بقلم : عبد العزيز حيون
تعتبر قضية إقصاء المتقاعدين من ثمار الحوار الاجتماعي في المغرب من أكثر الملفات إثارة للجدل، ليس فقط لكونها تمس فئة أفنت عمرها في خدمة الإدارة والاقتصاد الوطني، بل لما تحمله من “مفارقة صارخة” تضع المركزيات النقابية في موقف محرج أمام قواعدها والرأي العام.
فبينما تتجه الأنظار نحو جولات الحوار الاجتماعي بين الحكومة والمركزيات النقابية، وما قد تسفر عنه من زيادات في الأجور وتعويضات تهدف إلى صون القدرة الشرائية للشغيلة، تظل فئة المتقاعدين الحلقة الأضعف والمنسي الأكبر في هذه “المغانم” الاجتماعية ،بالرغم من أن هذه الفئة هي الأكثر تضررا من غلاء الأسعار وتآكل القيمة الشرائية لدرهم المعاش، إلا أن ملفها ظل حبيس الرفوف، يُستحضر في الشعارات ويُغيب عند توقيع المحاضر.
وتزداد سريالية هذا المشهد عند التأمل في بنية القيادات النقابية نفسها، إذ يبرز تساؤل أخلاقي وتنظيمي حارق: كيف يغيب المتقاعد عن أجندة التفاوض، في وقت يقبع فيه “زعماء” مركزيات نقابية كثيرة ضمن فئة المتقاعدين أنفسهم أو من اقتربوا من هذا السن الوظيفي؟،إنها المفارقة التي تضع العمل النقابي أمام مرآة الواقع، حيث يدافع “متقاعدون” عن حقوق “الممارسين ” وينسون -أو يتناسون- رفاق دربهم الذين يواجهون خريف العمر بمعاشات جامدة لم تطلها رياح الإصلاح ولا سخاء الاتفاقات.
ومن الغريب فعلا أن نجد قادة نقابيين تجاوزوا سن التقاعد بسنوات أو اقتربوا منه ، وما زالوا يديرون طاولات الحوار الاجتماعي، لكنهم يفاوضون بصفتهم “ممثلي الأجراء” وليس بصفتهم “مدافعين عن المتقاعدين” ،الفئة الحيوية التي تزاح من اهتمام النقابات وتسير على خطاها الحكومة .
وللأسف دائما ما يُنظر للمتقاعد في الحوارات الحكومية كـ”عبء مالي” على صناديق التقاعد، وليس كصاحب حق في حياة كريمة بعد عقود من العطاء ..وكطبقة اقتصادية حيوية لازالت تلج الأسواق وتستهلك كباقي الناس ، ليجد المتقاعد نفسه في الوقت الراهن في “المنطقة الرمادية”، لا هو استأثر بزيادة تصون كرامته ، ولا هو سلِم من نيران التضخم وغلاء المعيشة .
و تَتَعَدد الأسباب التي تجعل هذه الفئة عُرضة للتهميش في الاتفاقات بين الحكومة والنقابات التي تتناسى “سهوا” أن بعض قياداتها متقاعدة منذ سنوات طويلة ، منها كَوْن المتقاعد لا يملك حق الإضراب أو ميزة شَل حركة الإنتاج للضغط على الحكومة ،مما يستدعي من المتقاعدين التكتل القوي في إطارات نقابية مستقلة تفرض نفسها كطرف ثالث في الحوار.
وللأسف في المغرب ، لا ترتبط المعاشات تلقائيا بمؤشر غلاء المعيشة كما هو جاري به العمل في الكثير من الدول المتقدمة بعدالتها الاجتماعية وصونها لكرامة الناس من المهد الى اللحد ، مما يجعل القدرة الشرائية للمتقاعد في تآكل مستمر بينما يتفرج الجميع على هذا الوضع ويغفلون أن فئة المتقاعدين لازالت تشكل معادلة مهمة في القاعدة الناخبة ..ونحن على بعد أشهر قليلة جدا من الانتخابات التشريعية.
واستمرار قيادة “المتقاعدين” للنقابات دون أن ينعكس ذلك على وضعية “المتقاعد” كفئة اجتماعية، هو تجسيد لخلل في الأولويات… فالمتقاعد اليوم هو “مشروع الغد” لكل عامل، وتهميشه هو إضعاف لمفهوم التضامن الاجتماعي الذي تأسست عليه “عقيدة” النقابات أصلا.
ويظل إقصاء فئة المتقاعدين من ثمار الحوار الاجتماعي وصمة استفهام كبرى تَخْدِش مِصداقية التفاوض الثلاثي الأطراف، إنها “تراجيديا” واقعية أن يتفاوض زعماء نقابيون قضوا عقودا في العمل، وهم أنفسهم يحملون صفة “متقاعد”، ثم يوقعون على اتفاقيات تُحسن وضعية الموظف وتتناسى رفيق الأمس أو رفيق اليوم الذي يواجه غلاء المعيشة بـ “معاش” جامد.
واستمرار هذا التجاهل لا يمس فقط بالقدرة الشرائية للآلاف من المتقاعدين (حوالي مليون ونصف المليون متقاعد مغربي )، بل يكرس فجوة الثقة بين القواعد النقابية وقياداتها، فالعدالة الاجتماعية لا تتجزأ، والكرامة التي ناضلت من أجلها النقابات تاريخيا لا تنتهي عند سن التقاعد.
والحكومة والنقابات اليوم أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية وإنسانية ، فإما إنصاف هذه الفئة باعتراف مادي ملموس يوازي تضحياتها، وإما الإقرار بأن “العمل النقابي” بات يعاني من انفصام بنيوي يخدم المصالح الآنية على حساب القيم التضامنية التي تأسست عليها الحركة النقابية.




























