يضع الدكتور عبد الوهاب إيد الحاج نجاعة البرامج التنموية الموجهة لمحاربة الفقر والهشاشة بالمغرب موضع تساؤل، معتبرا أن الإشكال لا يرتبط فقط بحجم الموارد المالية المرصودة، وإنما أيضاً بكيفية توجيهها وبناء التدخلات على أساس احتياجات الفئات المستهدفة. ويرى الكاتب أن تعدد البرامج والمؤسسات المتدخلة، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والوكالة للتنمية الاجتماعية إلى وكالات تنمية الأقاليم والجماعات الترابية والمنظمات غير الحكومية، لم ينعكس بالقدر المنتظر على أوضاع الفقراء.
وفي صلب هذه المفارقة، يضع إيد الحاج ما يعتبره إغفالا للمهارات الفطرية التي يمتلكها الفقراء، مقابل التركيز على تلقينهم مهارات جديدة من خلال برامج التكوين والتأهيل. ويعتبر أن هذه المقاربة لم تستثمر بما يكفي الخبرات التي راكمها المستفيدون في حياتهم اليومية ومحيطهم الاجتماعي، رغم ما يمكن أن توفره من إمكانات لتحسين أوضاعهم الاقتصادية. ومن هذا المنطلق، يربط الكاتب بين محدودية النتائج، في تقديره، وطريقة تصور المشاريع التنموية وتنفيذها.
ويبدأ إيد الحاج تفسيره لهذه الاختلالات من صعوبة التواصل المباشر بين بعض القائمين على البرامج والفئات المستهدفة، مشيرا إلى أن التكوين اللغوي والثقافي للمدبرين والتقنيين والموظفين قد لا يساعدهم دائما على التواصل مع الفقراء بالعربية أو الدارجة أو الأمازيغية. ويرى أن هذه المسافة تحد من القدرة على التعرف على احتياجات المستفيدين وخبراتهم، داعيا إلى اعتماد لغة يفهمونها في البرامج الموجهة إليهم، حتى لا تتحول نتائج الدراسات والخبرات التقنية إلى معرفة بعيدة عن واقعهم.
ولا يعتبر الكاتب الانفتاح على اللغات والتجارب الأجنبية عائقا في حد ذاته، بل يميز بين لغة التواصل بين الخبراء ولغة نقل المعرفة إلى الفئات المستهدفة. ويستحضر، في هذا السياق، استعانة الخبير الأجنبي بلغته الأم في التواصل، متسائلا عن أسباب عدم إيلاء المهارات المحلية المكانة نفسها عند التعامل مع الفقراء. وبالنسبة إليه، فإن تجاوز هذا الخلل يقتضي الانتقال من مطالبة المستفيدين بالتكيف مع لغة البرامج ومفاهيمها إلى تكييف آليات التواصل مع خصوصياتهم وقدرتهم على المشاركة.
ويربط إيد الحاج هذا الإشكال بما يسميه غياب “العمق الوجداني” لدى بعض المشرفين على المشاريع التنموية، في إشارة إلى محدودية معرفتهم بالعادات والتقاليد والتراث الشعبي المغربي، وما يتصل به من مهارات في الفلاحة والصناعة التقليدية والطبخ واللباس وغيرها. ويعتبر أن ضعف الإلمام بهذه المكونات قد يؤثر في تقدير قيمة المشاريع المستندة إلى الخبرات المحلية، داعيا إلى تكوين مستمر يمكّن الأطر المشرفة من الجمع بين أساليب التدبير الحديثة وفهم الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمناطق المستهدفة.
أما الاختلال الثالث، فيتعلق بالدراسات التي تعتمدها البرامج التنموية لتشخيص الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمناطق، إذ يرى الكاتب أن بعضها يُنجز في آجال قصيرة لا تسمح بالتعمق الكافي في الواقع المحلي. ويعزو ذلك، ضمن عوامل أخرى، إلى القيود الزمنية المرتبطة بطلبات العروض، بما قد يحد من القدرة على تحديد مكامن الخلل الفعلية. ويستند في هذا التقييم إلى مشاركته في ملتقيات لتقديم دراسات همّت مناطق بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، يقول إنها لم تكن، في نظره، بالمستوى الذي يسمح ببناء قرارات تنموية دقيقة.
ويمتد نقد إيد الحاج إلى طريقة توزيع الموارد داخل بعض المشاريع التي تشرف عليها هيئات دولية ومنظمات تنشط في مجال محاربة الفقر، إذ ينتقد التركيز على التكوينات الإدارية والتدبيرية وإحداث البنيات والتجهيزات، مقابل ما يعتبره محدودية الدعم المباشر للفئات المستهدفة. كما يشكك في دوافع بعض الاختيارات التمويلية، معتبرا أن جزءا مهما من الإنفاق قد ينتهي إلى خدمة الجهات الحاملة للمشاريع وأطرها، بدلا من توجيهه إلى تطوير قدرات المستفيدين. وتظل هذه التقييمات جزءا من موقف الكاتب الذي يطرحه انطلاقا من تجربته في المجال.
ويجمع الكاتب هذه الملاحظات في دعوة إلى إعادة ترتيب أولويات التدخل التنموي، من خلال اكتشاف المهارات التي يمتلكها الفقراء وتطويرها وربطها بالفرص الاقتصادية المتاحة. كما يدعو إلى إشراك الجامعات والهيئات المانحة والمؤسسات المنتخبة وغيرها من الأطراف المعنية في بلورة مقاربات تستند إلى معرفة أدق بواقع السكان. ووفق هذا التصور، لا ينبغي أن يقتصر التكوين على اكتساب مهارات جديدة، بل يتعين أن ينطلق أيضا من الخبرات القائمة ويعمل على تحويلها إلى إمكانات للإنتاج وتحسين الدخل.
وتعيد أطروحة إيد الحاج طرح مسألة تقييم البرامج التنموية، من خلال التساؤل عن مدى قدرتها على تحويل الموارد المرصودة إلى تحسن ملموس في حياة المستفيدين، بدلاً من الاكتفاء بحجم الميزانيات أو عدد التكوينات المنجزة. كما تفتح النقاش حول كيفية التوفيق بين المهارات المتوارثة ومتطلبات السوق والتكوين التقني، بما يتيح للفقراء المشاركة في تحديد مسارات المشاريع التي تستهدفهم. وبذلك، يدعو الكاتب إلى الانتقال من مقاربة تركز على تلقين المستفيدين مهارات جديدة إلى تصور يجعل قدراتهم القائمة إحدى ركائز التخطيط للتنمية.





























