يعتقد كثيرون أن الانتخابات أرقى نظام ديمقراطي توصلت إليه البشرية. وقد تكون هذه الفرضية صحيحة، كما قد تبدو نسبية عند البعض تبعا لبلد الإقامة، وظروف العيش، وآفاق المستقبل التي يتيحها ذلك البلد لمواطنيه.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية بالمغرب في شتنبر المقبل، يعود هذا النقاش إلى الواجهة من جديد، خاصة بين الفاعلين الجمعويين والمهتمين بتدبير الشأن العام، سواء على المستوى المحلي أو الوطني. غير أن هذا النقاش يعيد، في جانب كبير منه، طرح سؤال المشاركة السياسية، سواء من موقع المترشح أو من موقع المصوت، لأن العملية برمتها تحتاج إلى كثير من التأمل والتحليل قبل اتخاذ الموقف المناسب، خصوصا في ضوء ما عاشه المغاربة خلال ولاية حكومة أخنوش والأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية.
والموقف المعبر عنه هنا هو موقف شخصي لا يعكس صفتي المهنية. فباعتقادي أن المشاركة في الانتخابات المقبلة لن تكون مجدية، ولن تفضي إلى حل المشاكل الحقيقية التي يواجهها المواطن المغربي، سواء تغير رئيس الحكومة أو جاء رئيس حكومة آخر من حزب مختلف. ذلك أن النظام الانتخابي الحالي لا يسمح بإفراز أغلبية سياسية مطلقة، بحكم نمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي وتوزيع المقاعد، فضلا عن ضعف نسب المشاركة التي لا تبلغ في الغالب نصف المسجلين في اللوائح الانتخابية، وهو ما يفضي في النهاية إلى تحالفات هشة تقوم على توزيع المواقع أكثر مما تقوم على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
وأعتقد أن الدولة أصبحت أكثر وعيا بهذه الإكراهات، ولذلك اتجهت إلى الاشتغال بمنطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. وقد تجسد ذلك في عدد من البرامج والمخططات التي تحدد أهدافا اقتصادية وتنموية على المدى المتوسط والبعيد. كما أن جزءا من هذه التصورات لا يمر دائما عبر الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة بالدرجة نفسها، وهو ما يعكس، في نظر البعض، محدودية قدرة الفاعل الحزبي على مواكبة رهانات الدولة في مجالات استراتيجية كبرى، سواء تعلق الأمر بالتموقع الاقتصادي أو بالأوراش الترابية والمؤسساتية الكبرى.
وعلى المستوى النظري، يطرح المتتبع أيضا أسئلة عميقة حول واقع الأحزاب السياسية، التي أصبحت في نظر قطاع من الرأي العام أقرب إلى آليات لتوزيع التزكيات منها إلى فضاءات لإنتاج النخب والكفاءات. وقد فتح ذلك المجال أمام صعود فئات من التكنوقراط لتولي مسؤوليات حكومية وإدارية مهمة. كما أن عددا من الأحزاب لم يعد يحمل تمايزا إيديولوجيا واضحا يسمح للناخب بالتصويت على أساس اختيارات فكرية أو مجتمعية محددة، فضلا عن الصعوبات التي تواجهها في إنتاج نخب قادرة على الترافع عن برامجها أو الدفاع عن مصالح المواطنين.
وأستحضر هنا واقعة تعود إلى فترة حراك الريف، حين سألتني صحافية ألمانية عما إذا كنت أشارك في الانتخابات. فأجبتها بالإيجاب، لتسألني بعد ذلك عن جدوى الاحتجاج إذا كان التغيير يمكن أن يمر عبر صناديق الاقتراع. وكان جوابي أن التصويت في المغرب لا يرتبط دائما بالبرامج بقدر ما يرتبط بالأشخاص. وحتى عندما يقتنع الناخب ببرنامج حزب معين، فإن هذا البرنامج يخضع لاحقا لمنطق التوافقات والتحالفات الحكومية التي قد تضم أربعة أو خمسة أحزاب، الأمر الذي يجعل جزءا من الالتزامات الانتخابية عرضة للتعديل أو التأجيل أو التفاوض.
ومن جهة أخرى، فإن المؤسسة الملكية، بحكم موقعها الدستوري، تحدد التوجهات الاستراتيجية الكبرى للدولة، وهو ما يجعل الناخب أحيانا يتساءل عن حدود تأثير صوته في رسم السياسات العمومية. ولذلك يظل النقاش قائما حول طبيعة التوازن بين الاختيار الديمقراطي من جهة، واستمرارية الدولة ومؤسساتها من جهة أخرى.
وفي المحصلة، فإن الجدل حول الانتخابات في المغرب لا يتعلق فقط بالأشخاص أو بالأحزاب، بل يرتبط أيضا بمدى قدرة العملية السياسية برمتها على إنتاج الثقة وإقناع المواطنين بأن مشاركتهم يمكن أن تحدث فرقا حقيقيا. فحين تتراجع هذه الثقة، يصبح السؤال المطروح أقل ارتباطا بمن سيفوز في الانتخابات، وأكثر ارتباطا بقدرة المؤسسات السياسية على استعادة المعنى والجدوى من المشاركة نفسها.





























