عبد اللطيف مجدوب
فقدان الثقة السياسة
تفيد بعض الإحصائيات بأن معظم الأنظمة السياسية العربية ضرب أرقاما قياسية في تضخم عدد الأحزاب وتعدد ألوانها ومشاربها وأعراقها ، ويمكن الجزم بأن متوسط عدد الأحزاب الذي تختزنه كل دولة عربية يصل بالكاد إلى 25 حزبا ، وأحيانا بفارق كبير بين البلد والآخر يتحدد في 30 حزبا ، فالأردن ؛ على سبيل المثال ؛ يحتضن 49 حزبا ، وفي لبنان بلغ عدد الأحزاب ؛ بين الطائفي والعشائري والعقائدي ؛ 166 حزبا ، وأما تونس فقد عرفت طفرة تفريخ الأحزاب لدرجة غير مسبوقة في أعقاب الإطاحة بالرئيس السابق بنعلي ، وصل حالياً 200 حزبا (معظمها خامد) ، وبالجزائر فقد فاقت بها الأحزاب 62 تشكيلة ، مع انتظار العشرات للترخيص ، وفي العراق بلغ عدد الأحزاب المجازة رسمياً 249 حزب ، وفي ليبيا ما زال التشظي السياسي سيد الموقف في توافق الأحزاب والعشائر على تشكيل الحكومة ، أما السودان فبه أكثر من 100 حزب ، علاوة على أن دورها في التأطير والمساهمة في تشكيل المشهد السياسي العام بالكاد أخرس ، وأصبح في الآونة الأخيرة محل نفور كافة مكونات المجتمع المدني .
هذه الظاهرة في؛ تفريخ الأحزاب بهذه الأعداد ؛ جاءت ردا على التهم التي ظلت لصيقة بالنظام السياسي العربي ذي التوجه “الديكتاتوري” ، أو”الحزب الأحادي الحاكم” أو”النظام الشمولي” .
بنية الأحزاب وتشرذم المشهد السياسي
هناك أحزاب قديمة أو بالأحرى رائدة في حصول استقلال كثير من الأقطار العربية، بعضها استمد تسميته من الظرفية الآنية ، كحزب الاستقلال بالمغرب، وجبهة التحرير الوطني بالجزائر، وبعضها استمد شعاره من بعض الأقطاب الايديولوجية، كحزب التقدم والاشتراكية، والحزب الوطني الديموقراطي، بينما هناك أحزاب أخرى تبنت؛ في نهجها السياسي؛ ظرفية سياسية فارقة ، كأحزاب البعث والتي قدمت إلى السلطة على متن دبابات الانقلابات العسكرية ، ثم هناك أحزاب إسلامية بزغ نجمها على إثر الثورة الخمينية بإيران، واستبداد بعض التنظيمات الإسلامية بالسلطة ، هذا فضلاً عن وجود عينة من الأحزاب صدرت؛ في تنشئتها؛ عن توجهات عرقية أوطائفية أو عشائرية، كما الحال في معظم الأحزاب بكل من العراق ولبنان.
إلا أن هذه البنية وبهذه التعددية ، وحتى لو كانت قوانينها الداخلية المكونة ؛ تنحى في اتجاه “الحقوق والديمقراطية ؛ فإنها في الواقع الميداني تظل تتهافت على كراسي السلطة ، ولا تنشط غالبا سوى في المواسم الانتخابية ، لذا أطلق عليها “بالدكاكين الانتخابية ” ، وهناك أحزاب قامت على فكرة صيانة وحماية مصالح فئوية معينة ، ذات هيمنة اقتصادية بارزة ، في هذا القطاع أو ذاك. ويجمل بنا القول ؛ في هذا السياق ؛ الإشارة إلى بؤر توترات إقليمية ذات نزعة بالكاد انفصالية ، أبرزها الحركة القبايلية الأمازيغية بالجزائر MAC.
ولإن كانت بعض الأنظمة الحاكمة أصبحت تشدد القيود على إنشاء مزيد من الأحزاب ، فإن غليان المشهد السياسي والاضطرابات الاجتماعية التي تعرفها بعض البلدان ، زاد أن عمق ؛ في وجدان المواطن العربي ؛ النفور السياسوي واللاثقة في “الحاكم” ، ما حدا بالواقع العربي ؛ وبجغرافية سياسية ممتدة ؛ إلى الانزلاق إلى هوة التشظي والتمزق السياسيين ، فظهرت إلى العلن تنظيمات اجتماعية ذات نزعة دينية تحت يافطات وعناوين (الحركات والجمعيات) ؛ تشتغل في الخفاء ، ولها امتدادات جغرافية في ربوع البلاد العربية ، غالبا ما تقدم نفسها بديلا ” لتدهور” الواقع المعيش ، وتسعى هذه الكيانات بوسائل خاصة إلى التغلغل داخل المجتمعات ، أو تهدف إلى توسيع قاعدة جمهورها عبر بوابات خيرية إحسانية ، لكنها لا تفتأ أن تغير جلدتها حينما يحل موسم الانتخابات ، كالجمعيات الخيرية والثقافية والفنية والمهنية.. وتجعل من بعض المرافق الاجتماعية نقط الاستقطاب والتمدد ؛ كحركة الجهاد الاسلامي ، وحركة الإخوان المسلمين ، وحركة حماس ، وحركة السلفية الوهابية ، والحركة السلفية الجهادية ، والتيار الصدري..
واقع سياسي مضطرب
كان وما يزال التداول على السلطة أبرز المساعي التي يرومها كل تنظيم سياسي ، إلا أن قضية النضج السياسي أو بالأحرى استراتيجية الانتخابات السياسية العربية هي التي تتكسر عليها كل المحاولات لتجديد النخب السياسية ، لانتفاء شفافية واضحة ترضي كافة فرقاء اللعبة.
الانقلاب العسكري أو حينما تُغتصب السلطة
تشهد كرونولوجيا السياسة العربية Chronologyعلى فترات حالكة أو بالأحرى دموية ؛ امتدت خلالها أيادي العسكر لعزل حاكم والإطاحة به وانتقال السلطة إلى أيادي أصحاب البنادق ، وهو دأب كثير من الأنظمة العربية ، حينما ينفلت الأمن بها ؛ لاضطرابات سياسية ما ؛ فيتدخل الجيش بذريعة احتواء الأزمة والضرب على أيدي ذوي الأطماع والطموحات السياسية اللامشروعة ، وتمرد العسكر أحياناً وفي راهنية الظروف ؛ يكون مدعما من قبل أطراف خارجية ؛ لها دورها في تشكيل المشهد السياسي العام ، كما لاحظنا إبان اغتصاب العسكر للسلطة في مصر أيام محمد مرسي وقبله في ليبيا الملك السنوسي ، وكذا في الجزائر التي ظل فيها نظام الحكم لا يبارح الهيمنة العسكرية على كل مرافق الدولة ، حتى وإن ظهر مقنعا بالمسحة المدنية.
وصفوة القول ؛ يمكن القول وبشكل عام ؛ إن الأمية السياسية ؛ في تدبير الشأن العام ؛ من جهة واللاثقة في الآخر من جهة ثانية ، كان وسيظل الوقود الأساس للتناحر السياسي والذهاب بالبلد إلى الفوضى ونهب مقدراتها ، ومن هذا المنطلق حرصت العديد من الأنظمة الغربية على بث أجهزتها المراقباتية في كل البلدان العربية ، لضمان حماية مصالحها في الدرجة الأولى ، وكجرس إنذار لها كلما لاحظت وجود فتيل سياسي/اجتماعي قابل للانفجار.































