ركز الكاتب التونسي حافظ قويعة على أهمية البحث العلمي في مجال المقدس، وكلفته الباهظة بالنسبة للمثقف، ضارباً المثل بابن رشد الذي تعرض للإهانة والتشريد كما تعرضت مؤّلفاته للتحريف بسبب موقفه العقلاني من قراءة الشّريعة، ومع ذلك حالفه الانتصار في نهاية المطاف، فتلقّفه الغرب وتقدّم، وتناساه المسلمون فتأخّروا.
وأشار الأكاديمي التونسي في حوار مع مجلة “ذوات” إلى أهمية المناهج الحديثة في فهم النص الديني، وأبدى إعجابه بالفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا”، مؤكداً أن مقولاته لا تشكل أي تهديد لكياننا القومي، بل هي لبنة تنضاف إلى لبنات حركة التنوير الكونيّة المستمرّة، وليست كما يُردد البعض من الحداثويين دعوة إلى الهدْم والعبث.
كما انتقد دعوة رضوان السيّد إلى رد الاعتبار للمؤسسة التقليدية، وتمنى أن يحافظ على انسجاميّة التوجهات التي رسمها لنفسه في مختلف كتاباته السابقة، حتّى لا يعيد مسيرة بعض المفكرين “المرتدين”، من أمثال محمد عمارة، حسب قوله.
وحافظ قويعة أكاديمي تونسي، حاصل على دكتوراه الدولة في الآداب، وأستاذ بشعبة اللغة والآداب والحضارة العربيّة بجامعة صفاقس، كما أنه مهتم بدراسة المقدس واللاهوت، وله مجموعة من الأبحاث في حقل مناهج التفسير؛ منها “بحث تفسير القرآن في العصر الحديث”.
* الأستاذ حافظ قويعة، نشطت خلال الآونة الأخيرة حركية الإنتاج والنشر حول الموروث الديني من خلفية نقدية، عبر اعتماد مناهج تنتمي لحقل الحداثة الغربية،فما هي أهم المنهجيات النقدية المطبقة في دائرة الثقافة الإسلامية؟
– هذا سؤال عام جدّا، فالمناهج النّقديّة المطبقة فيما أسمَيته دائرة الثّقافة “الإسلاميّة” كثيرة. وقبل الحديث عن هذه المناهج، دعني أذكرك بالزوج المفهوميّ الّذي وظّفه العلماء العرب القدامى؛ أعني ثنائيّة العقل والنّقل الّتي عبّر عنها في البداية بثنائيّة أهل الرّأي وأهل الحديث. المسألة عندهم قائمة على التّمييز بين منهجين في مقاربة المسائل: منهج يقوم على إعمال العقل في معالجة أيّة قضيّة تعريفا وتحليلا وبرهنة واستنتاجا، ومنهج آخر يقوم على معالجة القضايا اعتماداً على النّقل أساساً، أي على ما يسمّى اليوم بالمقاربة الحجاجيّة.
كلّ المناهج المطبّقة اليوم في جميع مجالات البحث قائمة على العقل والتّجربة لا على النّقل، وإذا اتّفقنا على هذا، يتعيّن علينا الوعي بأنّ عبارة “مناهج” فضفاضة جدّا، ولذلك نجدها دائما مشفوعة بصفة تخصّصها من قبيل المنهج الإحصائيّ، الكمّي، البنيوي، النّفساني…
في هذا السّياق، يمكن الاكتفاء بمثال واحد، وهو المنهج التاريخاني الّذي طبّقه عبد اللّه العروي في قراءته للموروث العربيّ الاسلامي، وهو باختصار منهج يستحضر المعطيات الموضوعيّة الحافّة بالوقائع ويحلّلها ثمّ يعيد تركيبها ليصل إلى نتائج معيّنة تبقى هي نفسها قابلة للنّقد. هذا المنهج يهدف إلى استكشاف الواقع كما كان لا كما نريد نحن أن يكون قد كان؛ أي إلى نزع الأسطرة عن الماضي في كلّ المجالات وفي كلّ الفترات بما في ذلك فترة النبوّة ناهيك عن فترة الخلافة الرّاشدة. وإذا كان العروي لم يطبّق هذا المنهج على النصّ التأسيسي، فإنّ محمّد أركون أقدم على ذلك موظّفا مفاهيم أخرى من مناهج مثرية للمقاربة التّاريخيّة، وفي نفس هذا التّوجّه المنهجي يمكن إدراج مؤلّفي هشام جعيّط عن التّجربة المحمّديّة، وكذلك جلّ كتابات عبد المجيد الشرفي.
* لقد تبنى محمد عابد الجابري منهجية “احترازية” في نقده للعقل العربي بتناوله للتراث كمنتوج بشري دون المس بالنص المقدس خلافاً لمحمد أركون ونصر حامد أبو زيد وغيرهما؛ ألا ترى أن رؤية الجابري تصلح كأرضية “توافقية” قادرة على إقناع تيارات أخرى، وبالتالي فهي أكثر فاعلية في مسار التجديد الفكري داخل الثقافة الإسلامية، على اعتبار أن الموروث الديني ملك للجميع، وبالتالي فإن النجاح في تجديده يمر عبر التوافق وليس التصادم؟
– نحن لا يمكن إلا أن نثني على المجهودات التي بذلها المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في جلّ كتاباته بقطع النّظر عن قيمتها من وجهة نظر أكاديميّة؛ لكن ما وصفته بـ “الاحترازيّة” ليس منهجا وإنّما هو اختيار ربّما يعبّر عن خشية تطبيق منهجيّة الدّرس الابستمولوجي المعاصر على النّصّ المقدّس لما قد يثيره ذلك من ردود فعل خطيرة على الكاتب نفسه. لكن أذكرك بأنّ الجابري قدّم دراسة عن القرآن في آخر فترات حياته هي دون التّوافقيّة أصلاً، بل تكرار مخلّ لما جاء في التّفاسير القديمة. ومهما قيل عن التّبريرات الذّاتيّة لهذا العمل، فالأرجح في تقديرنا أنّ الجابري انكبّ في هذا العمل على مسالة ليست من اختصاصه. أمّا أركون ونصر حامد أبو زيد، رغم ما بينهما من تمايز، فقد انخرطا فعلا، كلّ على طريقته في قراءة النّصّ المقدّس، وهو ما يندرج في باب التّخصّص العلمي. لكنّهما في تقديري لم يقصدا التّصادم وإنّما قصدا الكشف عما انتهت إليه مقاربتهما العلميّة بكلّ أمانة فهما بعبارة القدامى لم يخشيا في الحقّ لومة لائم أو قُل تحلّيا بالشّجاعة والاستقلاليّة اللّتين أشار إليهما كانط في نصّه الشّهير عن الأنوار. أمّا أن يكون خطاب الرّجلين وغيرهما صادما، فهذا أمر بديهيّ وطبيعيّ جدّا، لأنّ “القول العلمي” كان باستمرار عبر التّاريخ شأن “الخطاب الإبداعي” يُواجه بالرّفض في مرحلة أولى، ثمّ لا يلبث أن يفرض وجوده ويعترف به حتّى بعد مدّة طويلة؛ فالكنيسة التي كادت تعدم غاليلي، لأنّه أثبت دوران الأرض حول الشّمس، وهو ما يتعارض في رأيها مع مسلّمات الكتاب المقدّس، اعتذرت له في ستّينيات القرن الماضي معربة بذلك عن تبنّي الحقيقة العلميّة.
إنّ ثمن التّقدّم العلمي باهظ في كلّ المجالات بما في ذلك مجال المقدّس، ولك في سيرة العديد من المفكّرين المسلمين القدامى خير مثال على ذلك، فابن رشد تعرّض للإهانة وحرّفت بعض مؤّلفاته وشُرّد لتبنّيه موقفاً عقلانيّاً في قراءة الشّريعة، لكنّ خطابه هو الذي انتصر في نهاية المطاف، فتلقّفه الغرب وتقدّم، وتناساه المسلمون فتأخّروا، وكان لا بدّ أن تمرّ قرون من التّخلّف حتّى نعترف بأهميّة ما كتب هذا الفيلسوف العظيم، وينبري مفكّر كالجابري مطالبا باستعادة “اللّحظة الرّشديّة!” لكن هيهات، فمقاربة المقدّس اليوم تجاوزت القراءة الرّشديّة بكثير ويتعيّن الانتباه أنّ هذا التّجاوز لا يعني البتّة الإلحاد أو التخلّي عن الإيمان.
وإن كنت تريد مزيد التّأكّد من الرّغبة عن التّصادم لدى روّاد الحداثة المعاصرين في المجال الدّيني، فحسبك العودة إلى كتابي هشام جعيط عن سيرة محمّد، وثلاثيّة عبد المجيد الشّرفي “لبنات”: ففي كتابات هذين المفكّرين تجاوز فعليّ للخطاب السّائد ووفاء لروح الإسلام، وتمييز واضح بين الإيمان من جهة، وبين مقتضيات المقاربة العلميّة المعاصرة التي خلافا لما يقال هي أقدر على مساعدة المسلم على التّصالح مع تراثه من الخطاب السّلفي التّوفيقي المهادن للدّوكسا على جميع الأصعدة. أذكّرك بالمناسبة، أنّ عمليّة نقد الفكر الدّيني “المتزمّت” في الغرب نهض بها أوّلا رجال دين (مثل ريتشارد سيمون الذي كتب أوّل “تاريخ نقدي” للكتاب المقدّس).
* هناك من يحترس من عمليات النقد التي تطال الموروث الديني، ويعتبرها من أعمال العبث والعدمية؛ فصار يدعو إلى التقليد ورد الاعتبار للمؤسسة التقليدية وتركيز الاهتمام على الجماعة بدل الدولة، كيف تنظرون إلى هذه الدعوة التي مثلها على أحسن وجه المفكر اللبناني رضوان السيد؟
– انتقلنا الآن من احترازيّة الجابري إلى احتراسيّة رضوان السّيد! سيّدي أنا أعتبر كتابات رضوان السيّد جديرة بالاحترام، كما أتبنى كل ّمساعيه التأسيسية في اتجاه التنوير، لكنني بالمقابل أستغرب موقفه هذا من “عمليات النّقد التي تطال الموروث الدّيني” ناهيك عن الدعوة إلى التقليد وتركيز الاهتمام على الجماعة بدل الدولة. النّقد العلمي الرّصين هو عماد التجاوز وشرط التّقدّم ولا مجال من زاوية النّظر هذه إلى ضبط حُدود يُمنع عن النّقد تجاوزها، ولا أظنّ أن رضوان السيّد يخلط بين النّقد بالمعنى الكانطي (التنويري) والانتقاد الفجّ للموروث الدّيني، أو حتّى النقد الوضعاني للمقدّس الذي يختزل الدّين في مجرّد متنفس لتخفيف الآلام أو أضغاث أحلام للتعويض عن المكبوت الجماعي، يقول عبد الله العروي: “القرآن كمصحف يُتصفّح كمجموعة حُروف وكلمات وعبارات ووثيقة مادية كباقي الوثائق لا اعتراض على إخضاعها لجميع أنواع النقد المعاصر. الأمر مشروع ولا مانع كذلك من أن نُخضع للنقد نفسه كل ما تَولد عن القرآن في التاريخ أعمالا وأقوالا وأحكامًا”. هل نعتبر كلام العروي هذا عبثا وعدميّة؟ إنه في تقديري عين الإصلاح والبناء. هو دعوة لقراءة جديدة، أي معاصرة للقرآن وللتجربة المحمّديّة بصفتها تجربة إنسانيّة على غاية من العمق والنّفاذ والاستشراف.
لاشكّ أن التصوّر الوضعاني للدّين لم يعُد يحظى بالمصداقيّة لدى “المجموعة العلمية” اليوم، لكنّ هذا لا يعني البتّة تراجعاً عن مبادئ المقارنة العقلانيّة للظاهرة الدّينيّة، لأنّ الدّراسات العلميّة اليوم تجاوزت المنهج الدّيكارتي وحتى المنطق الثّنائي، فصارت تطبق منهجًا أكثر وعيا بتشعّب الظواهر الطبيعيّة والإنسانيّة على حدّ سواء، وهذا ما برهن عليه المفكّر الفرنسي إدغار موران في مجموعة من المؤلفات تحت عنوان “المنهج”. أمّا الدعوة إلى ردّ الاعتبار للمؤسسة التقليديّة، فلست أدري المقصود منها حقيقة؟ هل هي دعوة إلى العَودة لمؤسسة الخلافة وسائر النّظم الإسلاميّة التّابعة لها من قبيل ولايةالقضاء وولايَتي المظالم والحسبة؟ إن كان هذا هو المطلوب للخروج من التّخلّف الذي تعاني منه الأمّة، فلْنسلم أمرنا إلى شيوخ السّلفيّة ودُعاتها، لأنّ هذا عين ما يدعون إليه، وعندئذ ينبغي أن نُحرق كل مؤلفات “زعماء الإصلاح”، بل ينبغي أن نُحرق كلّ مؤلفات مُفكرينا المعاصرين، مثل العروي، وأركون، والشرفي، وسمير أمين، وحنفي، وجعيط… إلخ!! أنا أرجو أن يعيد الأستاذ رضوان السيّد النظر في هذه الدّعوة، حتّى يحافظ على انسجاميّة التوجهات التي رسمها لنفسه في مختلف كتاباته، وحتّى لا يعيد مسيرة بعض المفكرين “المرتدين”، مثل محمد عمارة الذي كان بالأمس يدعو إلى إسلام ثوري اشتراكي، وصار اليوم يُنظر إلى “تقنين الشريعة الإسلامية” في مجلس الشعب، وإلى “مُقاومة الاستبداد” بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طريقة الغزالي في إحياء علوم الدين.
* يرى البعض أن المنهج التفكيكي لجاك دريدا يجعل معنى النص غير ثابت، ما دام يتيح للقارئ السلطة في صياغة المعنى، كما يتهمه بالمثالية على منوال نقد بورديو له، كما يرى آخرون أن التحولات التي صاحبت فترة ما بعد الحداثة، وما رافقها من عودة المقدس، صارت تستدعي إعمال منهجيات بديلة، ذكر البعض منها منهجية “البلاغة السامية”، كيف تقدرون هذه المواقف؟
– أعتقد أن اختزال منهج جاك دريدا في هذه العبارة فيه إخلال كبير بما ورد في كتاباته. لنتفق أولا، فاعتبار “معنى النصّ غير ثابت” حقيقة برهنت عليها الكثير من الدّراسات القديمة (نظرية الأربع معاني في تأويل الكتاب المقدّس) والمعاصرة (كتابات غادمار وريكور). التفكيك الذي يدعو إليه دريدا ليس هدما اعتباطيّا ولا نفيا للمعنى بل هو إعادة قراءة للمكتوب وفق مَفْصلة جديدة له تخرج عن الأسيجة والحدود التي تضعها المؤسسات (المدرسة /الجامعة /دور النّشر… ) للنصوص. هي إن شِئت هدم للمهترئ من البناء القائم قصد إعادة بنائه بشكل آخر، هي من جهة أخرى قراءة مُتيقظة ومنتبهة للمُهمّش والمسكوت عنه في الخطاب السّائد عن النصّ. المعنى عند دريدا خلافا لما يرى دي سوسير ليس مُعطى حاضرا مباشرة، بل هو مُؤجّل، لأنّه يندرج ضمن مسار دينامي يتسربل في مساحات بَينِيَّة تخلخل التّمايزات الواضحة جدّا التي رسختها الفلسفة الغربية منذ العصر الإغريقي بين ثنائيات مختلفة بالتضادّ الحادّ.
تأجيل المعنى هو ما يسمّيه دريدا بالفرنسيّة “Différance” بالطّبع هذا التوجّه في قراءة المكتوب خطير لأنه يخلخل المقولات الكبرى التي انبنى عليها العصر الكلاسيكي (الهوية/ الثبات/ التضاد/ الوضوح…) وهذا ما يفسّر انزعاج الكثير من المفكرين الغربيّين من كتابات دريدا، باعتبارها تشوّش الرؤية على الجميع. خطاب دريدا يبدو متمرّدا على مقوّمات الفلسفة الغربيّة برمّتها في صيغتها الكلاسيكيّة التي تتبناها المؤسسة التّعليميّة حتى في الجامعة. فلا غرابة والحال هذه، أن ينتقده مفكّرون مثل بورديو المسكون بهواجس أخرى أقرب إلى العدالة الاجتماعيّة منها إلى أي شيء آخر على صعيد الفكر.
أمّا نحن العرب، فلسنا مُطالبين بتبنّي مقولات دريدا ولا مقولات غيره، لأننا لم نوفّق بعد في تحويل مبادئ العقلانيّة بمعناها الدّيكارتي إلى ممارسة على الصّعيدين النظري والعملي، ومع ذلك نحن مُطالبون باستحضار انحرافات الفكر الغربي ودوغمائياته التي أشار إليها دريدا وفصّل القول فيها بطريقة أنجع حسب رأي المفكّر الفرنسي إدغار موران خاصة من جهة تفعيله لمقولة التشعّب.
خلاصة القول، إن مقولات دريدا لا تهدد كياننا القومي، وهي ليست كما يُردد البعض من الحداثويين دعوة إلى الهدْم والعبث، بل هي لبنة تنضاف إلى لبنات حركة التنوير الكونيّة المستمرّة، رغم التعثرات والعراقيل التي يضعها في طريقها أنصاف المثقّفين فضلا عن المحافظين والسّلفيّين تحت تسميات علمويّة أحياناً، في أمريكا خاصّة.
أمّا عن المنزلة المهمة للقارئ في صياغة المعنى، فهذا ليس اكتشافا ينسب إلى دريدا ويمكنك العودة إلى كتابات العديد من المنظرين، أمثال ايزر ويوس وايكو وشارل لتتأكّد من ذلك، بل سبق لعلي ابن أبي طالب قوله: “القرآن خطّ مسطور بين دفّتين لا ينطق، وإنّما ينطق به الرّجال”. صحيح للتّأويل حدود، فليس لكلّ قارئ أن يضفي على النّصّ المعنى الذي يريد كما برهن على ذلك إمبرتو إيكو في مؤلّفه “حدود التّأويل” لكنّ النّصّ يبقى دائما مفتوحا على إمكانيّات عديدة للقراءة كما بيّن إيكو نفسه قبل ذلك في مؤلّفه “النّصّ المنفتح”. القارئ المقصود في هذا السّياق هو القارئ الكفء الذي لا يقلّ نديّة عن صاحب النّصّ نفسه.
حديثك عن منهجيّات بديلة تقتضيها عودة المقدس، مثل منهجيّة البلاغة السّامية يثير مسائل عديدة في نفس الوقت منها ما يتعلّق بالمفاهيم (عودة المقدس، مناهج بديلة، البلاغة السّامية)، ومنها ما يتعلّق بمنطق الربط بين هذه المفاهيم، لسان حالك يقول إنّ المناهج المطبقة إلى الآن على الموروث الدّيني أو بصفة أدقّ على الكتب المقدّسة أصبحت قاصرة، وأن عودة المقدّس أو عودة الدّين تفرض استبدالها بمناهج أخرى.
* هل يمكن أن تفصل في الموضوع؟
– لنقل كلمة أوّلاً في ما أسمَيته “عودة المقدّس”، هذه التسمية تحيل دون شكّ على حقيقة موضوعيّة أثبت صحّتها العديد من الدّارسين، وفي مقدّمتهم عالم الاجتماع الأمريكي “بيتر. برجز” في كتابه الشّهير “القرص المقدّس عناصر سوسيولوجية في الدّين” بعد أن كان في فترة سابقة مقتنعا، مثل غيره من المفكّرين المنكبّين على المسألة الدّينيّة بالانتصار النهائي للعَلمَنة. “عودة المقدّس” يسميها بعض الباحثين “عودة الله”، لكنّ جل المتخصّصين في هذا المبحث يفضلون الحديث عن عودة الديني على “عودة الدّين”، باعتبار أن العودة المقصودة ليست مجرّد محاكاة مطابقة للسلوكيات الدّينيّة المعروفة في المجتمعات التقليديّة بقدر ما هي تمظهرات للدّيني في أشكال سلوكية ومواقف وأفكار جديدة اقتضتها الحداثة على الصّعيدين المادّي والمعرفي وزادتها العولمة ترسخا وانتشارًا، وهي عودة جاءت فيما يبدو كردّ فعل طبيعي على خيبة أمل كبرى إزاء تبخر الوعد بالسّعادة للجميع الذي بشرت به الحداثة في صيغتها الوضعانيّة والرّأسماليّة فانتهت إلى تدمير الطّبيعة وقهر الشعوب المتخلفة وأكثر من هذا تدمير الإنسان ككائن ظل على التاريخ يضفي معنى لوجوده. فصار اليوم حتّى عند إشباع كلّ رغباته المادّية مفتقرًا للمعنى؛ أي لتلك الطّمأنينة الوجوديّة التي كانت توفرها له الأديان التّقليديّة بقطع النّظر عن ماهيّة تلك الطّمأنينة ومرْجعيّتها. هل تقتضي هذه الوضعيّة في سياق عودة الدّيني التخلّي عن مناهج البحث السّابقة واستبدالها بمناهج أخرى؟ أنا أستبعد هذا، إذ لا معنى للتّفويت في مناهج البحث المعاصرة في كلّ المجالات، لأنّها مناهج قائمة على إعمال العقل؛ أي المَلَكة التي يتميّز بها الإنسان عن سائر المخلوقات.
أما البلاغة السّاميّة هي تسمية حديثة وإشكالية حديثة، باعتبار أن إرهاصاتها الأولى ظهرت خلال النّصف الثّاني من القرن الثّامن عشر، وإشكالية باعتبار ما في عبارة “السّامية” اليوم من فائض أيديولوجي من جهة، وما في تمييز السّامية ببلاغة خاصّة. السّامية تحيل مبدئيّا على خصائص عرقيّة ولغويّة وثقافيّة لمجموعة من الشّعوب عاشت (ومازالت) في بلاد العرب وسوريا وفلسطين وبلاد الرّافدين والحبشة ونظرًا لسعة هذه المنطقة وانغراسها في عمق التّاريخ وطبيعة مناخها خاصة، ظهرت فيها عدّة حضارات سماها سبتوموسكاتي “الحضارات السّامية”، التي حمل مشاعلها أقوام عدّة، أهمهم البابليّون والكنعانيون والعبريون والآراميون والعرب. وتعود لغات هذه الأمم إلى لغة أمّ هي السّامية، لغة استطاع علماء اللّسان الكشف عن بعض السمات التي تميّزها بوضوح عن لغات الهند-أوروبيّة في آسيا الوسطى عُموما. وهذا ما يفسّر بعض التشابه بين العربيّة والعبريّة مثلا.
هل يسمح هذا الانتماء المشترك إلى لغة أصلية واحدة، ثمّ إلى مجموعة دينيّة واحدة (الدّيانة الإبراهيميّة) إلى القول بوجود خصائص بلاغيّة واحدة بين الكتاب المقدّس (العهد القديم والعهد الجديد) والقرآن. هذه فرضيّة تحتاج في تقديري إلى برهنة علميّة من قبل أهل الاختصاص أمّا ما كتبه بعض المستشرقين في تحليلهم لبعض السّور القرآنيّة (المائدة) أو الحديث النّبوي، فهو في تقديري غير كافٍ للبرهنة على صحّة هذه الفرضيّة، وهو في أحسن الأحوال يبقى دون ما كتبه القُدامى عن “إعجاز القرآن”، رغم اختلاف السّياق الإيبستيمي؛ فالفرق شاسع بين بلاغة النصّ القرآني بالمعنى المعاصر للبلاغة (لا بالمعنى المعياري عند أصحاب كتب الإعجاز) وبلاغة الكتاب المقدس الذي هو بعبارة أدق مجموعة من الكتب وضعها كتاب مختلفون بلغات مختلفة على مدى فترة طويلة من الزّمن. بالطّبع كلّ هذا لا ينفي مشروعيّة البحث عن كُلّ ما يدعم الحوار بين المسيحيين والمسلمين واليهود. لكن دون التعسّف على مقتضيات الخطاب العلمي.
* تعاني دول العالم العربي والإسلامي من أزمة في التعليم الديني، تعبر عنها عمليات المراجعة المتواصلة من طرف الحكومات لبرامجه وانتقادات مؤسسات المجتمع المدني، كما تجسد أخيراً في ضغوطات غربية وأمريكية خصوصا على عدد من الدولة الإسلامية من أجل إصلاح منظومتها التعليمية. فأين يتموقع التعليم الديني في تونس؟ وما مدى حضور البيداغوجيا العصرية في تكوين النخبة الدينية في العالمين العربي والإسلامي؟
– أخذ التعليم الدّيني في تونس منعرجًا واضحًا منذ بداية الاستقلال، بعد أن قرّر بورقيبة انطلاقا من توجّهاته الحداثيّة تقليص دور جامع الزّيتونة، وإدراج مادّة التربية الدّينيّة ضمن برامج التّعليم الابتدائي والثّانوي، فلم يعُد تدريس الدّين مهمّة ينهض بها شيخ بالمعنى المتعارف عليه، بل مُعَلّم من خريجي مدارس الترشيح أو أستاذ في المعهد لا شيء يميزهما مبدئيّا عن زملائهم الذين يُدَرسون مواد أخرى، مثل الأدب أو الرياضيّات. وكانت مادّة التربية الإسلامية تُدَرس من قبل نفس الأستاذ الذي يُدرس التربية المدنية. ولكلّ من المادتين ضارب ضعيف مقارنة بالضَوارب المسندة إلى المواد الأخرى (العربيّة/ الرياضيات/ الفيزياء…)، هذا الوضع لم يتغيّر جوهريّا إلى اليوم، وإن كانت بعض مظاهر الاهتمام بالدّرس الدّيني تزداد وُضوحًا وفاعليّة خاصّة في مستوى التّعليم الابتدائي (بشكل غير رسمي) وبصفة أخصّ في مستوى ما قبل سنّ الدّراسة، حيث نشهد تنامياً واضحاً للمدارس القرآنيّة على النحو الذي كانت عليه قبل الاستقلال، بل بتوجهات أكثر مُحَافظة وتزمّتا، لا لأنّ المشرفين على التّدريس فيها غير أكفّاء فحسب، بل لاعتبارات أيديولوجيّة لا شكّ أن أبرزها صعود الحركات الإسلامويّة وتوليها مقاليد الحُكم مؤخّرًا.
برامج التّعليم الدّيني في تونس مُنذ الاستقلال إلى اليوم، هي في تقديرنا أكثر البرامج انفتاحًا في العالم العربي الإسلامي، ويبدو هذا واضحًا في الكُتُب المدرسيّة الخاصّة بالتعليم الثّانوي التي نجد فيها توجّها واضحا نحو المنزع العقلاني في التّراث الإسلامي بالتّركيز على المفكّرين الدّاعين إلى الاجتهاد والعمل بمقاصد الشّريعة (الشّاطبي/ علال الفاسي/ الطّاهر بن عاشور… ) ومُقاومة التّقليد. فأنت تجد نُصوصًا كثيرة لمفكّرين مُستنيرين تُعرض على تلاميذ السّنوات الأخيرة من التّعليم الثانوي لا أتصور إمكانيّة إثباتها في برامج أغلب الدّول العربيّة الأخرى (فؤاد زكريا/ نصر حامد أبو زيد/ عليّ حرب/ عبد المجيد الشّرفي/ حسين أحمد أمين/ محمّد سعيد العشاوي إلخ…). أمّا في التّعليم العالي، فلئن بقيت كُليّة جامعة الزّيتونة التي تضُمّ المعهد العالي لأصول الدّين والمعهد الأعلى للحضارة الإسلاميّة تقدم لطلبتها برامج محافظة نسبيّا، فإنّ العديد من المسائل الدّينيّة تدرّس اليوم من زاوية حداثيّة في بعض شُعب التعليم العالي، مثل الفلسفة والتاريخ وبصفة أخص في شعبة العربيّة (مادّة الحضارة)، وليست الأعمال الجامعيّة والأطروحات التي نشرت بعضها مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” سوى إحدى ثمرات هذه الشّعبة، ومن اللاّفت للانتباه في هذا السّياق، أنّ سلطة الإشراف ساعدت خِلال تِسعينيات القرن الماضي على إصدار سلسلة من الدراسات أشرف عليها أساتذة مُستنيرون (أحمد عبد السّلام/ عبد المجيد الشّرفي/ فرحات الدّشراوي/ محمّد الطالبي) وأنجزها تلاميذهم (محمد حمزة/ حافظ قويعة/ حياة عمامو/ حمادي ذويب… ) قصد توجيه المدَرسين بجامعة الزّيتونة، نحو تعليم ديني أقلّ انغلاقًا وأكثر انفتاحًا على العلوم الإنسانيّة الحديثة في مُقاربة المسائل الدّينيّة. وفي هذا السّياق، قدّم مُنجزُو هذه السّلسلة نماذج بيداغوجيّة مُعاصرة في دراسة بعض المواضيع، ونذكر بأن هذه السّلسلة من الكتب أصدرها المركز القومي البيداغوجي، وهو ما سهّل تسويقها بأثمان زهيدة وبالتّالي انتشارها خاصّة في أوساط الطّلبة.
التعليم الدّيني في العالم العربي الإسلامي هو في أزمة اليوم، أكثر من أيّ يوم مضى، ولا غرابة أن تتعالى أصوات المنادين بإصلاح المنظومة التّعليميّة في هذا المجال، ولئن أدركت النخبة المستنيرة في تونس ضرورة هذه المراجعة، فإنّ المستقبل مفتوح على سيناريوهات غير مطمئنة خاصّة في سياق تولّي الحَرَكات الإسلامويّة للسُّلطة، لأنّها قد تعود بالتّعليم الدّيني إلى الوراء تحت شعارات براقة من قبيل “المحافظة على الهّويّة”، و”مقاومة العَوْلمة”، و”الإسلام هُو الحلّ.”
حاوره: محمد بوشيخي































