أعاد اتفاق تشكيل حكومة إقليم الأندلس، المبرم بين الحزب الشعبي وحزب فوكس، الجدل حول مستقبل الحوار الاجتماعي في هذا الإقليم الواقع بجنوب إسبانيا، بعدما تضمن التزاما بخفض الإعانات العمومية المخصصة للنقابات ومنظمات أرباب العمل بنسبة 50 في المائة. ويأتي هذا التوجه ضمن برنامج حكومي واسع يشمل إصلاحات في مجالات الاقتصاد والهجرة والطاقة والتعليم والصحة والإنفاق العام، في خطوة يرى مؤيدوها أنها ترمي إلى ترشيد المال العام، بينما تعتبرها النقابات تهديدًا لدورها المؤسساتي.
ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة بالنظر إلى النهج الذي اتبعته حكومات الأندلس خلال السنوات الأخيرة في إدارة الملفات الاجتماعية، حيث شكل الحوار مع النقابات والاتحادات المهنية إحدى ركائز تدبير قضايا التشغيل والتعليم والصحة. وقد ساهم هذا المسار في إبرام عدد من الاتفاقات الاجتماعية، قبل أن يفتح الاتفاق الحكومي الجديد الباب أمام مرحلة مختلفة قد تشهد تراجعا في مستوى الشراكة بين السلطة التنفيذية والفاعلين الاجتماعيين.
ولم تتأخر ردود الفعل النقابية، إذ أعلنت عدد من المنظمات النقابية رفضها للإجراء، معتبرة أن تقليص التمويل العمومي المخصص للمشاركة المؤسساتية لا يستهدف الموارد المالية فقط، بل ينعكس أيضا على قدرة النقابات على أداء أدوارها في تمثيل الأجراء والمشاركة في بلورة السياسات العمومية. في المقابل، يدافع الحزبان المشكلان للحكومة عن الإجراء باعتباره جزءا من سياسة ترمي إلى مراجعة أوجه الإنفاق العمومي، وربط الدعم بمعايير المنفعة العامة والشفافية.
ويزداد الجدل تعقيدا بالنظر إلى الوضعية المالية لنقابة الإتحاد العام للشغل في الأندلس، التي ما تزال تسدد أكثر من 40 مليون يورو لحكومة الإقليم على خلفية قضية تتعلق باستعمال غير مشروع لإعانات مخصصة لبرامج التكوين المهني. كما لا تزال النقابة تواجه تبعات قضائية مرتبطة بالملف، في انتظار البت النهائي في الطعون المعروضة أمام المحكمة العليا الإسبانية، وهو ما يجعل أي نقاش حول التمويل العمومي للنقابات مرتبطا أيضا بإرث قضائي ومالي يعود إلى سنوات سابقة.
وبين دفاع الحكومة الجديدة عن سياسة تقليص الإنفاق، وتمسك النقابات باستمرار آليات الحوار الاجتماعي، تبدو الأندلس مقبلة على مرحلة سياسية واجتماعية جديدة قد تعيد صياغة العلاقة بين المؤسسات العمومية والشركاء الاجتماعيين. وسيبقى مدى تأثير هذه الإجراءات مرهونا بترجمتها في أول مشروع للميزانية الإقليمية، وبقدرة مختلف الأطراف على الحفاظ على قنوات الحوار في ظل توازنات سياسية جديدة داخل حكومة الإقليم.

























