً على جدول أعمال العلم والعلماء.فالعلم يعترف بالدين في مجاله الخاص، الذي هو الروحانيات وتقديم العزاء والسلوى للحزانى. الدين المفهوم فهماً حديثاً أي المفصول عن الدولة يعترف بدوره بالعلم في مجاله الخاص: تفسير وفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية بما فيها الدين نفسه حسب قوانينه الخاصة، المؤشرات على ذلك أن الكنيسة الرومانية التي حاربت العلم والعلماء قروناً متطاولة ردت أخيراً الاعتبار لجاليلي وداروين مثلاً. المشكلة الحقيقية هي إسلام القرون الوسطي الذي مازال بفضل التعليم والإعلام والخطاب الديني معادياً للعلم.
فما الحل؟ إما أن ننتظر أن يأتي يوم في المستقبل البعيد لا يدرس فيه الدين في مدارس العالم الإسلامي ، وإما أن نكون أكثر واقعية وعقلانية وتدخلاً في مسار الأحداث فنطالب بتعليم ديني بديل متصالح مع العلم ومع المرأة ومع غير المسلم ومع الديمقراطية ومع حقوق الإنسان ومع علوم الحداثة العقلانية والإنسانية وهذا ممكن _ بل هو في تونس منذ 14 عاماً أمر واقع _ قال لي أدونيس متعجباً، ونحن عائدان من القاهرة بعد حضور مؤتمر المجلس الأعلى للثقافة في يوليو الماضي، أتعتقد بضرورة تدريس الدين؟ وأضاف قائلاً في نظري لا ضرورة لتدريس الدين إطلاقاً. أجبته، هذا يعني عملياً استمرار تدريس الدين بشكله الحالي إلى أجل غير مسمي. بلجيكا وبريطانيا مثلاً تدرسان الدين في المدارس ولا أحد يشك في علمانتيهما التي لا تقل من حيث الأساس عن العلمانية الفرنسية التي لا تدرسه في مدارسها العامة. خيارنا إما أن نفرض على الحكومات العربية تعليماً دينياً مؤطراً بعلوم الحداثة مثل تاريخ الأديان المقارن الذي ينقل الظاهرة الدينية من عالم الميتافيزيقيا والمطلق إلى عالم التطور والنسبية التاريخي، وإما أن نتفرج مكتوفي الأيدي على تعليم ديني يغسل أدمغة الأجيال الطالعة، جيلاً بعد جيل، بـ”الجهاد إلى قيام الساعة” وتبرير إبقاء المرأة قاصرة أبدية وغير المسلم كافراً “لا يجوز التشبه به” .. والعلم مؤامرة يهودية على الإسلام إلى آخر الهذيان المعروف.
فيما يخصني اخترت اقتراح مشروع تعليم ديني إسلامي يعيد صياغة الوعي الإسلامي ليتطابق أخيراً مع وعي عصره، يعلم الناشئة بأن القرآن ليس موسوعة علمية ولا تاريخية كما تقول له معظم المناهج الإسلامية اليوم، بل هو كتاب عبادات وأخلاق حميدة. فقد قال نبيه:”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” لوم يقل لأتمم حقائق العلم.
أخي د. مجيد، التعليم الإسلامي المنشود هو ذلك الذي يضع حداً لحقائق دين “عشرات القرون” الخوالي هو الدين الذي يتخلى عن الشريعة للقانون الوضعي وعن الشورى للديمقراطية وعن السياسة للسياسيين وعلماء السياسة .. مازال التناقض بين الدين ومصالح الطبقة العاملة راسخاً لديك. لكن في الواقع الأمر لم يعد كذلك في المسيحية على الأقل بعد أن ‘فصلت عن الدولة وانحسرت في المجال الروحي، تذكر مثلاً لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية ونقد جان بول الثاني للرأسمالية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومطالبته المستمرة بالعدالة الاجتماعية. بإمكان إسلام حديث ومرشد ومعلمن أن يمتلك هو أيضاً لاهوت تحريره. بإمكان إسلام تخصص في الروحانيات وتخلي عن الجهاد والاستشهاد وعداء المرأة وغير المسلم والعقل والعلم والحياة أن يتصالح مع الحداثة مؤسسات وعلوماً وقيماً.
لا تنسي أخي أن للدين وظائف روحية ونفسية مازالت قوية في النفسية البشرية المسكونة بإعطاء حياتها معني بعد الموت: الخلود في عالم البقاء. ولا ضير من ذلك عندما لا يعترض الدين المعلمن والمرشد عن إعطاء الآخرين معني لحياتهم في الحياة لا فقط بعد الممات.
* أكرم هواش : لقد مر العالم العربي بمخاضات كبيرة وذلك منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ، وأن توازن القوى مال كلياً لصالح الإمبريالية الأمريكية. واليوم يواجه العالم العربي حملة جديدة للسيطرة “فيزيقياً” على مصادر البترول وعلى المنطقة. لقد قيل إن الهدف من هذا ليس العالم العربي فحسب بل هو الدول الأوربية واليابان. وأن الحملة على الإرهاب ما هي إلا حملة مصطنعة من جانب الولايات المتحدة هدفها “كان ولا يزال إعلامياً” وجاء كبديلاً للصراع ضد الاتحاد السوفيتي كعدو وذلك لأن الرأسمالية وأمريكا على رأسها، بحاجة ماسة لعدو وقد وجدته في الإسلام والعرب. فما رأيك بهذا القول؟
– بالتأكيد البترول عنصر أساسي في السياسة الدولية. ولكنه بالتأكيد أيضاً ليس العنصر الأكثر حسماً . منذ انهيار الاتحاد السوفيتي انهار الانضباط الدولي لحقبة الحرب الباردة حيث كانت الكتلتان الغربية والشرقية تفرضان انضباطاً شبه حديدي على الدول الموالي التابعة لهما. بانهيار الكتلة الشرقية انهار هذا الانضباط ودخل العالم في حالة من فقدان الوزن أسميتها في حينها “الفوضى الدولية الشاملة” التي دشنها صدام بغزو الكويت. إذن عدو أمريكا وأوربا واليابان وروسيا والصين اليوم هو هذه الفوضى الدولية الدامية التي تهدد بخطر أن يصبح العالم غير قابل للحكم أي أن يصبح صومال كبيرة. في نظري من لا يدرك هذه الواقعة السياسية الدولية يعجز عن فهم غايات الدبلوماسية الدولية. أما القول بأن الولايات المتحدة اختارت الإسلام كعدو بديل عن الشيوعية فلا دليل عليه، وقد لا يعدو أن يكون مجرد تخييل لعقدة الاضطهاد المتأصلة في الوعي الإسلامي التقليدي والأصولي . الإرهاب الإسلامي في الشيشان وفي الصين وفي السعودية وفي المغرب وفي الجزائر وفي مصر وفي أوربا وفي باكستان وفي كشمير وأخيراً “القاعدة” الشهيرة لم تخترعه واشنطن بل هو نتيجة لأسباب دينية خاصة بالتعليم الديني الذي يغذي التعصب ويحرض على الجهاد ولأسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية طالما حاولت تحليلها ولا مجال للخوض فيها الآن ولا شك أنك اطلعت عليها يا صديقي أكرم.































