ياسين الفاسي
تعاني المجتمعات المعاصرة حاليا تحديات اجتماعية وحضارية غير مسبوقة وأهمها ما تنتجه التكنولوجيات الرقمية المؤثرة بشكل مباشر على نظام حياة البشر وقيمهم، بحيث أحدثت واقع جديد على الإقتصاد والثقافة والمجتمع والسياسة، ونظرا للوضع المذكور أقدمت المجتمعات السياسية على فتح نقاش حول إشكالية التكنولوجيات والقيم وتأثير الأولى على مختلف الطبقات الإجتماعية مع التركيز على الفئة العمرية للناشئين والشباب في جميع جوانب الحياة اليومية الخاصة بهم في فترات الدراسة والتكوين، العمل والعلاقات الإجتماعية وحتى في الحياة الخاصة لكل فرد.
بدأت التكنولوجيات الرقمية الحديثة بالتأثير سلبا على حياة الأفراد داخل المجتمعات خصوصا الفئات العمرية الحديثة من خلال تغير العلاقات الإجتماعية بسبب الإقبال المفرط على التكنولوجيات المذكورة لدرجة تصل للإدمان عليها و على أدواتها، مما ينتج تهديدا حقيقيا للعلاقات الإجتماعية بين البشر لكونها تجعل الفرد في عزلة عن الأسرة، عن العائلة وعن المجتمع، كما أن كل ما تمارسه التكنولوجيات الرقمية على الفرد من تأثير قد يصل أحيانا لخلق نوع من العبودية لها تأثير مباشر على قيم الإنسانية وتخلق قيما أخرى مبنية على ما يترتب لدى الفرد بحكم إستعماله أدوات التكنولوجيات الرقمية ومستوى هذا الإستعمال الذي يمكن أن يتوقف عند مستوى التعلم وبناء المؤهلات وهو ما يؤثر إيجابا على الفرد، كما يمكن أن يتعدى ذلك إلى مستوى ضياع الفرد وسط واقع غير واقعي بدون أهداف وبشكل يصل لسلب الإرادة بل حتى خلق واقع من العبودية التامة أو الجزئية.
وفي المغرب إنتشرت التكنولوجيات الرقمية بشكل متسارع مع تنوعها وتطورها وإتساع عدد الأفراد المشتركين في عالم الأنترنيت ويتصدر الشباب بعمر 15 سنة لغاية 35 سنة الأفراد الأكثر إستعمالا لشبكة الأنترنيت بحيث يظهر جليا أن نصف الشباب المغاربة يستعملون الأنترنيت وباقي أدوات التكنولوجيات الرقمية بشكل إيجابي في الإطلاع والتعلم والتكوين والإنتاج والممارسة المهنية، فيما تبقى نسبة محترمة في المجتمع الشبابي بالمغرب يستخدم الأنترنيت وأدوات التكنولوجيات الرقمية بشكل لا يؤثر إيجابا على شخصه ومستقبله الوجودي، وهو الشيء الذي يستوجب على مؤسسات الدولة العمل على اتخاذ تدابير لحماية الأجيال والأفراد داخل المجتمع من الآثار السلبية للأنترنيت وأدوات التكنولوجيات الرقمية داخل حدودها الإقليمية، وأفضل مثال في ذلك ما أقدمت عليه بريطانيا مؤخرا على حماية فئة إجتماعية من مواطنيها يقل عمرها عن 16 سنة من المخاطر الناتجة عن إستخدام تطبيقات التواصل الإجتماعي وهو ما لجأت إليه قبل ذلك أستراليا، وإلا سنكون أمام أجيال قادمة تعاني الإدمان الرقمي، العزلة الأسرية والاجتماعية، ضعف التحصيل العلمي والأداء المهني، تدهور الحالة النفسية والإجهاد الجسدي، وهو ما يعني ضياع الأجيال القادمة من جهة وقيام مسؤولية مؤسسات الدولة والأسر عن هذا الضياع.






























