*جمال الكتابي
تحل هذه السنة الذكرى المئوية للمشاورات الفرنسية–الإسبانية التي حسمت مصير محمد بن عبد الكريم الخطابي (عبد الكريم)، عقب أسره من طرف القوات الفرنسية يوم 26 ماي 1926. وتكشف الوثائق المحفوظة بالأرشيفين الفرنسي والإسباني أن قرار نفيه إلى جزيرة لا ريونيون لم يكن قرارا فرنسيا أحاديا، كما تردد في كثير من الكتابات، بل كان ثمرة مسلسل طويل من المشاورات السياسية والقانونية بين فرنسا وإسبانيا وسلطان المغرب. فقد انطلقت هذه المشاورات في باريس يوم 13 يونيو 1926، قبل أن تنتقل إلى المقرات العسكرية بمدينة ألكالا دي هيناريس، شرق مدريد، ثم إلى المقرات الحكومية بشارع ألكالا في مدريد، لتعود من جديد إلى باريس، حيث صودق على القرار النهائي خلال المؤتمر الدولي المنعقد يوم 15 يوليوز 1926، بمشاركة فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وسلطان المغرب.
قبل التوقيع في هذا المؤتمر على الصيغة النهائية لخطط النفي، استقر اتفاق هذه الأطراف، في سياق المشاورات، على مدغشقر وجهةً للنفي. لكن لما عُرض هذا الاقتراح على عبد الكريم وشقيقه امحمد، خلال إقامتهما المحروسة بدار الإدريسيين بفاس، كان رد هذا الأخير حاسما ودون تردد: ” ” أفضل أن أُعدم رميا بالرصاص هنا ولن أقبل بهذا المكان “. ولم يختلف موقف عبد الكريم عن موقف شقيقه، إذ أعلن بدوره: ” نفضل الإعدام هنا ولا هذا المكان “. وأمام هذا الرفض، وما فرضه من إعادة فتح النقاش بين الوفدين، وقع الاتفاق في النهاية على اعتماد جزيرة لا ريونيون مقرا للنفي.
عندما قرأت هذه الوثيقة، تساءلت مع نفسي: لماذا قبلا لاريونيون ورفضا مدغشقر، وهما جزيرتان لا تفصل بينهما سوى حوالي 500 كيلومتر بحري، علما أن لاريونيون أبعد وأصغر؟ ربما رفضا مدغشقر لأنها كانت مستعمرة؟ أتمنى أن يكون عبد الكريم قد أجاب عن هذا السؤال في مذكراته، التي نتمنى أن تُنشر يوما.
استمر المؤتمر شهرا كاملا، من 13 يونيو إلى 15 يوليوز 1926. وبعد افتتاحه في باريس يوم 13 يونيو، رفعت جلساته إلى مدريد. وجرت هذه الاجتماعات بين قيادتي الأركان، في سرية تامة، بعيدا عن أعين الصحافة والاستخبارات، وذلك بمدينة ألكالا دي هيناريس، التي تبعد عن مدريد بنحو 30 كيلومترا. وكان المكان آنذاك مركزا للجيش الاسباني ومقرا لتخزين المعلومات والأرشيف المتعلق بحرب الريف، وما يزال كذلك.
بعد انتهاء الاجتماعات العسكرية بألكالا دي هيناريس، انتقلت المداولات إلى المقرات الحكومية بشارع ألكالا (القلعة) في مدريد، حيث شارك فيها، إلى جانب أعضاء اللجان الأمنية والعسكرية، الماريشال فيليب بيتان والجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا، قبل أن يُرفع الملف إلى باريس. وفي هذا الاجتماع وقع تلاسن حاد بين الأخيرين، لأن هذا الأخير كرر طلب إسبانيا، في محاولة يائسة، ضرورة تسليم عبد الكريم إلى السلطات الإسبانية لمحاكمته، استنادا إلى اتهامات، من بينها قيادته تمردا مسلحا ضد التاج الإسباني، ومسؤوليته عن مقتل وتعذيب عدد من الأسرى الإسبان، إلى جانب ادعاءات بتعرض بعض الأسيرات الإسبانيات لانتهاكات خلال فترة الأسر. وكانت مدريد ترى في هذه المحاكمة، بطبيعة الحال، تعويضا سياسيا ومعنويا عن الهزيمة التي مُني بها الجيش الإسباني في معركة أنوال وجبهات أخرى.
الماريشال بيتان رد بلغة حادة، رافضا طلب الجنرال، انطلاقا من اعتباره أن عبد الكريم استسلم للقوات الفرنسية ويوجد في حضرة السلطان بفاس، وبالتالي أصبح خاضعا لمسؤوليتهما. وذكره برسالة ” تيودور ستييغ “، المقيم العام الفرنسي بالمغرب، إلى الحكومة الإسبانية أثناء توقيفه: ” عبد الكريم أسير حرب، يوجد في حضرة السلطان، وعلينا الاستفادة من أفكار وتجربة هذا الأخير في التعامل مع مثل هذه الحالات عند تحديد مصيره “. بل إن ستييغ تعمد الإشارة في هذه الرسالة إلى الصيغة التالية:”عبد الكريم مواطن انتفض ضد السلطان”. وبالتالي فرنسا مسؤولة عن السياسة الخارجية للسلطان. وقد سبق أن نشرت مجلة زمان هذه الرسالة بالفرنسية قبل اثنتي عشرة سنة.
ونلاحظ أن فرنسا كانت حذرة في التعامل حتى مع قرار النفي، فكيف بالأحرى مع مطلب المحاكمة الذي كانت تدعو إليه إسبانيا؟ وسيتبين لاحقا، عند صياغة القاعدة القانونية للنفي (الظهائر)، أن فرنسا كانت تنظر بعيدا، من خلال إلقائها المسؤولية على السلطان.
ولم يكن هذا التوجه غريبا عن الممارسة الفرنسية نفسها، التي راكمت تجربة مريرة وطويلة في نفي المعارضين إلى مستعمراتها العقابية، وواجهت بسبب ذلك انتقادات واحتجاجات من عدة جهات دولية ومحلية. كما لم تكن سياسة النفي غائبة عن تقاليد المخزن في التعامل مع القبائل المنتفضة، ومن بينها قبيلة بقيوة أثناء حملة بوشتى البغدادي، حين نُفي عدد من المنتفضين إلى جزيرة قبالة الصويرة. وإلى جانب ذلك، حذرت باريس من أن محاكمته أو إعدامه قد يحولانه إلى رمز للحركات المعادية للوجود الاستعماري في المغرب وشمال إفريقيا ومناطق أخرى، وهو ما جعلها تدافع عن خيار النفي الدائم باعتباره الأكثر انسجاما مع مصالحها الاستراتيجية.
وكما قلنا، ولإضفاء المشروعية القانونية على هذا القرار، أُصدر باسم السلطان ظهيران بتاريخ فاتح غشت و9 أكتوبر 1926، يقضيان بنفي عبد الكريم وأفراد أسرته وتسعة عشر من قادة الثورة إلى خارج الريف، مع تجريدهم من أملاكهم. وتكشف الوثائق أن الحكومة الإسبانية شاركت في صياغة الظهير، بل طلبت حذف بند كان ينص على إعادة بعض الأراضي التي انتُزعت من عبد الكريم إلى أصحابها الأصليين. كما وصف الظهير عبد الكريم بأنه ” فتان سلك مسلكا شنيعا في معاكسة المخزن الشريف والدولة الحامية “، في محاولة لإضفاء الشرعية المخزنية على قرار صاغته، في الواقع، المشاورات الفرنسية – الإسبانية.
وتعزز شهادة محمد الرايس هذا المعطى (شهادات على المقاومة)، إذ يذكر: ” إن قرار النفي تُلي على عبد الكريم ومرافقيه داخل مقر إقامتهم بدار الإدريسيين بفاس، من طرف ضابط فرنسي كبير بمعية الضابط سانيي، باسم المخزن الشريف “. ثم أُعيد، قبل نقلهم بيوم إلى الدار البيضاء، تلاوة قرار النفي ولائحة المرافقين من طرف القائد المخزني محمد بن بوشتى البغدادي، مرة أخرى باسم المخزن الشريف، في تأكيد واضح على حرص سلطات الحماية على إظهار القرار في صورة عقوبة صادرة عن المخزن، رغم أنه كان ثمرة توافق فرنسي–إسباني.
على سبيل الختام:
بعد انتهاء مشاورات فرنسا وإسبانيا حول مصير عبد الكريم، أرسلت الحكومة الفرنسية، يوم 27 يوليوز 1926، رسالة مشفرة إلى سلطات لا ريونيون، تطلب منها الإسراع بتهيئة شاطو مورونج ليكون مقر إقامة عبد الكريم ومرافقيه.
وثمة ملاحظة جانبية، فقد ورد في ظهير النفي أن عدد قادة الثورة الذين سيُنقلون إلى المغرب الفرنسي هو تسعة عشر، لكن المصادر تبين أن العدد الحقيقي كان أكبر بكثير.
*أمستردام يوم 27 يوليوز 2026




























