في الوقت الذي كانت فيه استعدادات الأحزاب السياسية جارية على قدم وساق لخوض معركة الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر 2026، وكان المغاربة يترقبون انطلاق الحملة الانتخابية باحتدام الصراع بين أحزاب الائتلاف الحكومي الثلاثي: التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة والاستقلال، مع أحزاب المعارضة: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية وغيرها، من خلال عرض الحصيلة الحكومية والكشف عن مضامين البرامج الانتخابية، ومدى حنكة المرشحين في استمالة الناخبين وإقناعهم بقدرتهم على الترافع عن أهم القضايا التي تشغل بالهم، وحرصهم الشديد على الاستجابة لانتظاراتهم…
فإذا بهم يفاجؤون بانتقال الصراع السياسي إلى مستويات أخرى أكثر حساسية، وخاصة فيما يتعلق بالتزكيات، “الترحال السياسي” والتسابق على استقطاب الكفاءات والدفع بها إلى تغيير ألوانها السياسية، خاصة بين أحزاب التحالف الحكومي، التي يفترض أن تظل منسجمة ومتضامنة إلى آخر لحظة من عمر الحكومة. لكنها لم تلبث أن أصبحت تشهد سجالات وتصفية الحسابات نهارا جهارا وهي على بعد مسافة قصيرة من محطة الانتخابات، لاسيما بعد إعلان فريقي “الميزان” و”الجرار” عن التحاقهما بمبادرة طلب المعارضة، الداعي إلى تشكيل لجنة تقصي الحقائق حول دعم قطاع المواشي أو ما بات يعرف إعلاميا ب”دعم الفراقشية”، فيما قرر فريق “الحمامة” الامتناع عن ذلك…
ولم يقتصر الأمر هنا على ما سلف ذكره، بل ظهرت خلافات أخرى تتمحور حول ما عرف باسم “الميركاتو السياسي” أو الاستقطابات المتبادلة، إذ أن من بين ما أضعف تماسك الأغلبية، هو أن كل حزب من أحزاب الأغلبية الحكومية يسعى جاهدا إلى محاولة الانفراد بصدارة نتائج الانتخابات، وبالتالي ضمان رئاسة الحكومة القادمة “حكومة المونديال”، التي تحظى بأهمية استراتيجية، لارتباطها بعدة أوراش تنموية والعديد من الملفات والتحديات الكبرى، وفي مقدمتها استضافة المغرب لبطولة كأس العالم 2030 في كرة القدم إلى جانب كل من إسبانيا والبرتغال في ملف ثلاثي مشترك.
بيد أن الأسوأ من ذلك ونحن على بعد أمتار قليلة من نقطة النهاية، هو إقدام الحزب القائد للحكومة، على اتهام وصيفه حزب”الأصالة والمعاصرة” بممارسة ضغوط على عدد من منتخبيه وبرلمانييه وقياداته المحلية، للدفع بهم نحو الترشح باسمه، مما ساهم في إشعال فتيل معركة “تكسير العظام” بينهما عبر تبادل الاتهامات في تصريحات نارية مضادة. حيث أصدر المكتب السياسي لحزب “الحمامة” بلاغا رسميا يوم الثلاثاء 25 غشت 2026 في تزامن مع ذكرى المولد النبوي الشريف، يستنكر بواسطته لجوء حليفه “الأصالة والمعاصرة” إلى ممارسة الضغط وعمليات الاستقطاب، التي طالت عددا من برلمانييه وأعضاء مجالسه الترابية، معتبرا أن اعتماد مثل هكذا أساليب يعد إساءة واضحة إلى مصداقية العمل السياسي، وتناقضا بارزا بشأن توافقات تخليق المنافسة الانتخابية، مهددا باتخاذ كافة الإجراءات التي يكفلها له القانون، حماية لتنظيمه ومناضليه.
ولم يقف الأمر عند حدود صدور ذلك البلاغ المثير للجدل، بل أخذ التصعيد بين الحزبين الكبيرين اللذين يتصدران المشهد السياسي منحى آخر أكثر وضوحا، عندما تم تسريب تسجيل صوتي من داخل اجتماع مغلق منسوب لرئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي بحزب “الأحرار” رشيد الطالبي العلمي، الذي ينتقد فيه قيام”فوزي لقجع” بممارسات “الترهيب والترغيب” في استقطاب منتخبي الحزب، متوعدا إياه بحرمانه من حقيبة وزارة المالية. وهو ما خلف ارتياحا لدى بعض أمناء الأحزاب الذين ظلوا يترقبون تصدع التحالف الحكومي الثلاثي قبل موعد الانتخابات، وأثار ردود فعل غاضبة بين المواطنين، الذين يرفضون بشدة أن تتحول الانتخابات إلى مجرد كعكة كبيرة، يتقاسمها “الأقوياء” في الظلام.
وفي سياق هذه الأزمة السياسية، التي أصبحت تستأثر باهتمام المواطنين أكثر من البرامج الانتخابية، ورغم أن رئيس الحكومة أخنوش التزم كالعادة الصمت، فقد تفاقمت حدة السجال بين قيادات الحزبين، إذ صرحت فاطمة الزهراء المنصوري عضوة القيادة الثلاثية لذات الحزب، عمدة مراكش ووزيرة الإسكان، في لقاء تواصلي بالمقر الجهوي لحزب “الجرار” بمراكش يوم الأربعاء 26 غشت 2026، بأن حزبها لن يتحالف مستقبلا مع حزب “الأحرار”، بسبب ما تعرض له من اتهامات. كما لم يفت عضو المكتب السياسي والوزير المكلف بالميزانية فوزي لقجع “المرعب” استغلال فرصة الاجتماع المنعقد في27 غشت 2026 بجماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح، للرد على الغريم رشيد الطالبي العلمي بالقول: “الإرهابيين الحقيقيين هم أولئك الذين حولوا فرحة عيد الأضحى إلى مصدر قلق وتوجس لدى عديد الأسر المغربية”، ناسيا أنه هو أيضا كان مسؤولا عن تدبير دعم أضاحي العيد!
إن أشد ما نخشاه في هذه الانتخابات، التي يراهن عليها الكثيرون للخروج من النفق المظلم وإحداث التغيير الذي طال انتظاره، هو أن تتضاعف نسبة العزوف عن المشاركة، ليس فقط في ظل ما بتنا نشهده من انحراف في النقاش السياسي عن مساره الطبيعي، عبر تبادل “القذائف النارية” بين حزبي “الحمامة” و”الجرار” اللذين يفترض فيهما أن يكونا نموذجا للانسجام والتضامن حتى نهاية الولاية التشريعية، بل كذلك فيما بتنا نشهده من مزايدات حزبية عقيمة وإطلاق الوعود الكاذبة، مثل ادعاء البعض إلغاء تسقيف السن في مباراة التعليم أو زعم آخرين خلق مليون منصب شغل للشباب، أو رفع قيمة الدعم الاجتماعي من 500 درهم إلى 5000 درهم دفعة واحدة، وما إلى ذلك من الترهات…
اسماعيل الحلوتي





























