د.عبد اللطيف بوصوف
يحتفل العالمان الإسلامي والمسيحي يوم الخميس المقبل بذكرى المولد النبوي الشريف وذكرى ميلاد المسيح عليه السلام، وهو يوم تاريخي حيث لم تتصادف هاتان الذكرتان في نفس اليوم منذ سنة 1558 ميلادية الموافق لسنة 966 هجرية .
ولعل في ذلك دلالة قوية ورسالة بينة على احياء القيم السامية وتكريس التعايش والتسامح والسلام، ودعوة رمزية للتعايش والبناء المشترك والحوار بين جميع الديانات على الأرض، في زمن طغت فيه قيم الصدام وغلبته التشنجات واحاط به الرفض، مع كل ما تحمله هذه السلبيات من خطر على الإنسانية جمعاء.
لا شك في ان التوافق في التاريخ بين العيدين يفرض التأمل فيما تزخر به الديانتان من مبادئ الاحترام والتعايش والأخوة والاحترام المتبادل، كما يفرض علينا التجند من أجل تشجيع المعرفة الحقيقية للمسلمين بالقيم المسيحية والمسيحييين برسالة الدين الإسلامي السمح، وندير الظهر لدعوات الصدام والكراهية،إذ الإسلام في جوهره ومحتوى رسالته ليس عدوا للغرب المسيحي كما أن المسيحية ليست عدوة للعالم المسلم.
وخير دليل على العيش المشترك بين الديانتين هذا التواجد الحقيقي للمسلمين في الغرب، فإن عددا من المساجد ذات الإشعاع الروحي والعلمي في كل الدول الأوروبية، ووجود كتدرائيات في أغلب الدول الاسلامية، كالمغرب حيث لا تخلو مدنه الكبيرة من معالم دينية مسيحية، الامر الذي يقطع بأن التناقح والتفاهم الذي عاشت فيه الديانتان منذ قرون؛ هو خير شاهد على التناقح الفكري والتقارب الانساني على الرغم من احتفاظ التاريخ بفترات الحروب بين العالمين، إلا ان فترات السلم كانت هي الغالبة إضافة إلى أن فترات المحادة على قلتها كان البعد السياسي وتوظيف الموقف الديني هو السبب الرئيس في حدوثها وتضخمها
إضافة إلى ماسبق نستطيع القول بأن التأثير والتأثر والاثراء المعرفي المتبادل لم ينقطع حتى في أوج الحروب الصليبية، وفي أشدها بأسا كانت الدول الاسلامية توفر الماوى لأصحاب الاديان الأخرى، ونذكر على سبيل المثال، احتضان المغرب لليهود المطرودين من إسبانيا في فترة محاكم التفتيش، كما رفض السلطان محمد الخامس تسليم اليهود لحكومة فيشي، وسجل التاريخ موقفه هذا وما زال العالم يذكر جملته الشهيرة: لا يوجد في المغرب إلا مواطنون مغاربة؛ كما أن السلاطين المغاربة كانوا يصدرون ظهائر التوقير لأشراف الديانة اليهودية تفرض على الجميع توقيرهم واحترامهم كما يجب لغيرهم من المسلمين.
لقد أتى الإسلام برسالة محبة وسلام للإنسانية جمعاء، والقرآن الكريم يدعو الى احترام أهل الكتاب، كما ان وثيقة المدينة التي وضعت أسس التعايش بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الاخرى خاصة المسيحيين واليهود، وأشركتهم في المواطنة من بعد أن جعلتهم جزءا من الأمة يعتبر بعدا حضاريا لا يمكن تجاوزه في لحظة التأصيل للتوافق الديني
فلتكن هذه المناسبة فاتحة خير لبناء إنساني مشترك، لأنه لا خيار للإنسانية للاستمرار في العيش في هذا الكون إلا عبر ارساء قواعد للعيش المشترك والاحترام المتبادل.
*رئيس مجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج































