الغبزوري السكناوي
كتبتُ يومًا أن مدينتي، كل شيء فيها يُباع بالتقسيط، إلا الأحلام فمصيرها مختلف، تُعرض بالجملة، تغلف في عبارات براقة، وتُوزع بسخاء في نشرات الأخبار، لا تاريخَ انتهاءٍ، ولا ضمان، أحلام تُنثر بكرم حاتمي، ثم تختفي كالماء في الرمل، ننام على مخطط، ونصحو على إعلان تأجيل، نصفّق لمشروع، ثم نُخذَل بمجسم ثلاثي الأبعاد، وكلما سألنا أين ذهب الحلم؟ أغرقونا بالصمت.
الحسيمة، مدينة نقرأ مشاريعها كما نقرأ الشعر، بمتعة عابرة، ونسيان سريع. ما يُعلَن اليوم في لقاء مصقول، قد يُمحى غدًا بلا اعتذار، وما يُرسم في الخيال، نادرًا ما يجد له أساسًا في الواقع. ولأن المشاريع هنا تُدار بمنطق المزاج، فلا غرابة أن تولد بلا روح، وتموت بصمت قبل أن تُنطق. وبينما تستمر الوعود في التداول يبقى الواقع على حاله، شاهداً صامتاً على حلم لم يُكتب له أن يتحقق.
الحسيمة لا تؤمن بالمشاريع العادية، ففي كل مرة يُعلَن فيها عن مبادرة جديدة، تتكرر العناوين ذاتها “مشروع مهيكل”، “برنامج مندمج”، “رؤية استراتيجية”. تُعلّق اللافتات، تُلتقط الصور، يُذاع الخبر، ثم يُطوى الملف في أدراج النسيان. ويبقى الحلم معلّقًا كغيمة لا تمطر، فالمشاريع هنا لا ترى النور، بل تتلاشى كأطياف باهتة أو تتحوّل إلى نكتة حزينة. الحسيمة مدينة احترفت الانتظار، وتكتفي كل موسم سساحي بتجديد طلاء الأرصفة… كأن الزينة وحدها تكفي لتعويض الغياب.
ونحن في عزّ الصيف، لا بد أن نستعيد أحلام السياحة، تلك المشاريع التي نُثرت يومًا من شاشات التلفزة، كوعود سياسي مغربي في موسم الانتخابات، فندق تحت الماء بشاطئ إسلي، جسر معلق، منطقة سياحية جديدة بشاطئ “كلايريس” رؤية بعنوان “مخطط التنمية السياحية لإقليم الحسيمة”، برنامج “فضاء الاستقبال السياحي”، و”اتفاقية لتنمية السياحة القروية”، “المخطط الأزرق” و”مخطط بلادي”، كلها أسماء لامعة كقوس قزح لكنها بلا مطر، خطط أنيقة على الورق، لا تلامس أرض الحسيمة إلا كظلّ عابر لا يترك أثرًا.
لازلت أذكر حين كان عادل الدويري وزيرًا للسياحة ما بين (2002-2007)، اعتلى ذات يوم منصة مقر حزب الاستقلال بالمدينة، وأطلق من هناك مشروع “كلايريس” السياحي، جعلنا نحلم بأن الحسيمة ستصير “أكادير المتوسط”، بمنتجعات خمس نجوم، ميناء ترفيهي، مراكز استشفائية، ومرافق للغوص! نعم، أعلن عن إقامة منطقة سياحية جديدة، وعن خلق الآلاف من فرص الشغل، لكننا ما زلنا ننتظر حتى إشعارٍ غير مُعلن، المشروع اختفى كضيفٍ عابر في حلم انتخابي لم يُكتب له البقاء، وكعادتها ظلت “كلايريس” صخر بلا عمران.
مشروع “كلايريس” كان حلمًا يمتد على مساحة 340 هكتارًا، بطاقة استيعابية تصل إلى 11,184 سريرًا، وكان من المنتظر أن يخلق نحو 3000 منصب شغل مباشر. بلغت ميزانيته نحو 6 مليارات درهم لإقامة سبعة فنادق فاخرة، مطاعم، ميناء ترفيهي، مركز غوص، مستشفى، ومراكز تجارية، وبناء مدرسة فندقية من طرف المستثمرين. لكن رغم كل ذلك، لم يتجاوز المشروع إعلان نوايا، فقد أُلغي دون أي تفسير رسمي، حلم تبخر في الهواء كصفحة بيضاء لم يكتب عليها سوى الوهم، ومع ذلك، تظل الحسيمة تترقب بلا جواب.
الأحلام، كما يبدو، خُلقت خصيصًا لهذه المدينة، ففي يوم الأربعاء 4 يوليوز 2007، تقرر – بكل فخر- الإعلان عن استفادة المنطقة من “مخطط بلادي”، ذاك البرنامج الذي وُصف بأنه رافعة جديدة للسياحة الموجهة للمغاربة. الحسيمة لم تكن على الهامش بل في صلب المخطط، منطقة سياحية موعودة، فنادق، مخيمات، وسعة إيوائية تضاهي المدن الكبرى. أرقام وُزعت بسخاء، وتصريحات تكدّست، وخرائط عُلّقت على الجدران، لكن كما في كل الأحلام التي سبقتها، لم تنزل “بلادي” ضيفًا على المدينة إلا في نشرات الأخبار، أما الحسيمة فظلت مدينة تعيش على وعودٍ تُنسى بمجرد ما تُقال.
حلم آخر سُرّب في ليالي المدينة سنة 2008 تحت اسم “المركز الجهوي للسياحة”، قيل أنه سيعهد إليه تتفيذ مخطط التنمية السياحية للإقليم بقيمة 8.3 مليار درهم، وهو المخطط الذي كان يطمح – عبر ثلاث مشاريع مهيكلة- إلى رفع ليالي المبيت بحوالي 50 مرة، زيادة عدد السياح الوافدين على المنطقة بحوالي 13 مرة، ورفع الطاقة الإيوائية عشرين مرة. أرقام تبدو كأنها تُقرأ من كتب الفلك، بينما الواقع يصرّ على أن المدينة ما زالت تنتظر أن يتحقق شيء منها على الأرض.
أتظنون أن الأحلام توقفت؟! حاشا لله، فهذه أرض الأورش المفتوحة منذ الأزل! ففي 7 يناير 2012، أُعلن عن برنامج “فضاء الإستقبال السياحي” بالحسيمة، المعروف بـ PAT، والذي بشّر بخلق ثلاث مدارات سياحية، وثماني مآوي للإيواء، ومركز للإعلام البحري، لكن ما تلقّته الساكنة بعد الاستيقاظ، لم يكن سوى بناية في حي كَلابونيطا، ظلت مغلقة لسنوات، قبل أن تحوَّل في السنة الماضية إلى مقر للشرطة في إطار توسيع التغطية الأمنية وتنويع العرض الأمني، وهكذا يبقى الحلم وفيًّا لعادته القديمة: يُعلَن عنه في الضوء، ويُدفن في الصمت.
وفي مسلسل الأحلام المتلاحقة، جاء يوم 20 شتنبر 2013، حيث اعتلى الوزير لحسن حداد منصة الإعلان، ليؤكد البشارة لأهل الحسيمة بتوقيع “عقد البرنامج الجهوي للسياحة”، 37 مشروعًا وُعدت بها المنطقة، منها ثلاثة مهيكلة و34 تكميلية، والهدف المعلن: تنشيط ثقافي موسّع، بناء مخيم يتسع لأكثر من 400 شخص في إطار “مخطط بلادي”. لكن “بلادي” – كما جرت العادة- اكتفت بصورة تذكارية، المشاريع بقيت حبيسة التصريحات، لا الوجهات افتُتحت ولا الثقافة انتعشت، أما الوزير، فغادر إلى مسؤوليات أخرى، وترك خلفه لائحة من المشاريع التي لم تبرح الورق.
في 10 فبراير 2015، وصلت إلى المدينة دفعة جديدة من الأحلام، محمولة على أوراق أنيقة قدّمتها الشركة المغربية للهندسة السياحية، وهذه المرة تحت اسمٍ واعد “الاتفاقية المندمجة لتنمية السياحة القروية”، مشروع بـ 36 وعدًا سياحيًا، وميزانية أولية تقارب 177 مليون درهم، منها 44 مليونًا خصصت للحسيمة وكأن الأمل يُقاس بالحساب. ومن بين الوعود الثلجية، برزت محطة التزحلق على ثلوج شقران، فكرة مستوحاة من طموح مستورد، لا من تضاريس الواقع.
في الحسيمة، لا يحتاج المرء إلى دليل سياحي، بل إلى عدّاد للخيبات، فكل مشروع تراه على الورق قد تراه أيضًا في الحلم، وربما في تقرير رسمي جميل، لكنك بالتأكيد لن تراه كاملاً في الواقع. في هذا الإقليم لا يكفي أن تتوفر الميزانيات ولا أن تُعلّق الخرائط على الجدران، فحتى أحسن النوايا تُصاب هنا بعدوى التعطيل، وكل مشروع يولد بعاهة التأجيل، وكأن الحسيمة محكومة بلعنة تجعل الواقع يخذل كل حلم قبل أن يلامس الأرض. نعم، هناك مشاريع انطلقت، لكن لا أحد يملك لائحة مفصلة بما اكتمل فعلًا، ولا بحجم ما تم تأجيله بصمت.
كلما خرج مسؤول يتحدث عن “هيكلة العرض السياحي”، تذكّرتُ الصائغ الذي يحول الذهبً الى معادن خسيسة ويصهر الأمل ليعيده نحاسًا باهتًا. كلمات منمّقة، وتصريحات مطلية بالنيّة الطيبة، لكن لا تثمر سوى الخيبة. فالمواطن هنا لا يريد جسرًا معلقًا بين ساحة محمد المدينة و”موروبيخو” بل أقصى ما يريد كُرسيًا ثابتًا في كورنيش صادق. يريد إدارة تؤمن بالفعل قبل القول، ومجالس تتقن العمل لا فن التوقيع، ومسؤولين يفهمون أن السائح لا لا تغريه الخلجان الطبيعية وحدها، بل يحتاج إلى مرحاض نظيف، وطريق غير محفور، ولوحة إرشادية.
لكن العجب العجاب، أن كل هذا يحدث وسط صمتٍ كثيف، يُخيَّل إليك أنه تأمّل صوفي، لكنه في الحقيقة صمت مجلس يُفترض أنه إقليمي للسياحة، مجلس وُلد سنة 2013، ومنذ ذلك الحين وهو يبحث عن شرعية ضائعة، واجتماعٍ لم يُعقد، وخطةٍ لم تُكتب، وجلسةٍ لم يُتحمّس لها أحد…لا بلاغات، لا مبادرات، لا حتى صور من أرشيف الماضي، يمارسون فن السياحة البكماء، لا صوت، لا صورة، لا أثر، كأن السياحة في الحسيمة تُدار من مكان مجهول… أو لا تُدار أصلًا
وفيما تنتظر الحسيمة معجزة سياحية تُخرجها من قوقعة التهميش المزمن، لا يزال من يروّج لوهم التنمية بقصيدة غزل تُلقى في اجتماع موسمي، أو منشور وردي يُعلَّق في مكتب بلا زوار، قبل أن تلتهمه الرطوبة أو يطويه الغبار، هكذا تُدار الأحلام في هذه الربوع، بالتجميل بدل التعمير، وبالمجاملات بدل المخططات، وبالقصائد بدل الخرائط، وفي النهاية، يبقى العرض السياحي مجرد عرض شفوي… يُقال ولا يُقام.































